اسواق جو – شهد الاقتصاد الأردني خلال السنوات الأخيرة تحولات جوهرية انعكست بشكل واضح على خريطة الاستثمار الأجنبي المباشر، إذ أظهرت الأرقام الرسمية ارتفاعا ملموسا في التدفقات الاستثمارية، ما يعكس ثقة المستثمرين في استقرار الاقتصاد الأردني وفاعلية السياسات الحكومية والإجراءات التشريعية والإجرائية، التي عملت على تعزيز تنافسية السوق وتسهيل بيئة الأعمال.
ويأتي هذا النمو في سياق إقليمي شديد التقلب، حيث يسعى المستثمرون للبحث عن بيئات أكثر استقرارا ووضوحا، ما منح الأردن ميزة، خصوصا بعد تنفيذ حزمة الإصلاحات المالية والإدارية والرقمية التي حسنت بيئة الاستثمار وأعادت توجيه الاستثمارات نحو القطاعات الإنتاجية والتكنولوجية والخدمات عالية القيمة.
وفي الوقت الذي تواصل فيه المملكة تنويع شركائها الاقتصاديين والانفتاح على الأسواق الإقليمية والدولية، تشكل السياسات الحكومية الأخيرة، جزءا لا يتجزأ من استراتيجية وطنية شاملة لتعزيز جاذبية الأردن كوجهة استثمارية موثوقة، وتحويل رأس المال الأجنبي إلى شريك فاعل في التنمية المحلية عبر مشروعات إنتاجية وتوظيفية مستدامة.
وتتزامن هذه التطورات مع استمرار صعود القطاعات القائمة على المعرفة والتكنولوجيا والخدمات عالية القيمة، ما يعكس انتقالا نوعيا في طبيعة الاقتصاد الأردني من نموذج يعتمد على الأصول الملموسة إلى اقتصاد رقمي مبتكر، قادرا على منافسة الأسواق الإقليمية والدولية. وينظر إلى هذا التحول على أنه تعزيز لموقع الأردن الإقليمي كمركز للشركات الناشئة، خصوصا في مجالات الذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني والحوسبة السحابية، إلى جانب توسع شركات أردنية خارج الحدود، ما يعكس قدرة القطاعات الحديثة على توليد قيمة مضافة أكبر مقارنة بالقطاعات التقليدية مثل العقار والخدمات المالية.
وقال الخبير المالي الدكتور عدلي قندح لوكالة الأنباء الأردنية (بترا)، إن الأرقام التي أظهرت ارتفاع تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر إلى الأردن خلال عام 2025 تحمل دلالات إيجابية على مستوى ثقة المستثمرين.
وأوضح أن النمو المسجل بنسبة 25 بالمئة وبلوغ التدفقات أعلى مستوياتها منذ عام 2017 يعكس تحسنا في جاذبية البيئة الاستثمارية، خاصة من حيث الاستقرار النقدي والسياسات الاقتصادية.
وأشار إلى أن هيمنة قطاع المالية والتأمين على الحصة الأكبر من هذه التدفقات تعكس الثقة بالقطاع المالي الأردني وقوة الإطار التنظيمي.
وأكد أن استدامة النمو في الاستثمار الأجنبي مرهونة بتطورات الأوضاع الجيوسياسية في المنطقة والقدرة على تحويل هذه التدفقات إلى استثمارات طويلة الأجل مرتبطة بسلاسل إنتاج داخل الاقتصاد المحلي.
من جانبه، أشار أستاذ المالية في جامعة آل البيت الدكتور عمر الغرايبة لوكالة الأنباء الأردنية (بترا) إلى أن خريطة الاستثمار الأجنبي المباشر في الأردن تشهد تحولا تدريجيا لكنها عميقة في بنيتها، يتمثل في صعود متسارع لقطاعات قائمة على المعرفة والتكنولوجيا والخدمات عالية القيمة، وهو ما يعكس انتقالا نوعيا في طبيعة الاقتصاد الأردني من نموذج يعتمد على الأصول الملموسة إلى نموذج أكثر ارتباطا بالاقتصاد الرقمي والابتكار.
وأوضح الغرايبة أن تسجيل تدفقات استثمار أجنبي مباشر تجاوزت ملياري دولار خلال عام 2025 وبنمو يقارب 25 بالمئة مقارنة بالعام 2024، لا يمكن قراءته بمعزل عن حزمة الإصلاحات التشريعية والإجرائية التي حسنت من تنافسية البيئة الاستثمارية، ورسخت لدى المستثمر الأجنبي انطباعا إيجابيا حول استقرار الاقتصاد الأردني وقدرته على النمو، مشيرا إلى أن هذه التسهيلات، إلى جانب التقدم في البنية التحتية الرقمية، أسهمت في إعادة توجيه جزء من الاستثمارات نحو قطاعات أكثر إنتاجية.
وأضاف أن قطاع تكنولوجيا المعلومات والاتصالات أصبح يحتل موقعا متقدما على خارطة الاستثمار، مدفوعا باستثمارات كبيرة في شبكات الألياف الضوئية والبنية التحتية الرقمية، ما يعزز من موقع الأردن كمركز إقليمي محتمل للشركات الناشئة، خاصة مع تنامي الاهتمام بمجالات الذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني والحوسبة السحابية، إضافة إلى توسع شركات أردنية خارج الحدود، الأمر الذي يعكس قدرة هذا القطاع على توليد قيمة مضافة أعلى مقارنة بالقطاعات التقليدية.
وأشار الغرايبة إلى أن قطاع الخدمات، بما يشمله من أنشطة مالية وتأمينية وصحية، شهد تحولا لافتا، حيث أصبح أحد المحركات الرئيسية لجذب الاستثمار الأجنبي، مدعوما بالإصلاحات التنظيمية التي عززت الشفافية والكفاءة، وفي الوقت نفسه ساهمت التشريعات الحديثة، وفي مقدمتها قانون الاستثمار لعام 2022، في تبسيط الإجراءات وتحسين بيئة الأعمال، إلى جانب ما تضمنته رؤية التحديث الاقتصادي من إدراج قطاعات التكنولوجيا والطاقة النظيفة والصحة الرقمية ضمن أولويات التنمية.
وأكد أن التحولات الجارية لا تقتصر على البعد الداخلي، بل ترتبط أيضا بتوجهات السياسة الاقتصادية الخارجية، لافتا إلى أن الانفتاح على الأسواق الآسيوية، وخاصة الهند، يمثل بعدا استراتيجيا مهما في تنويع الشركاء الاقتصاديين، في ظل بلوغ حجم التبادل التجاري بين البلدين نحو 2.5 مليار دولار مع توقع مضاعفته خلال السنوات المقبلة، ما يعزز فرص التعاون في قطاعات الصناعة والتكنولوجيا والخدمات ذات القيمة المضافة.
–(بترا)
خبراء: النمو الاستثماري مدعوم بإجراءات حكومية تنظيمية
#image_title