اسواق جو – رغم موجات القلق التي ترافق الأزمات الإقليمية والدولية، تؤكد المؤشرات في السوق المحلية استمرار وفرة السلع الأساسية واستقرارها، في وقت بدأ فيه سلوك الشراء لدى المواطنين يعود تدريجيًا إلى طبيعته، بعد فترة من الإقبال المرتفع على التخزين بدافع الخوف وعدم اليقين.
في هذا السياق، يوضح أستاذ علم الاجتماع الدكتور حسين الخزاعي، في حديثه لـ«الدستور»، أن التكديس المفرط للمواد الغذائية خلال فترات الأزمات يرتبط بشكل مباشر بحالة القلق الجماعي وتضارب المعلومات؛ ما يدفع الأفراد لاتخاذ قرارات احترازية قد تتجاوز الحاجة الفعلية.
ويشير إلى أن تراجع الثقة في التصريحات، حتى مع وجود تطمينات، يعزز هذا السلوك، مؤكدًا أن الأمر لا يرتبط بظرف آني بقدر ما يعكس تراكمات في مستوى الثقة العامة.
ويلفت الخزاعي إلى أن دوافع التخزين لا تقتصر على الخوف من انقطاع السلع، بل تمتد إلى القلق من ارتفاع الأسعار مستقبلًا، الأمر الذي يدفع بعض الأسر إلى شراء كميات أكبر لتفادي أعباء مالية محتملة.
ومن منظور اجتماعي، يبيّن أن هذا السلوك يتأثر بما يقوم به الآخرون، حيث تنتقل حالة التهافت كـ”عدوى” بين الأفراد، خاصة مع انتشارها عبر وسائل التواصل الاجتماعي والمجموعات العائلية، ما يعزز الإحساس بضرورة التخزين حتى لدى من لم تكن لديهم نية مسبقة.
اقتصاديًا، يحذر الخزاعي من أن التكديس قد يفرض ضغطًا إضافيًا على سلاسل التوريد، ويساهم في تسريع وتيرة ارتفاع الأسعار، وهو ما ينعكس سلبًا على الفئات ذات الدخل المحدود التي لا تمتلك القدرة على الشراء بكميات كبيرة أو التخزين. كما قد يدفع هذا السلوك بعض الأسر إلى الاستدانة لتأمين احتياجاتها، في ظل تحديات اقتصادية قائمة تتعلق بمستويات الدخل والبطالة.
وفي استطلاع أجرته «الدستور»، عبّرت عدد من ربات البيوت عن تغيّر ملحوظ في سلوكهن الشرائي خلال الفترة الماضية، حيث أشارت أم أحمد (35 عامًا) إلى أنها باتت تركز على شراء المواد الأساسية وبكميات أكبر قليلًا من السابق، فيما أكدت أم ليث (42 عامًا) أنها تحاول الالتزام بالشراء حسب الحاجة، لكنها تزيد الكميات أحيانًا بدافع القلق. من جهتها، أوضحت أم محمد (38 عامًا) أنها تعتمد على تخزين بعض المواد طويلة الأمد مثل الأرز والسكر والمعلبات بكميات تكفي لنحو شهر، لما يمنحه ذلك من شعور بالاطمئنان.
وتجمع معظم المشاركات على أن الدافع الأبرز وراء هذا السلوك هو الخوف من ارتفاع الأسعار أكثر من احتمال انقطاع السلع، مع إقرارهن بتأثير وسائل التواصل الاجتماعي في تعزيز هذا التوجه، إذ يدفع انتشار مشاهد التخزين الجماعي الكثيرين إلى تقليدها.
ويؤكد الخزاعي في ختام حديثه أن التوازن في السلوك الاستهلاكي يبقى الخيار الأمثل، داعيًا إلى الاكتفاء بشراء الاحتياجات الفعلية وتجنب التكديس غير المبرر، بما يسهم في الحفاظ على استقرار الأسواق وضمان توفر السلع لجميع المواطنين دون ضغوط إضافية.