اسواق جو – يمضي الأردن مسرعا في بناء قواعد صلبة لتحصين منعة اقتصاده من خلال مشروعات استثمارية كبرى تصب في مفاصل الأساسية ما يدعم قدرته وصموده على مواجهة التحولات الإقليمية.
وتعكس هذه المشروعات الوطنية التي هي ثمرة لتوجيهات ملكية سامية مستمرة، تحولا جوهريا بمسار الاقتصاد الوطني والانتقال من مرحلة التخطيط للتنفيذ الفعلي، ما يرسخ من منعته ومصادر قوته.
وشهد رئيس الوزراء الدكتور جعفر حسان، توقيع الاتفاقيات لبدء الإجراءات الفعلية لتنفيذ مشروع سكة حديد ميناء العقبة، وتأسيس شركة أردنية – إماراتية مشتركة تقوم بمهام تشييد وتشغيل مشروع سكة حديد ميناء العقبة، كما شهد التوقيع على الاتفاقية الفنية القانونية النهائية لمشروع الناقل الوطني تمهيدا لإبرام الغلق المالي في تموز المقبل وبدء الأعمال الإنشائية وأعمال الحفر في الصيف المقبل.
وقال معنيون بالشأن الاقتصادي والاستثماري لوكالة الأنباء الأردنية (بترا)، إن العائد الحقيقي للمشروعين لا يقاس بعائدهما المالي، بل بقدرتهما على إعادة تشكيل الاقتصاد الوطني ورفع إنتاجيته وتعزيز قدرته على تحقيق نمو مستدام ضمن بيئة إقليمية غير مستقرة.
وأكد رئيس ملتقى رجال الأعمال الفلسطيني الأردني المهندس نظمي عتمة، أن تسارع خطوات تنفيذ المشروعات الاستثمارية الكبرى يمثل انعطافة تاريخية في مسيرة الاقتصاد الوطني، واصفا ذلك بـ”الأعمدة الفقرية” للأمن الاقتصادي للمملكة.
وقال إن مشروع الناقل الوطني ليس مجرد حل لأزمة المياه، بل هو ضمانة لاستدامة القطاعات الإنتاجية وإن توفير المياه بكلف مستقرة سيعزز من تنافسية القطاعين الزراعي والصناعي ويخلق بيئة جاذبة للاستثمارات الكبرى التي كانت تتخوف من تحديات الشح المائي.
وأضاف إن مشروع “سكة الحديد” يمثل ثورة في منظومة النقل والخدمات اللوجستية”، مبينا إن الربط السككي سيخفض كلف الشحن بشكل ملموس ويربط الأردن بعمقه الإقليمي والدولي بكفاءة أعلى، كما أن هذه المشروعات تعد بمثابة “شرايين حياة” ممتدة.
وأكد أن الملتقى ينظر ببالغ التفاؤل لهذه الخطوات التي يقودها جلالة الملك عبدالله الثاني، ويرى فيها فرصة ذهبية للقطاع الخاص للمساهمة في التنمية، مؤكدا بأنها ستنعكس مباشرة على معدلات النمو، وتسهم بخفض معدلات البطالة عبر توفير آلاف فرص العمل المباشرة وغير المباشرة، ما يعزز من مناعة الاقتصاد الوطني في مواجهة الأزمات.
من جهته، بين عضو مجلس إدارة جمعية رجال الأعمال الأردنيين المهندس عبد الرحمن أبو طير، أن تسارع وضوح خطوات التنفيذ بالمشروعات الكبرى يمثل تطورا محوريا بالبنية الاقتصادية الأردنية، في ظل مرحلة إقليمية تتسم باضطراب سلاسل الإمداد وتزايد الضغوط على الموارد.
وأشار الى أن أهمية المشروعين لا تنبع فقط من كونهما استثمارين في البنية التحتية، بل باعتبارهما جزءا من “إعادة تموضع اقتصادي” يهدف إلى تعزيز الاستقلالية الاقتصادية ورفع قدرة الاقتصاد على التكيف مع الصدمات الخارجية والجيوسياسية.
وأوضح أن “سكة الحديد الوطنية” يمثل مشروعا استراتيجيا لتطوير قطاع النقل واللوجستيات من خلال خفض الكلف وتقليل زمن نقل البضائع وتحسين الربط بين الإنتاج والتصدير، ما يعزز تنافسية الاقتصاد الوطني في ظل الاضطرابات الإقليمية.
ولفت إلى أن هذا التطور سينعكس بشكل مباشر على تنشيط الاستثمار بالقطاعات اللوجستية داخل مدينة العقبة، بما في ذلك التخزين والخدمات المساندة وسلاسل التوريد، إضافة إلى تحفيز إقامة مشاريع صناعية تعتمد على سهولة الوصول إلى الميناء والأسواق الإقليمية، ما يعزز دور العقبة كمركز لوجستي وصناعي متقدم.
وأضاف، إن “الناقل الوطني” يرتقي إلى مستوى الأمن الاقتصادي الوطني في ظل شح المياه، ويسهم في ضمان استدامة التنمية ودعم قطاعات الصناعة والزراعة والسياحة وجذب الاستثمارات.
وأكد أن توفير مصدر مائي مستدام وموثوق سينعكس بشكل مباشر على قطاعات حيوية مثل الصناعة والزراعة والسياحة ويعزز من قدرة البلاد على استقطاب الاستثمارات طويلة الأجل التي تتطلب بيئة مستقرة في الموارد الأساسية، وفي مقدمتها المياه والطاقة.
بدوره، قال الخبير الاقتصادي والاستثماري وجدي مخامرة، إن الدلالات الاقتصادية الرئيسية لطرح هذه المشروعات الكبرى في ظل الظروف الإقليمية الحالية تعطي إشارة إلى الاستقرار والثقة الداخلية التي يتمتع بها الأردن، على الرغم من التوترات الإقليمية التي تؤثر سلبا على قطاعات السياحة والتجارة والاستثمار بالمنطقة ككل.
وأشار إلى إن إطلاق مشروعات استراتيجية كبرى، تعكس قدرة الحكومة على إدارة المخاطر، واستمرارية السياسات الاقتصادية بعيدا عن التأثر الكلي بالأزمات الخارجية، والتزام حقيقي بتنفيذ رؤية التحديث الاقتصاد واعتماد نموذج الشراكة بين القطاعين كنهج استراتيجي، حيث أن هذا النموذج يفتح الباب أمام الاستثمارات والخبرات المحلية والدولية، ويقلل الضغط المالي المباشر على الموازنة العامة.
وأكد أن مشروع “سكة الحديد” يشكل تحولا هيكليا بالاقتصاد الوطني وسيضع المملكة ضمن خريطة سلاسل الإمداد العالمية، فيما يعد الناقل الوطني رافعة أساسية لرؤية التحديث الاقتصادي.
من جانبه، أكد مدير عام جمعية البنوك بالأردن الدكتور ماهر المحروق، أن إطلاق المشروعين في هذا التوقيت تحديدا يعكس إدراكا متقدما لطبيعة الصعوبات التي يواجهها الاقتصاد الوطني، سواء من حيث كلف النقل وسلاسل التوريد أو من حيث محدودية الموارد الطبيعية وعلى رأسها المياه.
ونوه بأن الأردن بحكم موقعه الجغرافي، يمتلك إمكانات كبيرة ليكون مركزا إقليميا لحركة البضائع، وأن تطوير شبكة سكك حديد حديثة يساهم في خفض كلف النقل بشكل ملموس ويعزز كفاءة سلاسل التوريد، خاصة للقطاعات الإنتاجية مثل التعدين والصناعة، كما أن هذا المشروع من شأنه أن يدعم تنافسية الصادرات الوطنية، ويجذب استثمارات جديدة تبحث عن بيئة تشغيل منخفضة الكلفة وأكثر كفاءة، إضافة إلى أثره الإيجابي في تخفيف الضغط على البنية التحتية للطرق وتقليل الانبعاثات.
وبين أن المشروع يوفر قاعدة مستقرة للنمو، حيث لا يمكن الحديث عن توسع صناعي أو استقرار عمراني أو حتى جذب استثمارات جديدة دون ضمان توفر المياه بشكل موثوق، علاوة على تقليل الكلف الاقتصادية غير المباشرة المرتبطة بنقص المياه، مثل تعطل الإنتاج أو تراجع كفاءة القطاعات المختلفة.
وقال إن المشروعين يبعثان برسالة واضحة للمستثمرين بأن الأردن يمضي نحو بناء بيئة أعمال أكثر استقرارا وقدرة على دعم الأنشطة الاقتصادية المختلفة ويمتد أثرهما ليتسق بشكل مباشر مع مستهدفات رؤية التحديث الاقتصادي التي تعتمد بشكل جوهري على تطوير البنية التحتية الممكنة للنمو.
وأوضح أن المشروعين معا يدعمان أحد أهم محاور رؤية التحديث الاقتصادي وهو جعل الأردن بيئة جاذبة للاستثمار، من خلال توفير بنية تحتية متقدمة تقلل من المخاطر التشغيلية وترفع من موثوقية الخدمات الأساسية.
وقال الدكتور المحروق، إن المشروعين يمثلان استثمارا استراتيجيا في مستقبل الاقتصاد الوطني فالعائد الحقيقي لهما لا يقاس بالأثر المالي المباشر فقط، لكن بقدرتهما على إعادة تشكيل هيكل الاقتصاد، ورفع إنتاجيته وتعزيز قدرته على تحقيق نمو مستدام في بيئة إقليمية ودولية تتسم بدرجة عالية من عدم اليقين.