اسواق جو – لجأت شركات تطوير عقاري مصرية إلى مراجعة عقودها مع العملاء خاصة البنود المرتبطة بمواعيد التسليم، وفترات السماح، وآليات التعامل مع حالات التأخير أو التعثر في السداد وتأتي هذه الخطوة بالتزامن مع حالة من التباطؤ النسبي في حركة الشراء، مما دفع المطورين إلى تجاوز الأساليب التقليدية للمنافسة القائمة على مرونة خطط السداد فقط، والاتجاه نحو عقود أكثر كفاءة وتوازناً كأداة جذب استثماري لتطمين العملاء وتوسيع قاعدتهم.
وتأتي تحركات الشركات في ظل ما تشهده السوق العقارية مؤخراً من تصاعد ملحوظ في النزاعات القضائية والجدل القانوني حول بنود التعاقد، وحقوق أطراف العقد.
قال الرئيس التنفيذي لشركة “One of One”، مصطفى صلاح، إن العقود العقارية في السوق المصرية شهدت خلال الفترة الأخيرة تطوراً ملحوظاً، مدفوعاً بزيادة وعي العملاء وتنامي المنافسة بين المطورين، وهو ما دفع الشركات إلى إعادة النظر في صياغة عقودها بشكل أكثر توازناً ووضوحاً.
وأوضح صلاح لـ”العربية Business” أن العديد من المطورين باتوا يعتمدون مراجعة شاملة لبنود العقود المتداولة في السوق قبل اعتماد نماذجهم التعاقدية، مع التركيز على معالجة أي نقاط قد تُفسر على أنها غير متوازنة أو مجحفة بحق العميل، بما يضمن تحقيق قدر أكبر من العدالة والشفافية في العلاقة التعاقدية.
وأضاف أن الاتجاه العام في السوق أصبح يقوم على تحقيق توازن حقيقي بين حقوق المشتري والمطور، بحيث تضمن العقود حماية حقوق العميل من جهة، وفي الوقت نفسه تحافظ على حقوق الشركات العقارية من جهة أخرى، بما يدعم استقرار السوق ويعزز الثقة بين جميع الأطراف.
وأشار إلى أن العقود الحديثة تتضمن عادةً فترة سماح للمطور العقاري، وفي حال تجاوز هذه الفترة دون الالتزام بمواعيد التسليم المتفق عليها، يتم تفعيل بنود التعويض أو فوائد التأخير لصالح العميل.
غرامات التأخير
اطلعت “العربية Business” على عدد من العقود العقارية الجديدة لرصد أبرز التغيرات في البنود التعاقدية بين الشركات والعملاء، فقد تبين أن معظم العقود تتشابه في عدد من البنود مثل الاستخدام وجدولة الأقساط ونسب الإشغال، بينما ظهرت اختلافات واضحة في بعض البنود الجوهرية، وعلى رأسها غرامات التأخير المفروضة على المطور العقاري.
كما تباينت آليات احتساب غرامات التأخير بين الشركات، حيث نصت بعض العقود على غرامة بنسبة 0.05% من إجمالي المبالغ المسددة عن كل شهر تأخير بعد فترة سماح تصل إلى 6 أشهر، بينما حددت شركات أخرى مبلغاً ثابتاً يصل إلى 5 آلاف جنيه شهرياً بعد انتهاء فترة السماح ذاتها، في حين وصلت بعض العقود إلى فرض غرامات بنسبة 1% من إجمالي قيمة الوحدة.
وفي ظل محاولات جذب شرائح أوسع من العملاء خلال فترة تباطؤ السوق، ذهبت بعض الشركات إلى تبني شروط أكثر تشدداً لصالح العميل، حيث وصلت الغرامات في بعض الحالات إلى 40 ألف جنيه شهرياً عن التأخير، بهدف تعزيز الثقة وتحفيز التعاقد، بحسب المحامي بالنقض والمتخصص في النزاعات العقارية محمد منير.
وقال منير ل”العربية Business” إن أكثر الدعاوى القضائية المرفوعة حالياً ترتبط بآليات تطبيق غرامات التأخير في بعض العقود وهي تختلف من شركة لأخرى، وفي حالة صدور الأحكام لصالح العميل لا يتم في جميع الحالات سداد التعويضات بشكل نقدي مباشر.
وأضاف أن بعض المطورين يلجأون إلى أسلوب خصم غرامات التأخير المستحقة عليهم من الأقساط المتبقية، بحيث يتم ترحيل قيمة التعويض وخصمها مباشرة من الدفعات الأخيرة المستحقة على العميل، بدلاً من سدادها في صورة نقدية.
وأشار منير إلى اتجاه آخر لدى بعض الشركات يعتمد على ما يُعرف بالقيمة الإيجارية المثلية، وهو تعويض مالي يُقدر بناءً على القيمة الإيجارية المتوقعة لوحدة مماثلة في نفس المنطقة خلال فترة التأخير، بما يعكس خسارة المنفعة الناتجة عن عدم التسليم في الموعد المحدد.
إعادة صياغة بند القوة القاهرة
وقال رئيس قطاع المبيعات بإحدى شركات التطوير العقاري، محمد الليثي، إنه تم خلال الفترة الأخيرة إعادة صياغة بند القوة القاهرة في عدد من العقود العقارية، ليصبح أكثر شمولاً للمتغيرات الاقتصادية والظروف غير المتوقعة.
وأوضح الليثي ل”العربية Business” أن بعض العقود باتت تتضمن إدراج الاضطرابات الاقتصادية، وتذبذب سعر الصرف، ونقص سلاسل الإمداد ضمن الحالات التي يمكن الاستناد إليها كأسباب للإعفاء من غرامات تأخير التسليم، في حال ثبت تأثيرها المباشر على تنفيذ المشروع.
وأضاف أن فترة السماح الممنوحة للمطور لتنفيذ وتسليم الوحدات، والتي كانت تتراوح سابقاً بين 3 و6 أشهر، شهدت تمديداً في بعض العقود لتصل إلى عام كامل.
وأشار إلى أن بعض البنود أصبحت تنص على إعفاء المطور من غرامات التأخير في حال كان سبب التأخير ناتجاً عن ظروف خارجة عن إرادته، مثل تأخر التراخيص الحكومية لأسباب عامة أو التعرض لظروف اقتصادية استثنائية وقهرية تؤثر على سير التنفيذ.
بينما كشف منير أن بعض الشركات تضع في عقودها شروطاً جزائية ضعيفة للغاية على نفسها قد تصل إلى 500 جنيه شهرياً فقط (أي نحو 6,000 جنيه سنوياً)، وهو ما وصفه بأنه مبلغ لا يتناسب إطلاقاً مع قيمة الالتزامات المالية الضخمة التي يتحملها العملاء، مقارنة بالمبالغ المدفوعة في الوحدات العقارية.
كما لفت إلى أن الحد الأقصى المتداول في السوق العقاري للشرط الجزائي عن التأخير لا يتجاوز عادة 2.5% من إجمالي قيمة الوحدة سنوياً، مشيراً إلى أنه لم يشهد نسباً أعلى من ذلك، باستثناء حالات محدودة مثل الشركة التي اعتمدت على مبلغ ثابت كشرط جزائي والذي وصل إلى 40 ألف جنيه شهرياً وهو الأعلى على الإطلاق، بحسب وصفه.
تأخر العملاء في السداد وفسخ العقود
أما فيما يتعلق بحالات تأخر العميل في سداد الأقساط، لفت الليثي إلى أن الإجراءات المتبعة تتباين من شركة لأخرى، إلا أن النمط التقليدي كان يتضمن إنذار العميل خلال 30 يوماً، مع فرض غرامة تأخير تتراوح بين 1% و2% من قيمة القسط، ولكن في إطار سياسات تهدف إلى تحفيز العملاء وتخفيف الأعباء التعاقدية، اتجهت بعض الشركات إلى حذف بند غرامات التأخير بالكامل من بعض العقود، بينما لجأت شركات أخرى إلى منح مرونة أكبر من خلال مد فترة أحقية فسخ العقد من جانب المطور في حال تأخر العميل لمدة تصل إلى 3 أشهر.
وتختلف آليات الفسخ والتعامل مع التعثر في العقود العقارية وفقاً لطبيعة الإجراء ونصوص التعاقد، وفقاً لمنير المحامي بالنقض، موضحاً أن الفسخ الرضائي يتم بالاتفاق بين العميل والشركة وفقاً لما ينص عليه العقد، مع خصم نسبة إدارية متفق عليها تتراوح غالباً بين 5% و15% وقد تصل في بعض العقود إلى 20% من قيمة العقد، وقد تختلف هذه النسبة بالزيادة أو النقصان بحسب كل حالة.
وأضاف منير أن الفسخ القضائي يختلف في طبيعته، إذ في حال صدور حكم قضائي بفسخ التعاقد لصالح الشركة، لا يحق لها خصم أي نسب إدارية من أموال العميل، بينما يلتزم الطرف الخاسر بسداد رسوم قضائية تُقدر بنحو 7.5% من قيمة النزاع، وتؤول هذه المبالغ إلى خزينة الدولة تحت بند “المصروفات القضائية” وليس إلى المطور العقاري.