بين صدارة «البنك الدولي» وفجوة «الواقع الرقمي»: هل ننجح في جعل التكنولوجيا حقاً للجميع؟

#image_title

اسواق جو – في خضم الأحداث اليومية المتسارعة ، قد يمر خبر حلول الأردن في المرتبة 21 عالمياً في تقرير البنك الدولي حول «نضج الحكومة الرقمية» كأنه مجرد رقم إحصائي دون أن يولى الأهمية المستحقة، اذ إن خلف هذا الرقم قصة طموح دولة تسعى لإعادة صياغة العقد الخدماتي مع مواطنيها من خلال الوسائل التكنولوجية المختلفة. ومع إعلان الحكومة عن «التحديث الشامل» لتطبيق (سند)، نجد أنفسنا أمام لحظة الحقيقة: هل ننتقل من مرحلة «امتلاك الأنظمة» إلى مرحلة «تمكين المواطن»؟ وهل تصبح الخدمات الرقمية حقاً متاحاً للجميع، أم ستبقى امتيازاً لمن يملكون المهارة والقدرة على الوصول؟
أن يُصنف الأردن ضمن الفئة (A) عالمياً في مؤشر نضج الحكومة الرقمية لعام 2025 هو اعتراف صريح بصلابة «العمود الفقري» التقني للمملكة، حيث استثمر الأردن سنوات في بناء بنية تحتية مشتركة وربط المؤسسات الخدمية ببعضها. لكن كما يعلم كل مواطن يقضي وقتا للحصول على الخدمات وانجاز المعاملات بالطريق التقليدية، فإن التحدي الحقيقي ليس في خلفية الأنظمة التي يراها خبراء البنك الدولي، بل في «واجهة الاستخدام» التي يراها المواطن. حيث أن النضج الرقمي الحقيقي لا يُقاس بجمال تصميم واجهة البرمجيات، بل بالقدرة على ردم فجوة «الشمول الرقمي». أي أن تصبح التكنولوجيا أداة يومية بسيطة في متاحة بمتناول يد الجميع  وسهلة الوصول دون تمييز أو تعقيد .
يأتي التحديث المرتقب لتطبيق (سند)، والذي أعلنت عنه وزارة الاقتصاد الرقمي والريادة، ليكون بمثابة الترجمة العملية والذراع التنفيذية لتلك الريادة الدولية التي وثّقها تقرير البنك الدولي. إن هذا الربط الذكي بين ‹شهادة دولية› تشيد بمتانة البنية التحتية، وبين ‹تحديث تقني› يلمس تفاصيل حياة المواطن اليومية، يكشف عن ملامح استراتيجية وطنية تتجاوز مجرد الأتمتة إلى مرحلة تكاد أن تكون ‹أنسنة التكنولوجيا›؛ فهي تسعى لتحويل الأرقام الصماء في التقارير إلى حلول واقعية تعالج معضلات الشمول الرقمي، وتجعل من التكنولوجيا جسراً للوصول لا حاجزاً للاستخدام من خلال بناء الثقة بين الدولة والمواطن وانهاء مركزية تقديم الخدمات والمراجعة الشخصية بتفعيل التوقيع الرقمي وتوسيع قبول الوثائق الالكترونية وزيادة عدد الخدمات المقدمة، عدا عن توفير واجهة مبسطة للمستخدم بإعادة تصميم الواجهات لتكون أكثر سهولة، خاصة للفئات الأقل تعاملاً مع التكنولوجيا، مما يكسر حاجز الرهبة ويعزز الثقة بالمنظومة الرقمية كبديل أكثر عدالة وأمنأ وسرعة  يقدم لمتلقي الخدمة عوضاً عن تقديمها بالطرق التقليدية.
لكن هذا النضج الرقمي لن يكتمل ما لم نواجه بجرأة حزمة من التحديات الماثلة على ‹طاولة المصارحة›؛ فالوصول إلى الشمول الكامل يتطلب عملاً متوازياً يتجاوز مجرد إطلاق التطبيقات والخدمات المؤتمتة. يبدأ ذلك بـ كلفة الوصول للخدمات، إذ لا يمكن الحديث عن عدالة رقمية بينما تشكل كلفة استخدام الانترنت عبئاً على ذوي الدخل المحدود، مما يفرض ضرورة إيجاد حلول لإنترنت خدمي مجاني أو بكلف معقولة لانجاز المعاملات. وبالتوازي مع ذلك تبرز معضلة محو الأمية الرقمية كحجر عثرة أمام الفئات التي لا تزال تخشى التكنولوجيا أو لا تمتلك لمهاراتها الأساسية، ما يتطلب حملات وطنية لبناء القدرات الرقمية. وأخيراً، يظل ملف سيادة وحماية البيانات هو حارس الثقة الأكبر؛ فمع تزايد الاعتماد على الهوية الرقمية، يصبح تعزيز الأمن السيبراني والتأكيد بأن بيانات وخصوصية المواطن أولوية هو الضمانة الوحيدة لتحويل التكنولوجيا من خيار تقني إلى ثقافة مجتمعية آمنة مستقرة ومستدامة .
يقف الأردن اليوم على أعتاب مرحلة نضج رقمي حقيقي، تتجاوز مجرد الأرقام والتصنيفات. فبالرغم من شهادة الجدارة والتطور التي منحنا إياها تقرير البنك الدولي، يظل الاختبار الحقيقي لصدق وموثوقية التوجه الرقمي مرهوناً بالبناء على إنجازات «تطبيق سند» بتكامل ودقة البيانات وضمان الوصول الموحد لكافة الخدمات من خلاله، وكسب ثقة المستخدمين عبر التحديث الشامل. إن الهدف الأسمى لا يكمن في رقمنة البيروقراطية وحسب، بل في إلغائها من جذورها لصالح مواطن مُمكَّن رقمياً. فطريق الصدارة العالمية لن يمر الا عبر تعزيز الشعور بالرضا والسهولة واليسر والأمان والثقة الذي يلمسه المستفيدون في كل مرة يستخدمون فيها التكنولوجيا لإنجاز شؤون حياتهم.

Related posts

بنك ABC الإسلامي يعلن عن نتائجه المالية

الأردني الكويتي يوقّع اتفاقية استراتيجية مع BPC لتسريع التحول الرقمي وبناء منظومة رقمية متكاملة ترتقي بتجربة العملاء

تحذير من البنك المركزي الأوروبي بشأن اليورو