الذهب في المعادلة النقدية الجديدة

اسواق جو – ترشيح، كيفن وورش، لرئاسة الاحتياطي الفدرالي الاميركي، اثار التساؤلات بشان تعريف دور الفدرالي المستقبلي، من نموذج استقلالي، الى نموذج اكثر تناغما مع السلطة التنفيذية ورؤيتها للنمو.

فوورش، يرى ان السياسة النقدية الحالية اسيرة نماذج وسياسات تقليدية لم تعد تعكس الواقع الاقتصادي الجديد. وان الفيدرالي، ما زال يتعامل مع التضخم كما لو انه في التسعينيات، حيث الطلب الاستهلاكي والاجور، هما المحركان الرئيسان لهذا التضخم.

مميزا بين تضخم ناتج عن اختناقات عرض تقليدية، وبين تضخم يجري في ظل ثورة تكنولوجية وانتاجية تقودها الاتمتة والتكنولوجيا والذكاء الاصطناعي، معتبرا ان رفع الفائدة لكبح حركة الاقتصاد في بيئة ترتفع فيها الانتاجية خطأ استراتيجي يكبح النمو دون مبرر .

هذه الفلسفة للوورش، دفعت الاسواق والبورصات والمعادن الثمينة والسلع الاولية لتسعيرها باعتباره تشددا نقديا، لكن هل من المنطقي ان يرشح الرئيس ترامب شخصا لقيادة الفدرالي يكون نسخة من الرئيس الحالي وهو الذي يطالبه كل يوم بخفض الفائدة، ثم يرشح متشددا نقديا؟ بالطبع فان ذلك غير منطقي.

فوورش سيخفض الفائدة بالطبع، لكنه لن يكون خفضا صادما بل ناعما، اي ليس بالضرورة ان يكون فوريا، لكننا سنشهد تغيرا في اللهجة والتوجه والفسفة، وهي التي شكلت صورة اولية عن تشدد وورش النقدي.

إذ إن أولويته ستكون تهيئة الاسواق لفكرة ان الاقتصاد قادر على النمو بمعدلات اعلى من دون رفع التضخم، وان الفائدة المرتفعة او حتى تثبيتها لم تعد اداة مناسبة، وهي فكرة سيعمل على تمريرها تدريجيا، خصوصا وانها تعني تغييرا في الادوات، وتغييرا جذريا في النهج والفلسفة، وقراءة مختلفة لمصدر الخطر.

فباول يرى، ان الخطر، يكمن في فقدان السيطرة على التضخم حتى لو جاء ذلك على حساب النمو، في حين وورش يرى، ان الخطر الحقيقي هو خنق الاقتصاد بسياسات نقدية لا تواكب التحول التكنولوجي والرقمي والذكاء الاصطناعي، وان التضخم هو نتاج سياسات مالية توسعية وميزانيات عمومية متضخمة، وليس نتيجة سلوك المستهلكين او العمال.

لذلك تقوم فلسفة وورش-بسببها يوصف بانه متشدد نقديا- على ضرورة تقليص الميزانية العموموية للفدرالي البالغة 6.6 تريليون دولار- وهي محفظة الاصول التي يمتلكها الفدرالي، من السندات الحكومية والاوراق المالية المدعومة بالرهون العقارية والتي تضخمت بعد ازمة 2008 وكورونا عندما ضخ الفيدرالي سيولة هائلة عبر شراء السندات لخفض الفائدة ودعم الاسواق- جنبا الى جنب مع خفض الفائدة، لاعادة توزيع الادوات النقدية لدعم الاسواق والمؤسسات المالية وتحفيز النشاط الاقتصادي الحقيقي.

ولتنفيذ ذلك، يدعو وورش الى تنسيق رسمي مع وزارة الخزانة الاميركية، وهي دعوة تثير المخاوف بشان استقلالية الفدرالي، حيث الخشية، ان يتحول التنسيق الى تبعية، وان تصبح السياسة النقدية اداة لتمويل العجز الحكومي بدل كبحه.

وتقليص الميزانية العمومية، يعني، توقف الفيدرالي عن اعادة استثمار السندات المستحقة، او يبيع جزءا منها، ما يؤدي الى سحب السيولة من النظام المالي، وتقليص دعمه للاسواق. وتعرف هذه العملية بالتشديد الكمي، حتى وان تزامنت مع خفض سعر الفائدة الاسمي. اي الانتقال من التحفيز عبر الميزانية العمومية الى التحفيز عبر تكلفة الاقتراض.

في السياق، ماذا يعني ذلك للذهب؟ الذهب، لا يتفاعل مع سعر الفائدة فقط، بل مع ثلاثة عوامل اضافية مجتمعة، الثقة بالاحتياطي، قيمة الدولار، توقعات التضخم طويلة الاجل.

هنا، ووفق عقيدة وورش، لدينا سيناريو مختلط لكنه في المجمل داعم للذهب، فخفض الفائدة عامل ايجابي، واي تنسيق وثيق للفدرالي مع وزارة الخزانة يضعف الثقة، والضغط المحتمل على الدولار يجعل الذهب ارخص؛ ما يزيد الطلب عليه.

لكن الخطر يظل قائما، فنجاح ثورة الانتاجية القائمة على الذكاء الاصطناعي في رفع النمو الحقيقي من دون تضخم- وهذا هو الرهان الذي يبني عليه وورش فلسفته الجديدة- قد يقلل الحاجة للتحوط، ليصبح الذهب عندها اقل جاذبية مقارنة بالاسهم والاصول المنتجة.

 

الدستور

Related posts

هل ريادة الأعمال الآن أســهــل؟

انهيار تاريخي للذهب

الذهب ذاكرة للعنف