إقراض الأسهم: شريان سيولة وطريق إدراج

تراهن رؤية التحديث الاقتصادي على الاستثمار الخاص، وتنتظر البورصة شركات الصناعة والخدمات والسياحة لتكبر وتُدرج. لكن الشركات الخاصة وهي 90 % من الأعمال، تراقب ولا تنضم، والمدرجة لا تحرك أسهمها وتستخدم البورصة للتداول لا للتوسع.

ومع ذلك، ارتفعت أرباح الشركات المدرجة أكثر من 14 % بدعم قرارات حكومية منشطة: إعفاء صناديق الاستثمار من الضريبة، وخفض عمولة الوسطاء، وزيادة ساعات التداول، ولقد نمت ثقة المستثمر الأردني 22 % في الربع الثاني 2026 وفق منتدى الإستراتيجيات. فصارت البورصة محط الأنظار.

لكن هذا النشاط لم ينعكس طروحاتٍ لشركات جديدة. والسبب الهيكلي: ضحالة السيولة.

إحصاءات البورصة 2025/2026: هناك في السجلات 6.588 مليار سهم مقابل تداول سنوي 1.1 مليار، أي دوران حوالي 17 %. والرقم أقل مما يبدو، فقد تدور كمية صغيرة 100 مليون سهم مثلاً 11 مرة وصولاً إلى 1.1 مليار. وأغلب الدوران أو السيولة تأتي من أقل من عشرة أسهم قيادية، والأغلبية الساحقة لا تدور في أروقة تداول البورصة. وهذا يزيد تخوّف ملاك الشركات الخاصة – وشركاتهم أصغر من القياديات – من تقييم أسهمهم بأقل من قيمتها العادلة عند الإدراج.

ضحالة التداول وغياب العمق تفرض “خصماً اضطرارياً”: البائع يخفض لعله يجد من يشتري، والمشتري يتردد أن يعلق بسهم لا يستطيع بيعه إلا بخصم.

فصفقة بعشرة آلاف دينار قد تهبط بالسعر 5 %، وتمحو ملايين من القيمة السوقية. والنتيجة: اتساع الهامش بين سعري البيع والشراء، وهبوط التقييم عن قيمته الحقيقية.

الأرقام الرسمية تؤكد المخاوف: مكرر الربحية في عمّان نحو 11.5 مرة، مقابل 18.3 في السعودية و19 في الإمارات. ولا ننكر اختلاف الاقتصاديات والظروف الهيكلية، لكنه يُترجم عملياً إلى خصم سيولة يعاقب الشركات، وينفر أصحاب الشركات الخاصة من الإدراج خشية تقييم أصولهم بأقل من قيمتها.

أصحاب الشركات الخاصة يخشون أصلاً الإفصاح والرقابة وفقدان السيطرة، مع أن القانون يتيح الاحتفاظ بالسيطرة بطرح 20 – 30 % فقط. فكيف إذا أُضيف سعر بعيد عن السعر العادل؟

مالك الشركة يفكر بالمشتري عند الإدراج: المستثمرون لن يدفعوا السعر السوقي خشية تجمّد أموالهم. ويفكر بالبائع الذي إن أراد الخروج لاحقاً سيضطر للبيع بخصم كبير ليجد مشترياً. وهذا يوسع الهامش ويُبقي التقييم متدنياً.

الحل بجانب الباقة التي تُحضّر للحفز، ليس ضخ أموال من الصناديق أو الحكومة، فهي أحق بها في أوجه إنفاق أخرى، بل تفعيل الملكيات غير المتداولة لدى كبار الملاك والمؤسسات عبر إقراض الأسهم. فتُضاف كميات جديدة إلى التداول، فترتفع السيولة، وتصبح الأسعار أعدل، وتأتيهم عمولات الإقراض، ويسهل الدخول والخروج دون خصم.

لا أتحدث عن الشركات القيادية المملوكة مؤسّسياً، فالاستثمار المؤسّسي محق في تحاشي المضاربة تحقيقاً للربح، إذ يكفيه الأمان بالحفظ في مخازن الإيداع محققاً الإيرادات من التوزيعات وارتفاع القيم الدفترية. لكن أسهمه راكدة، وتنشيطها يكون بتشجيع إقراض الأسهم.

الإقراض يتيح لصناديق كبرى، كالضمان الاجتماعي، مصدر دخل جديد عبر العمولات، مع الاحتفاظ بالملكية والأرباح السنوية. وتقدّر العوائد الإضافية بنحو 1 – 2 % سنوياً دون تأثير سلبي على السعر.

هو ينشط الأسهم الراكدة، ويطمئن طرفي التداول، ويرفع علاوة الثقة التي تشجع المشتري على دفع سعر أعلى، وتكون درع الحماية الذي يمنع البيع بخصم حاد. والأهم: يتيح تداول أسهم كبار المالكين – الحكومة والضمان والعائلات – دون خروجهم من استثمارهم، مع ضوابط لتصويت الأسهم المقترضة في الهيئات العامة.

نجاحه قد يمهّد لبيع شركات حكومية بأسعار عادلة إن أرادت الحكومة. وهو نموذج مجرّب لدى صناديق كبرى، منها الصندوق السيادي النرويجي، ومطبّق في سوق مسقط.

الهدف من الإقراض زيادة السيولة الفعلية وتحسين اكتشاف السعر بتضييق الفجوة بين العرض والطلب. فهو ينشّط الأسهم غير المتداولة لدى كبار الملاك ويمنحهم دخلاً إضافياً من رسوم الإقراض دون التنازل عن ملكيتهم طويلة الأجل، ويجلب مستثمرين مؤسّسيين وأجانب. حينها تدخل الشركات البورصة واثقة من حسن التسعير، ويقبل المستثمر مدركاً قدرته على الخروج دون خصم حاد.

وختاماً، يتوقف النجاح على استكمال الأطر الفنية والتشغيلية لتعليمات الإقراض والبيع على المكشوف لعام 2017، وإطلاق أول عملية إقراض تجريبية على أسهم عالية السيولة، تمهيداً لتحويله إلى نشاط يومي فاعل. فالإقراض يوفّر الأسهم، والبيع المكشوف يخلق الطلب، وصانع السوق يضمن استمرار السيولة. والنتيجة: زيادة الإدراجات والإيرادات، وتنامي الاستثمار الأجنبي والمؤسّسي، وسيلحق بهم الأفراد.

والمنافع تتحقق باشتباك البورصة عضوياً مع الاقتصاد المحلي، وتدخل خريطة تصنيفات المؤشرات الدولية.

صحيفة الغد

Related posts

الأردن جاذب للاستثمار

مشروع سكة الحديد: أكبر بكثير من مجرد ناقل!

البطالة والمجتمع والذكاء الاصطناعي