اسواق جو – الحرب والتضخم يخنقان الأسواق في إيران.. تجار يكافحون من أجل البقاء
في سوق تجريش التاريخي شمالي طهران، لم تعد أروقة البازار المكتظة بالمتسوقين كما كانت؛ فارتفاع الأسعار وتراجع القدرة الشرائية بفعل تداعيات الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران دفعا الزبائن إلى تقليص مشترياتهم، فيما يكافح التجار للحفاظ على أعمالهم.
ويرصد ناصر، وهو تاجر فواكه ومكسرات يبلغ 61 عاما، كيف تبدّل سلوك الزبائن مع ارتفاع الأسعار، بعدما كانوا يشترون المكسرات بالكيلوغرامات، باتوا يكتفون بكميات أقل.
وقال ناصر: “كان لدينا زبائن يشترون ما بين كيلوغرامين وخمسة كيلوغرامات. أما الآن، فباتوا يكتفون بشراء كيلوغرام واحد أو حتى نصف كيلوغرام فقط”.
وأضاف: “الأسعار مرتفعة بالفعل. جميعنا يعلم ذلك، وسيكون من الكذب القول بغير ذلك”.
ودعا التاجر السلطات إلى تحقيق الاستقرار في سعر صرف العملة، بما يمكّن أصحاب الأعمال من التخطيط للمستقبل، قائلا: “نحن تائهون، جميعنا كذلك”.
وكان البازار يعجّ عادة بالمتسوقين، لكن متاجره باتت شبه خالية، ولم يعد يرتاد ممراته الضيقة سوى عدد محدود من الزبائن، في مشهد يعكس حجم الضغوط التي تواجه التجار.
وأثقلت سنوات من العقوبات كاهل الاقتصاد الإيراني، فيما زادت الحرب التي اندلعت في شباط، مع الهجمات الأميركية الإسرائيلية والحصار الأميركي على موانئ البلاد، الضغوط على الحياة اليومية للسكان.
وبلغ التضخم السنوي نحو 90% في أيلول، وفق الأرقام الرسمية، فيما ارتفعت أسعار المواد الغذائية إلى أكثر من ضعف مستوياتها قبل عام، وسط تقلبات حادة في سعر الصرف زادت تكلفة السلع الأساسية.
“نحتاج إلى الاستقرار”
ولا تقتصر تداعيات الأزمة على تجار المواد الغذائية؛ إذ يواجه أصحاب المتاجر في مختلف أنحاء السوق تراجعا في الطلب ومخاوف من تعثر أعمالهم.
وقال علي نوروزي، البالغ 36 عاما ويدير متجرا للملابس الرياضية، إن المصنّعين يعلنون إفلاسهم ويستغنون عن الموظفين ويغلقون متاجرهم، مضيفا أن آثار ذلك تصل إلى بقية حلقات النشاط التجاري.
وبات نوروزي يطلب كميات محدودة من البضائع لعرضها على رفوف متجره، حتى لا تبدو فارغة مثل مستودعه الذي قال إنه أصبح خاويا بسبب ضعف الطلب.
وأضاف: “ليست لدينا أي خطة للمستقبل على الإطلاق. فعندما يتوقف الناس عن الشراء، يعني ذلك عمليا إفلاس النشاط التجاري”، مشيرا إلى ارتفاع الإيجارات وفواتير الخدمات.
وتابع: “كل ما نحتاجه هو بعض الاستقرار”.
أما آزاده، وهي امرأة تبلغ 45 عاما وعاطلة عن العمل، فتقصد السوق حاليا لمجرد التجول ومشاهدة المتاجر، في مؤشر على تراجع القدرة على الشراء.
وتظهر البيانات الرسمية انكماش الناتج المحلي الإجمالي الإيراني بنسبة 10.1% على أساس سنوي بين أواخر آذار وأواخر حزيران، في ظل الضغوط المتزايدة الناجمة عن الحرب.
وتراجعت العملة الإيرانية إلى نحو 2.7 مليون ريال مقابل الدولار في السوق غير الرسمية خلال الأسبوع الماضي، مقارنة بنحو 1.7 مليون ريال قبل اندلاع الحرب. كما انخفضت القيمة الدولارية للحد الأدنى الشهري للأجور من نحو 120 دولارا قبل عام إلى قرابة 65 دولارا حاليا.
في المقابل، رفض وزير الاقتصاد الإيراني التوقعات التي تتحدث عن انهيار اقتصادي وشيك، متهما خصوم إيران بالسعي إلى تأجيج المخاوف لدى الرأي العام ودفع أسعار الصرف إلى الارتفاع.
الأسعار “حلّقت”
وتقدم آزاده مثالا على الارتفاع الحاد في الأسعار، مشيرة إلى أن قطعة قماش للمطبخ اشترتها قبل عدة أشهر مقابل 22 سنتا، ارتفع سعرها إلى 1.10 دولار، أي نحو خمسة أضعاف.
وقالت: “هذا يبيّن أن الأسعار لم ترتفع فحسب، بل حلّقت إلى مستويات هائلة بالفعل”.
وأضافت أنها توقفت عن شراء بعض أنواع الفاكهة، ولم تعد قادرة على تحمل تكاليف قضاء العطلات، متسائلة: “وجودنا لا يجب أن يكون مرتبطا فقط بأننا على قيد الحياة، بل يُفترض أن نعيش حياتنا فعلا، أليس كذلك؟”.
وتنعكس الضغوط ذاتها على قطاع الخدمات؛ إذ قال ميكانيكي السيارات مجتبى رضائي، البالغ 57 عاما، إن عدد زبائنه تراجع إلى عُشر ما كان عليه، مع ارتفاع أسعار السلع إلى ضعفين أو ثلاثة أضعاف.
وأضاف رضائي أن الزبائن باتوا يأتون للاستفسار عن الأسعار ثم يغادرون، قائلا: “أشعر في الواقع بالحرج عندما أبلغ الزبائن بالأسعار”.
وتابع: “أشياء كثيرة، مثل شراء الملابس، والخروج للترفيه، وتناول الطعام في المطاعم، باتت جميعها خارج حياتنا”.