اسواق جو – في عالم لم يعد يخضع لقواعد الاستقرار التقليدية، لم تعد قوة الدول تقاس فقط بحجم اقتصاداتها أو معدلات نموها، بل بقدرتها على توفير متطلبات الأمن الطاقي والغذائي لمجتمعاتها.
من هنا جاءت توجيهات جلالة الملك، خلال الاجتماع المخصص لمتابعة إجراءات الحكومة لتعزيز أمن الطاقة والغذاء، باعتبارها تمثل قراءة دقيقة لعالم متغير.
التوترات في الخليج العربي، وإغلاق مضيق هرمز الذي يمر عبره نحو 20% من تجارة النفط العالمية، تعني ارتفاعا مباشرا على أسعار الطاقة وكلف النقل وسلاسل الإمداد والشحن والتأمين.
كما أن السياسات الحمائية التي تتبناها العديد من الاقتصادات الكبرى وتتضمن فرض الرسوم الجمركية والقيود التجارية، تستدعي إعادة النظر في مفهوم الأمن الاقتصادي، والانتقال من الاعتماد الكامل على الأسواق العالمية إلى بناء احتياطيات استراتيجية وقدرات وطنية أكثر مرونة على قاعدة أمن الطاقة والغذاء.
أمن الطاقة هنا لا يعني فقط توافر الوقود أو الكهرباء في الظروف العادية، بل ضمان استمرار عمل المؤسسات والمرافق والقطاعات الاقتصادية واستدامة حياة المواطنين باستمرار.
لذلك، وفي حالة الأردن، فإن الاستثمار في مشاريع الطاقة أصبح استثمارا في الأمن الوطني العام، حيث يستورد الأردن ما يقارب 95 % من احتياجاته من الطاقة، ما يعني أن توجيهات جلالة الملك بالمضي في تعزيز المخزون الاستراتيجي للطاقة، وتنويع المصادر، والتوسع في مشاريع الطاقة المتجددة، وتعزيز البنية التحتية، ليست توجيهات استراتيجية تقلل من المخاطر الخارجية، بل هي خطة بناء اقتصادي وطني لرفع قدرة الاقتصاد على مواجهة تقلبات الأسواق العالمية، والحد من انعكاس ارتفاع أسعار النفط والطاقة على المواطن والاقتصاد.
الأردن، وبتوجيهات جلالة الملك، نجح في تحقيق قفزات مهمة في مشاريع الطاقة المتجددة، وفي الربط الطاقي العربي، وفي تزويد الأشقاء بالطاقة الكهربائية، حيث تسهم الطاقة المتجددة بنحو 30% من الكهرباء المولدة في المملكة، ما يمثل قاعدة صلبة للوصول إلى منظومة طاقة أكثر استقلالية واستدامة، خصوصا أن الاقتصاد الجديد واقتصاد الذكاء الاصطناعي ومراكز البيانات الجديدة تحتاج لطاقة كهربائية كبيرة وهي أحد معايير جذب الاستثمارات الذكية.
ولا يقل أمن الغذاء أهمية عن أمن الطاقة، فالدول التي تمتلك مخزونا استراتيجيا وقدرات تخزينية ولوجستية متطورة تستطيع تقليل تعرض أسواقها للتقلبات العالمية، حيث تكتسب توجيهات جلالة الملك بالحفاظ على مخزون استراتيجي آمن من الحبوب والسلع الأساسية أهميتها، خصوصا أن الأردن يستورد ما يزيد عن 95% من حاجته من القمح والحبوب الأخرى لتلبية احتياجاته المحلية، حيث تصبح زراعة الحبوب من القمح والشعير وغيرهما متطلبا وطنيا لا يقل أهمية عن متطلبات الأمن الوطني العام، وهو ما يعبر عنه إنتاج العام الحالي 2026 من القمح بنحو 55 ألف طن، وإنتاج الشعير بنحو 45-55 ألف طن، ما يمثل زيادة كبيرة عن الأعوام السابقة.
تشير التقديرات هنا إلى أن المملكة تحتفظ باحتياطيات استراتيجية من القمح والشعير تكفي ما بين سبعة وعشرة أشهر، وهي من المستويات المتقدمة إقليميا، إلا أن ذلك يحتاج لمزيد من الجهود لنقل المخزون الاستراتجي ليكون من الإنتاج المحلي أيضا، وهنا تكمن القيمة الكبيرة لتوجيهات جلالة الملك، حيث الاستثمار بتطوير إدارة المخزون باستخدام الأنظمة الذكية في الصوامع الحديثة ومستودعات التخزين الإضافية وسلاسل التوريد جوهرية.
توجيهات جلالة تعكس عناية ملكية بالتفاصيل، وإدراكا عميقا لطبيعة المرحلة المقبلة، فبناء منظومة متكاملة للأمن الغذائي والطاقي مسؤولية مشتركة بين الحكومة والقطاع الخاص بما يساهم بإدماج الخبرات والإمكانيات الوطنية كافة في تحقيق هذا الأمن.
الاستثمار في أمن الطاقة والغذاء ينعكس مباشرة على استقلال الدول وقدرتها على إدارة متطلبات أمنها الوطني العام وتقليل المخاطر المستقبلية، وزيادة الاستثمارات، ومواصلة النمو الذي بلغ 2.9% في الربع الأول من العام 2026، ما يعني أن الأردن يتمتع الآن بقدرات أكبر على استيعاب التداعيات السلبية في الإقليم، وهو قادر على التحول إلى مركز إقليمي ليكون أكثر عونا ومساعدة لأشقائه.
التوجيهات الملكية تؤكد أن استشراف المستقبل لم يعد خيارا بل ضرورة وطنية، فالاستثمار في أمن الطاقة والغذاء ليس إجراءات استباقية فحسب، بل ترجمة عملية لمفهوم الأمن الوطني الشامل، الذي يبدأ من حماية الوطن والمواطن.
الدستور