اسواق جو – يمثل مضيق هرمز، هذا الممر المائي الضيق الذي يفصل بين إيران وسلطنة عمان، شريان الحياة للاقتصاد العالمي للطاقة. فمن خلاله يتدفق نحو ثلث إمدادات النفط العالمية المنقولة بحراً، بالإضافة إلى كميات هائلة من الغاز الطبيعي المسال. إن أهميته الاستراتيجية القصوى تجعله نقطة اشتعال محتملة، وأي تهديد مباشر أو إغلاق فعلي لهذا المضيق يحمل في طياته عواقب وخيمة لا تقتصر على دول الخليج وحدها، بل تمتد لتشمل الأسواق العالمية بأكملها. وفي خضم هذه المخاطر الجيوسياسية المتزايدة، تبرز أهمية البحث عن بدائل استراتيجية لضمان استمرارية تدفق الطاقة الخليجية إلى العالم، وهنا تشرق الفرصة الذهبية أمام ميناء العقبة الأردني ليلعب دوراً محورياً كبوابة بديلة وآمنة للطاقة والغاز.
إن سيناريو إغلاق مضيق هرمز، سواء كان ذلك نتيجة تصعيد عسكري أو توترات إقليمية مستدامة، يشكل كابوساً للاقتصادات التي تعتمد على النفط والغاز المستورد من منطقة الخليج العربي.
الدول الأوروبية والآسيوية، التي تستورد غالبية احتياجاتها من الطاقة من هذه المنطقة، ستكون الأكثر تضرراً. هذا الواقع المرير دفع الدول المنتجة إلى التفكير الجدي في تنويع مسارات التصدير بعيداً عن المخاطر المضيقية.
في هذا السياق، يمتلك الأردن موقعاً جغرافياً فريداً يجعله مرشحاً مثالياً لاستقبال خطوط الأنابيب والمنشآت التصديرية البديلة. يقع ميناء العقبة على البحر الأحمر، وهو منفذ بحري يتمتع بوصول مباشر إلى طرق الملاحة الدولية البعيدة عن التوترات. الاستثمار في تطوير البنية التحتية لنقل الطاقة عبر الأردن ليس مجرد خيار تكميلي، بل هو ضرورة استراتيجية لضمان أمن الطاقة الإقليمي والعالمي.
تتمثل الفرصة الذهبية للعقبة في عدة محاور رئيسية. المحور الأول هو تعزيز قدراته كمحور لوجستي متكامل. العقبة ليست مجرد ميناء لاستقبال البضائع العامة، بل يمكن تحويلها إلى مركز إقليمي لتخزين ومعالجة وتصدير الطاقة، خاصة الغاز الطبيعي المسال والنفط. يمكن إنشاء محطات تسييل غاز جديدة أو توسيع قدرات التخزين الحالية، مما يتيح للدول الخليجية مثل السعودية والإمارات إمكانية ضخ احتياطياتها عبر شبكة أنابيب تصل إلى الأردن ثم إلى البحر الأحمر، ومنه إلى الأسواق العالمية عبر قناة السويس أو الطرق الجنوبية.
المحور الثاني يتمثل في تطوير خطوط الأنابيب البرية. على الرغم من أن بناء خطوط أنابيب جديدة عبر الصحاري الأردنية قد يواجه تحديات لوجستية وبيئية، إلا أن البديل القائم حالياً، وهو خط أنابيب النفط العراقي السعودي (الذي يمتد جزئياً عبر الأردن)، يمثل نموذجاً يمكن البناء عليه لتوسيع شبكات نقل الطاقة. الأردن لديه بالفعل بعض خطوط النقل، لكن المطلوب هو تحديث وتوسيع هذه الشبكات لتكون قادرة على استيعاب حجم الطاقة التي يتم تحويل مسارها من مضيق هرمز. هذا يتطلب استثمارات ضخمة وشراكات استراتيجية مع دول الخليج والشركات العالمية المتخصصة في الطاقة.
المحور الثالث والأهم هو البعد الاقتصادي والجيوسياسي. نجاح العقبة كبديل يعني تعزيز مكانة الأردن كدولة محورية ومستقرة في قلب منطقة مضطربة. هذا التحول سيجلب استثمارات ضخمة، فرص عمل جديدة، ويعزز من عائدات الموانئ والخدمات اللوجستية الأردنية. كما أنه يوفر لدول الخليج ضمانة إضافية لاستمرار صادراتها حتى في أسوأ الظروف الأمنية. إن الاعتماد على ممر بحري بديل يقلل من الورقة الجيوسياسية التي تستخدمها بعض الأطراف للضغط على التجارة العالمية.
من الناحية العملية، بدأت بعض الخطوات تتخذ في هذا الاتجاه. مشروع الربط الكهربائي مع السعودية ومصر، على سبيل المثال، هو خطوة أولى نحو تكامل الطاقة الإقليمي. وبالنسبة للغاز، فإن الاستفادة من الغاز الطبيعي المسال القادم من حقول ضخمة في الخليج، وإعادة تسييله في محطات جديدة قرب العقبة للتصدير، يمثل مساراً منطقياً. هذا المسار يلتف تماماً حول المضيق ويوفر وصولاً سلساً إلى البحر الأبيض المتوسط ومنه إلى أوروبا.
ومع ذلك، فإن تحقيق هذه الرؤية لا يخلو من تحديات. فالمنافسة الإقليمية شديدة، وهناك دول أخرى تطمح لتعزيز دورها كمراكز عبور للطاقة، مثل مصر التي تمتلك قدرات تسييل وتصدير قوية عبر السويس. بالإضافة إلى ذلك، فإن الاستقرار السياسي والاقتصادي في الأردن نفسه هو عامل حاسم في إقناع المستثمرين الدوليين بضخ المليارات اللازمة لتطوير هذه البنى التحتية الضخمة. الشفافية، والحماية القانونية للاستثمارات، وكفاءة الإجراءات الحكومية، كلها عوامل يجب أن تكون على أعلى مستوى لضمان نجاح هذا التحول الاستراتيجي.
في الختام، يشكل أي تهديد لإغلاق مضيق هرمز جرس إنذار عالمي بضرورة تنويع مسارات الطاقة. إن ميناء العقبة الأردني يمتلك المقومات الجغرافية واللوجستية ليكون صمام الأمان المستقبلي للطاقة الخليجية المتجهة إلى العالم. إن استغلال هذه الفرصة الذهبية يتطلب رؤية استراتيجية طويلة المدى، وتضافر الجهود الإقليمية، واستثمارات جادة في البنية التحتية لضمان أن يظل تدفق الطاقة العالمية مستمراً، بغض النظر عن التقلبات الجيوسياسية في الخليج العربي. العقبة، بشاطئها على البحر الأحمر، يمكن أن تتحول من مجرد ميناء إقليمي إلى بوابة عالمية للطاقة الآمنة.
الدستور