اسواق جو – من يرمش أولًا؟ إيران تحت ضغط التضخم… وأميركا أمام فخ النفط
لم تعد الحرب اليaوم تُقاس فقط بعدد الصواريخ التي تُطلق، ولا بعدد الطائرات التي تحلق في السماء.
هناك حرب أخرى تجري بصمت.
حرب لا تحتاج إلى خنادق، ولا إلى جنود على الحدود.
حرب تُخاض بالدولار، وبرميل النفط، وسعر الخبز.
وهنا تبدأ القصة الحقيقية هناك مقولة شهيرة تُنسب إلى مؤسس الجمهورية الإسلامية آية الله روح الله الخميني، ومفادها أن الثورة لم تكن من أجل أن يصبح سعر الشمام أرخص. وبعيدًا عن الجدل حول العبارة وسياقها التاريخي، فإن معناها السياسي يلخص فلسفة مهمة: قد تقبل دولة بكلفة اقتصادية مرتفعة إذا كانت ترى أن الهدف السياسي والاستراتيجي أكبر من ثمن هذه الكلفة.
واليوم، تبدو هذه الفكرة حاضرة بقوة في المواجهة بين إيران والولايات المتحدة. لكن واشنطن لا تحتاج بالضرورة إلى حرب شاملة كي تضغط. هناك سلاح أكثر هدوءًا، لكنه قد يكون أكثر استنزافًا على المدى الطويل:
العقوبات، الضغط المالي، خنق مصادر العملة الصعبة، والانتظار.
والسؤال لم يعد فقط: من يملك القوة الأكبر؟
بل أصبح:
من يملك القدرة على تحمّل الوقت؟
إيران تدفع الفاتورة من جيب المواطن
الاقتصاد الإيراني يواجه معركة يومية.
عندما تتراجع قدرة الاقتصاد على الحصول على العملات الأجنبية، تصبح الواردات أكثر تكلفة، وتضعف العملة المحلية، ثم تبدأ الأسعار بالصعود.
في هذه المرحلة، لا يعود التضخم مجرد رقم في تقرير حكومي.
يصبح سؤالًا بسيطًا جدًا:
ماذا يستطيع المواطن أن يشتري براتبه اليوم مقارنة بالأمس؟
الأرقام الأخيرة تعطي صورة قاسية. فقد بلغ التضخم السنوي في إيران نحو 88.6% في يونيو، بينما ارتفعت أسعار الخبز والحبوب بنحو 138.8%، واللحوم والدواجن بنحو 178.2% وفق بيانات رسمية نقلتها تقارير اقتصادية.
وهنا يتحول الضغط الاقتصادي إلى ضغط اجتماعي.
فالدولة تستطيع التعامل مع انخفاض مؤشرات مالية معينة، لكنها لا تستطيع تجاهل ارتفاع تكلفة الغذاء إلى الأبد.
لأن التضخم عندما يدخل المطبخ، يصبح سياسيًا بامتياز.
لكن واشنطن ليست خارج دائرة الخطر
المشكلة أن الضغط على إيران لا يحدث في فراغ.
إيران لاعب رئيسي في سوق الطاقة، ومضيق هرمز واحد من أهم الممرات النفطية في العالم.
ولهذا فإن أي تهديد لحركة ناقلات النفط في المنطقة يرفع ما يسمى اقتصاديًا “علاوة المخاطر”.
بمعنى آخر، الأسواق لا تسأل فقط: كم برميلًا من النفط موجود؟
بل تسأل أيضًا:
هل سيصل هذا النفط إلى المشتري؟
وهذا فرق هائل.
في 11 أغسطس، ارتفع خام برنت إلى نحو 89.64 دولارًا للبرميل مع تزايد المخاوف بشأن الملاحة في مضيق هرمز وتراجع الآمال باتفاق سريع.
وإذا استمر ارتفاع النفط، تبدأ السلسلة المعروفة:
نفط أغلى → وقود أغلى → نقل أغلى → إنتاج أغلى → تضخم أعلى.
وهكذا يمكن أن تبدأ أزمة جيوسياسية في الخليج، ثم تظهر آثارها في أسعار النقل والطاقة والغذاء في دول بعيدة آلاف الكيلومترات.
الحرب الاقتصادية… لعبة عضّ أصابع
وهنا تكمن المفارقة.
إيران تريد أن تثبت أنها قادرة على الصمود تحت الضغط.
والولايات المتحدة تريد أن تثبت أن الضغط سيصبح مع الوقت أكثر تكلفة على إيران.
لكن الطرفين يعرفان أن الانتظار له ثمن.
إيران تدفع من خلال العملة والتضخم وتآكل القوة الشرائية.
والاقتصادات العالمية قد تدفع من خلال النفط والطاقة والتضخم.
لذلك فإن هذه ليست معركة يستطيع فيها طرف أن يخرج بلا خسائر.
إنها أشبه بلعبة عضّ أصابع طويلة.
كل طرف يحاول أن يجعل الطرف الآخر يصرخ أولًا.
والأسواق بدأت تتحدث
الأسواق لا تنتظر البيانات الرسمية ولا البيانات العسكرية.
هي تتحرك بناءً على التوقعات.
مجرد احتمال تعطل إمدادات النفط يمكن أن يرفع الأسعار.
ومجرد إشارة إلى انفراج سياسي يمكن أن تخفضها.
وهنا تصبح الأسواق أشبه بمقياس حرارة للصراع.
كلما ارتفع النفط، ارتفع خوف المستثمرين من استمرار الأزمة.
وكلما تراجع، زادت رهاناتهم على انفراج أو استقرار الإمدادات.
لهذا، فإن سعر النفط ليس مجرد رقم.
إنه رسالة.
والرسالة الحالية تقول إن الأسواق ما زالت ترى خطرًا حقيقيًا في استمرار التصعيد.
من يرمش أولًا؟
في الحرب العسكرية، قد يكون التفوق واضحًا.
أما في الحرب الاقتصادية، فالصورة أكثر تعقيدًا.
الدولة الأقوى ليست بالضرورة الدولة التي تملك السلاح الأقوى، بل الدولة التي تستطيع تمويل نفسها، والحفاظ على صادراتها، وتأمين احتياجاتها، وتحمل التضخم، وإقناع شعبها بأن الصبر ما زال يستحق الثمن.
وهنا يصبح الوقت سلاحًا.
كل يوم إضافي من العقوبات يختبر قدرة إيران على الصمود.
وكل يوم إضافي من ارتفاع أسعار النفط يختبر قدرة الولايات المتحدة والاقتصاد العالمي على تحمل فاتورة الطاقة.
ولهذا، ربما تكون المعركة الحقيقية قد انتقلت بالفعل من ساحات القتال إلى شاشات الأسعار.
من برميل النفط إلى سعر الدولار.
ومن سعر الدولار إلى سعر الخبز.
ومن سعر الخبز إلى مزاج المواطن.
الحرب لم تنتهِ.
لكنها غيّرت سلاحها.
والسؤال الأخطر لم يعد:
من يستطيع أن يضرب أكثر؟
بل:
من يستطيع أن يتحمل أكثر… ومن سيكون أول من يرمش؟