اسواق جو – معيار كفاءة اي قانون يتمثل في حجم الاثر الذي يحدثه في الاقتصاد، وفي حياة الناس اليومية، وليس في عدد مواده، او مستوى الصياغة القانونية التي يقوم عليها، او المصطلحات الجديدة التي يتضمنها، على اهمية هذه الامور.
فالقانون ليس غاية بحد ذاته، بل هو اداة لتنظيم العلاقات الاقتصادية والاجتماعية والمعيشية والادارية والاستثمارية والانسانية، وتحسين كفاءة الاداء العام، وتعزيز الثقة بين الدولة والمواطن والقطاع الخاص.
من هنا، تبرز اهمية الكفاءة الاقتصادية للقانون، والتي تعني قدرته على تحقيق اهدافه باقل تكلفة ممكنة واعلى منفعة للمجتمع عبر تقليل الاجراءات والجهد والوقت، ورفع كفاءة المؤسسات، وتحسين استخدام الموارد، وتعزيز الانتاجية، ودعم المنافسة والشفافية، وتوفير بيئة مستقرة تساعد على النمو والابتكار.
في المقابل، قد يكون القانون متقنا في لغته، لكنه يفقد كفاءته الاقتصادية بما يترتب على تطبيقه من زيادة في الاعباء الادارية او المالية، او تعقيد في الاجراءات، او رفع في الكلف .
لذلك، فتقييم القوانين لا ينبغي ان يقتصر على مدى حداثة النصوص او جودة الصياغة، بل يجب ان ينصرف الى قياس قدرتها على تحقيق عائد مجتمعي اقتصادي منها.
القانون الناجح، هو الذي يتنقل من مرحلة النص الى مرحلة الاثر، من خلال تطبيق فعال ينعكس على تحسين الاداء المؤسسي، وتسهيل الاجراءات، ورفع مستوى الخدمات، وتعزيز النشاط الاقتصادي، حيث الكفاءة الاقتصادية للقوانين تعد احد عناصر بناء الاداء الاقتصادي الشامل بما يتضمنه من السياسات الاقتصادية والمالية والادارية، وكفاءة المؤسسات المسؤولة عن التنفيذ، وقدرة الاجهزة الحكومية على تطبيقه بصورة فعالة.
هنا تظهر اهمية التمييز بين مفهومي النجاح التشريعي والنجاح الاقتصادي، فقد يقاس نجاح التشريع حكوميا او برلمانيا بعدد القوانين التي تم اقرارها، اوسرعة انجازها، بينما يقاس اقتصاديا من خلال اثره على فرص العمل، التحسن في الدخل، انخفاض الكلف، جودة الخدمات، سهولة/سرعة انجاز المعاملات، لهذا فان القانون يجب ان يقيم عبر نتائج قابلة للقياس من وجهة نظر المستفيدين منه.
من اجل ذلك، وقبل اقرار اي قانون جديد، يجب طرح اسئلة تتجاوز الجانب التشريعي لاختبار كفاءته الاقتصادية مثل، هل سيخفض كلفة الاجراءات؟ هل سيرفع كفاءة المؤسسات؟ هل سيحسن استخدام الموارد؟ هل سيشجع الاستثمار والانتاج؟ هل سيسهم في ايجاد فرص عمل او تحسين مستوى الدخل؟ هل سيعزز الثقة والشفافية والمنافسة؟ هل سيساهم برفع النمو الاقتصادي؟ هل يسهم بتعزيز الاستدامة المالية؟ فهذه المؤشرات وغيرها هي التي تحدد قدرة القانون على تحقيق اثر اقتصادي حقيقي.
السنوات الاخيرة، شهدت، جهودا في تحديث عدد من التشريعات السياسية والاقتصادية والادارية والاستثمارية بهدف تطوير الاداء العام، وتحسين كفاءة العمل المؤسسي، الا ان التحدي الاساسي ظل يتمثل في مدى قدرة هذه التشريعات على احداث تغيير جوهري يمس حياة المواطنين واقتصادهم.
ولعل شعور المواطن بانخفاض عائده الاقتصادي / المعيشي من هذه التشريعات، قد يشير الى ان جانبا من هذا التحديث ركز على تطوير عمل المؤسسات الحكومية وادارتها اكثر من تركيزه على تحديث القواعد القانونية ذات الصلة المباشرة باقتصاد المواطنين ونشاطهم، اي تحولها من مجرد نصوص قانونية الى وسيلة حقيقية للتنمية تحسن البيئة الاقتصادية، ويلمس المواطن نتائجها في عمله ودخله وخدماته ومستوى معيشته.
القوانين تشبه قنوات الماء التي تغذي بحر الاقتصاد، وكل قانون يمثل مسارا يسهم في دعم جانب معين من جوانب هذا الاقتصاد، لكن كثرة القنوات لا تعني بالضرورة تدفق المياه بصورة فعالة خصوصا اذا كانت غير مصممة بكفاءة، او تعترضها عوائق ادارية وتنفيذية.
القانون الكفؤ اقتصاديا ليس الاكثر حداثة في نصوصه، بل الاكثر قدرة على تحويل مواده الى نتائج اقتصادية واجتماعية يشعر بها المواطن والوطن.