اسواق جو – قال المستشار الألماني فريدريش ميرتس، في كلمته خلال منتدى دافوس 2026، إن ألمانيا تعمل على جعل اقتصادها أكثر جاذبية للاستثمار، ودعم الشركات المتوسطة والابتكار، وخفض تكاليف الطاقة وتنويعها، وتوسيع البنية التحتية باستثمارات تصل إلى 500 مليار يورو، مع التركيز على التحول الرقمي والذكاء الاصطناعي.
وأكد أن ألمانيا تستثمر في المصانع الكبرى للذكاء الاصطناعي والبنى التحتية الرقمية، وتسعى لقيادة الصناعات المستقبلية، موجهًا دعوة واضحة للمستثمرين بأن ألمانيا ستكون شريكًا قويًا وموثوقًا على المدى الطويل.
ودعا ميرتس إلى عدم الانشغال بالعناوين اليومية، والنظر إلى الصورة الشاملة، مشددًا على أن العالم يتغير بوتيرة غير مسبوقة، وأن أوروبا وألمانيا مطالبتان برفع مستوى التحدي. وأكد أن حكومته ستطلق خطة إصلاحية كبرى ترتكز على التنافسية والوحدة الأوروبية.
أكد المستشار الألماني أن العالم يشهد تحولات عميقة تعكس تغيرًا جوهريًا في النظام الدولي القائم، مشيرًا إلى أن هذه التغيرات تمثل أحد أبرز مظاهر المرحلة الراهنة. وأضاف أن صعود الصين وانضمامها إلى صفوف القوى الكبرى، إلى جانب التحديات التي تواجه الدور القيادي للولايات المتحدة الأميركية، يعكسان ملامح حقبة جديدة تتسم بتحولات كبيرة في السياسات الأميركية نفسها.
وأوضح ميرتس أن العالم دخل مرحلة جديدة تتراجع فيها ركائز النظام العالمي الذي ساد طوال العقود الثلاثة الماضية، وهو النظام الذي كان يستند إلى القانون الدولي، ورغم أنه لم يكن مثاليًا، إلا أن ركائزه اليوم تتزعزع بشكل واضح. ولفت إلى أن النظام العالمي الجديد بات يعتمد بشكل أكبر على موازين القوة، ما يجعل الفضاء الدولي الحالي غير مريح، مؤكدًا أن العالم ليس مضطرًا للخضوع لهذا الواقع، بل يمتلك خيارًا يتمثل في رسم مستقبله.
وأشار ميرتس إلى أن الحضارات الصديقة اليوم ترتكز على ثلاث دعائم أساسية هي: الأمن، والتنافسية، والوحدة. وأوضح أنه يتعين أولًا الاستثمار المكثف في القدرات الدفاعية لحماية النفس، وهو ما تقوم به ألمانيا بالفعل. وثانيًا، ضرورة التحول السريع نحو اقتصادات أكثر تنافسية، وهو مسار تعمل عليه بلاده أيضًا. أما ثالثًا، فيكمن في تعزيز التقارب الأوروبي وتقوية الشراكات مع الشركاء الدوليين.
وحذر من أن عالمًا يقوم فقط على منطق القوة سيكون عالمًا شديد الخطورة، لأنه سيصب في مصلحة الأقوى فقط، مؤكدًا أن ألمانيا ترى أن قوتها الحقيقية تكمن في قدرتها على بناء تحالفات وشراكات قائمة على المساواة والثقة المتبادلة والاحترام. وذكّر بأن الولايات المتحدة الأميركية تبنت هذا المنطق بعد عام 1945، وهو ما أسهم في قيام حلف شمال الأطلسي (الناتو) كأكبر تحالف في التاريخ.
سنحمي غرينلاند
وتطرق ميرتس إلى طلب الإدارة الأميركية مؤخرًا تعزيز نفوذها في غرينلاند بدعوى الضرورات الأمنية وضمان أمن نصف الكرة الشمالي، موضحًا أن الولايات المتحدة تأخذ التهديد الروسي في القطب الشمالي على محمل الجد. وأكد أن أوروبا والولايات المتحدة تواجهان معًا هجمات جريئة في المنطقة، إضافة إلى الحرب التي تشنها روسيا على أوكرانيا.
وأوضح أن على حلفاء الناتو ضمان أمن المنطقة، مشيرًا إلى أن ألمانيا تقوم بدورها في هذا الإطار وستقوم بالمزيد. وأضاف أن جيران ألمانيا وشركاءها، بما في ذلك الدنمارك وسكان غرينلاند، يمكنهم الاعتماد على التضامن الألماني، مؤكدًا الالتزام بحماية الدنمارك وغرينلاند والمنطقة الشمالية من التهديدات الروسية، والدفاع عن مبادئ الناتو، ولا سيما سيادة الأراضي.
وأشار إلى أنه ناقش هذه القضايا مع الرئيس الأميركي دونالد ترامب، ومع أمين عام حلف الناتو مارك روته، ومع أطراف أخرى، وتم الاتفاق على تعزيز التعاون الوثيق بين الحلفاء في المنطقة الشمالية، مع الترحيب بتصريحات الرئيس ترامب التي أكد فيها أن اللجوء إلى القوة غير مقبول.
الرسوم الجمركية
وفي ما يتعلق بالرسوم الجمركية الجديدة، حذر ميرتس من أنها ستؤثر سلبًا على العلاقات العابرة للأطلسي إذا ما تم تنفيذها، مؤكدًا أن رد أوروبا سيكون موحدًا وحازمًا. وأوضح أن على أوروبا، في عصر القوى العظمى، أن تقف موقفًا سياديًا واضحًا دون التخلي عن حلف شمال الأطلسي.
وأشار إلى أن قمة الناتو في لاهاي في يونيو/حزيران وضعت الشروط الأساسية لتمكين أوروبا من الاستثمار في الدفاع والأمن، واصفًا ذلك بالنجاح العابر للأطلسي. وأكد أن الناتو يمثل ميزة تنافسية كبرى للولايات المتحدة، لكونه يوفر لها شركاء موثوقين.
أكد أن أوروبا تدخل حقبة جديدة تتسم بظهور قوى جديدة وظروف صعبة تولد تهديدات ملموسة، إلا أن ألمانيا لن تخضع للوضع السائد، بل ستستخدم عناصر قوتها من خلال الاستثمار الكبير في الدفاع، وتحسين تنافسية الاقتصاد، وتعزيز التعاون مع الشركاء الأوروبيين.
وشدد على تعزيز السيادة بالتعاون الوثيق مع الدول المجاورة، مع الإبقاء على العلاقات العابرة للأطلسي رغم التحديات التي شهدتها في الأشهر الماضية، مؤكدًا ضرورة التمسك بها وبث رسالة أمل. وأوضح أن الثقة المتبادلة داخل الناتو تمثل الميزة التنافسية الأساسية في هذا العصر.
استعادة قوة ألمانيا الاقتصادية
وأكد أن ألمانيا تهدف إلى استعادة قوتها الاقتصادية، وجعل أوروبا لاعبًا رئيسيًا في الاقتصاد العالمي والدفاع، مشيرًا إلى أن التنافسية الاقتصادية والقدرة على رسم السياسات العالمية وجهان لعملة واحدة. وأضاف أن النفوذ الجيوسياسي الأوروبي يعتمد على القوة الدفاعية والزخم القاري.
وأوضح أن السياسات الأوروبية يجب أن تكون طموحة وشجاعة، مع تحقيق تقدم متزامن في أربعة مجالات: دعم أوكرانيا من أجل سلام عادل، تعزيز القدرة الدفاعية الأوروبية المستقلة، تقليل التبعيات التي تضعف أوروبا، وضمان استفادة الاقتصاد من كامل قدراته الابتكارية.
وأشار إلى قرار ألمانيا في بداية ولايته زيادة الإنفاق الدفاعي إلى 5% من الناتج المحلي الإجمالي، معتبرًا ذلك خطوة أساسية لتعزيز السيادة وتقليل التبعية الاقتصادية والتكنولوجية. وأكد رفضه للانعزالية والحمائية، داعيًا إلى أسواق مفتوحة وقواعد تجارية عادلة.
وتحدث عن اتفاقية “ميركوسور” بوصفها اتفاقًا منصفًا ومتوازنًا، معربًا عن أسفه للعقبات التي وضعها البرلمان الأوروبي مؤخرًا، ومؤكدًا أن المسار لن يتوقف. كما أشار إلى الجهود المبذولة لتوقيع اتفاقات تجارية مع الهند والمكسيك وإندونيسيا.
وعلى الصعيد الداخلي، أقر ميرتس بأن ألمانيا وأوروبا فقدتا جزءًا من قدراتهما الاقتصادية بسبب غياب الإصلاحات، مؤكدًا أن بلاده ستغير هذا الواقع عبر خفض البيروقراطية وتعزيز السوق الموحدة، داعيًا إلى قمة أوروبية خاصة في الثاني عشر من فبراير.