اسواق جو – لا شك ان المثقف العربي البارز عبدالرحمن منيف، الذي عشق العاصمة الأردنية “عمان” تلك المدنية الوادعة التي ظلت تحفر ذاكرة الشوق والعشق في قلب منيف، والتي خصص لها كتابا ممتعا موثقا كان بعنوان “سيرة مدينة.. عمان في الأربعينيات”، والذي صدر عام 1994 وقد تمت ترجمته الى عدة لغات دول أجنبية.
ومن المؤكد ان الروائي الراحل عبدالرحمن منيف هو من مواليد مدينة عمان عام 1933 حيث قضى في عمان أكثر 20 عاما حتى أنهى دراسته الثانوية في مدرسة العبدلية عام 1945 ثم سافر للدراسة الى العراق لدراسة الحقوق، لكنه وبسبب عدم الإستقرار السياسي والإضطرابات هناك، سافر الى القاهرة ثم الى دمشق ثم الى يوغسلافيا حيث درس علم الإقتصاد النفطي وحصل على شهادة الدكتوراة.
وعلى صلة.. يقول د. عبدالرحمن منيف انه إضطر مرة بعد اخرى لتأجيل الكتابة عن عمان على امل ان يأتي وقت أكثر ملاءمة.. لكن هذا الوقت قد لا يأتي، فالحياة الطائشة الشديدة الغدر تسرق الأشياء الجميلة كما تسرق الأماكن والبشر.. وبعد غياب دام 37 عاما عن عمان عاد عبدالرحمن منيف إليها بدعوة من مؤسسة شومان عام 1992 وعندها كان موضوع حديثه الى الجمهور الأردني هو “عمان في الاربعينات” بإعتبار ان عبدالرحمن منيف عاش تلك الفترة في عمان.. فقد كان هذا الحديث السابق بداية هذا التورط الجميل خاصة انه قطع على نفسه وعدا ان يكتب، وفاء لدين عليه لهذه المدينة الحبيبة والجميلة عمان..
وفي هذا السياق، نتمعن بعض ما جاء في هذه السيرة عن مدينة عمان على لسان عبدالرحمن منيف: “كان الجامع الحسيني هو مركز المدينة، والمكان الآخر الذي شكل مركزا لمدينة عمان، كذلك ولفترة طويلة مع إختلاف الوظيفة هو “درج فرعون” أي “المدرج الروماني” والذي ما زال في ذاكرة الجمعية الموغلة في القدم، جزءا من حالة ليس من السهل تفسيرها، سواء من حيث التسمية او المكان او الوظيفة: فالشركس هم أول من حلوا في المدرج الروماني إذ إتخذوا بيوتهم بين أعمدته، وإستعانوا بحجارته من أجل بناء بيوت جديدة لهم.. ثم دار الحكومة التي اقيمت بعد نشوء الأردن كانت بالقرب من المدرج الروماني.. والإحتفالات الهامة التي جرت في بداية قيام الدولة الجديدة كانت تجري في رحاب المدرج الروماني.. والفندق الهام في عمان كان بجانب المدرج هو “فندق فيلادلفيا”.
ثم ان “العيد” وهو من أهم الإحتفالات وأكبرها كان لا يقوم في أي مكان بهذه الفخامة خلال الأربعينات إلا في المدرج الروماني، والذي كان يطلق عليه ايضا تسمية شعبية هي “الميدان” حيث المسرحيات الصامتة ليفهمها الكل من طبول ومزامير ورقص وغناء.. ونداء الباعة وصراخ الأطفال والمراجيح والدواوين والمصورين وأصحاب العربات والمهرجين.. وفي اليوم الأخير من أيام العيد عند وقت العصر، كانت عمان تحتشد كلها تقريبا في المدرج، مثلما كانت تجري الإحتفالات القديمة قبل ألفي سنة… فكان رجال عمان المعاصرون هم فرسان اليوم الأخير للعيد غناء وعزفا ودبكة، وبذلك كان مخزون البراعة والقوة يتجلى بين العصر والمغرب، وكان الناس يودعون أياما لن يروا مثلها إلا بعد وقت طويل.
وورد ايضا عن الميدان أي منطقة المدرج الروماني حيث المساحات الشاسعة أمامه كانت تباع طيور الحمام والأرانب والغزلان التي كان يحملها البدو.. ثم الحجل والصقور والحباري.. وفي زوايا المدرج كان يوجد دائما الباحثون عن الكنوز وغالبا ما يكون هؤلاء من المفلسين، لكن كانت لديهم قناعة ولدى بعضهم خرائط ملفقة على أمل انهم سيتحولون بين يوم وآخر الى أثرياء كبار!!