اسواق جو – فجأة عادت العلاقة الحارة بين الولايات المتحدة وباكستان إلى صدارة المشهد الدولي بعدما بردت منذ الإنسحاب الأمريكي من أفغانستان، ومثلما يقال دوما «فتش عن النفط» في كل خطوة أمريكية، ومؤخرا أضيف «فتش عن المعادن النادرة والصفقات الضخمة والصين» في الحركات الاستعراضية لرونالدو ترامب.
وقفزت حرارة علاقات واشنطن وإسلام اباد بعد إجراء رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف وقائد الجيش المشير عاصم منير زيارة إلى واشنطن في سبتمبر 2025، في أول لقاء ثنائي بين قيادتي البلدين منذ يوليو 2019.
وتميز اللقاء بين ترامب وقادة باكستان بالتركيز على مستقبل العلاقات الإستراتيجية بين واشنطن وإسلام أباد، بعدما شهدت العلاقات المشتركة تدهورا حادا، خاصة مع تقارب واشنطن مع نيودلهي، ما أدى إلى شبه قطيعة بين الطرفين».
إذ استقبل ترامب ضيفيه الباكستانيين بحفاوة لافتة،فقد وصف شهباز شريف بأنه قائد عظيم، وأشاد بالجنرال منير،وذلك في محاولة لاستمالة إسلام أباد وإبعادها عن الصين، التي تربطها بها علاقة توصف بأنها تحالف حديدي».
وتساءل موقع «تينسنت» الصيني عما إذا كان الرئيس الأميركي دونالد ترامب يحاول استمالة باكستان عبر تقديم عروض مغرية لها تفضي في النهاية إلى إبعادها عن الصين؟.
وفي هذا السياق، بدأ ترامب، منذ مارس 2025، إرسال إشارات ودية إلى باكستان، عارضا مجموعة من الامتيازات الاقتصادية والسياسية لإعادة إحياء التحالف بين البلدين، أبرزها تخفيض التعريفات الجمركية على إسلام أباد، والتي لم تتجاوز 19 بالمئة.
وجاء «العرض الأميركي الثاني في قطاع الطاقة، ففي يوليو 2025، اكتُشف حقل نفطي ضخم في باكستان، تشير التقديرات الأولية إلى أن احتياطاته تتجاوز 220 مليار برميل من النفط، بالإضافة إلى نحو 160 تريليون قدم مكعب من الغاز الطبيعي».
هذا الاكتشاف، بحسب الموقع «قد يغير مكانة باكستان من دولة فقيرة في الموارد إلى رابع أكبر دولة في العالم من حيث احتياطي النفط».وذكر أنه «في حال جرى تطوير هذه الموارد، فإن باكستان قد تتخلص من أزمتها الاقتصادية».
واستدرك: «غير أن العقبة الكبرى تكمن في كون معظم هذا النفط من النوع الصخري، وهو ما يجعل استخراجه معقدا و مكلفا للغاية بالنسبة لباكستان التي تفتقر إلى الخبرة والتقنية اللازمة في هذا المجال».
وهنا استغلت واشنطن الموقف حيث أوضح الموقع أن «الولايات المتحدة أعربت عن استعدادها للتعاون في استخراج هذه الموارد».
وتعد أميركا الدولة الأكثر تقدما في تقنيات استخراج النفط الصخري, فقد رحبت باكستان بهذا العرض؛ ولم يكن العرض الأميركي بلا مقابل، فقد وقعت واشنطن وإسلام آباد في أغسطس 2025، اتفاقا رسميا للتعاون في استخراج النفط. وبموجب الاتفاق، تلتزم واشنطن بتزويد إسلام آباد بالمعدات والدعم التقني اللازم لتطوير مواردها النفطية، في حين يتوجب على باكستان توريد معادن نادرة وثمينة للجانب الأميركي.
وتعهَّدت الولايات المتحدة بتوفير الدعم الفني والكوادر البشرية، إلى جانب ضخّ استثمارات بقيمة 500 مليون دولار في قطاع التعدين الباكستاني. وبذلك، يمكن القول إن باكستان، باستثناء توفير الأرض وبعض التدابير الأمنية، تكاد تكون «تجني الأرباح وهي جالسة» دون بذل جهد كبير. وسوف تمتد مكاسب باكستان إلى ما هو أبعد من مجرد استخراج النفط الصخري.
وأكد الموقع انه «نظرا لتراجع مستوى البنية التحتية في باكستان، تواجه البلاد صعوبات في عمليات الاستخراج والنقل، وهو ما يدفع الولايات المتحدة إلى المشاركة في بناء شبكات الطرق والمرافق الممتدة من مناطق التعدين حتى الموانئ».وهكذا تصبح باكستان « المستفيد الأكبر من هذه الشراكة؛ إذ تتولى واشنطن تقريبا جميع الجوانب التقنية واللوجستية والاستثمارية».
ويقدر الموقع أن «الاستثمارات الأميركية في باكستان ليست خالية من الأهداف الإستراتيجية، مما يثير التكهنات حول احتمال تأثير هذا التقارب على العلاقات الباكستانية الصينية».
وأشار إلى أن أول هذه الأهداف الأميركية الإستراتيجية هو «تأمين الحصول على النفط بصفته شريان الصناعات الحديثة الذي يتمتع بجاذبية استثنائية لكل الدول».
إضافة إلى ذلك،يساعد النفط الولايات المتحدة في الحفاظ على موقع ريادتها العالمي منذ عقود، وذلك بفضل ارتباط الدولار بالنفط، ما جعله «عملة صلبة في الأسواق العالمية».
ومن هنا، فإن رغبة واشنطن في المشاركة باستخراج النفط الباكستاني تهدف إلى ضمان حصة مؤثرة في إدارة هذه الموارد، بما يحفظ هيمنة الدولار المرتبطة بالنفط، ويُبقي الولايات المتحدة في موقع القيادة ضمن النظام التجاري العالمي.
ومن منظور آخر، كشف الموقع الصيني أن هذا التحرك الأميركي يرتبط بالحرب التجارية ضد الصين ؛ إذ فرضت واشنطن عقوبات متعددة على بكين، لكن الصين ردت بورقة المعادن النادرة كسلاح إستراتيجي.
و فرضت بكين قيودا على تصدير هذه المعادن، ما تسبب في أزمة داخل الشركات الأميركية خاصة العسكرية التي تعاني من نقص حاد في هذه الموارد النادرة، مما يضطر إلى تعليق نشاطها بشكل مؤقت،وجعلت هذه القيود الولايات المتحدة في موقف حرج».
وفي هذا السياق، تعد «المعادن النادرة في باكستان بمثابة أمل للولايات المتحدة لكسر احتكار الصين لهذا المورد الحيوي».وبالتالي فإن «الاستثمار الأميركي في باكستان ليس مجرد دعم اقتصادي، بل خطوة إستراتيجية لتأمين بديل للمعادن النادرة التي تسيطر عليها الصين».
وعلى الصعيد السياسي، تهدف واشنطن إلى التأثير على علاقة باكستان بالصين، فإسلام آباد تعد الشريك الإستراتيجي الأبرز للصين؛ إذ تربطهما علاقة وثيقة تُعرف بـ «الشراكة الإستراتيجية الشاملة في جميع الأحوال»، كما تُلقب باكستان بـ»الأخ الحديدي» في الأوساط الصينية.
ويرى الموقع الصيني أن «التعاون الأخير بين باكستان والولايات المتحدة، سواء في تطوير الحقول النفطية أو تصدير المعادن النادرة، يشير إلى أن العلاقات المشتركة تسير نحو تعاون متزايد، وهو ما قد يثير تساؤلات حول مستقبل الشراكة الصينية-الباكستانية».
ويعتقد أنه «من منظور باكستان، قد يكون هذا التعاون خيارا اضطراريا، أما بالنسبة للولايات المتحدة، فهو فرصة مثالية لاستقطاب الحليف الحديدي، وإضعاف العلاقات الباكستانية الصينية».
في هذا الصدد، أشار الموقع إلى أن «إسلام آباد أعربت، خلال زيارة وزير الخارجية الصيني وانغ يي إلى باكستان في أغسطس 2025، عن أملها في أن تتفهم الصين دوافعها».
وذلك مع التأكيد على أن أي تعاون أميركي باكستاني يجب أن يشمل مشاركة شركات صينية، «وإلا فلن يتم المضي قدما فيه».
ويبقى أن الصين من جهتها، تتبنى سياسة خارجية قائمة على مبدأ الحياد وعدم الانحياز، لذلك فهي تدرك جيدا أن العلاقات الدولية تُبنى على المصالح، لا على الصداقات الدائمة. وأغلب الظن أن هذه «المصالح الكبيرة» سواء كانت الاستثمارات الضخمة والنفط والغاز اوالطاقة المتجددة والمسرات البحرية هي الآن «عملة الزمن الجديد».
الدستور