مدينة عمرة.. الرهان الوطني

اسواق جو – في لحظة فارقة من مسار التنمية المحلية، يبقى مشروع مدينة عمرة أحد أكثر المشاريع طموحاً وإثارة للنقاش، أمس الأول افتتح رئيس الوزراء الدكتور جعفر حسان الجلسات الحوارية المتخصصة والمتعلقة بهذا المشروع الهام، بدا واضحاً أن الحكومة تريد أن تضع هذا المشروع في قلب الحوار الوطني، لا كخطة عمرانية تقليدية، بل كمنصة اقتصادية واستثمارية تحمل ملامح المستقبل،  أكثر من 150 خبيراً ومختصاً من مختلف القطاعات حضروا هذه الجلسات، ولم يكن حضورهم مجرد رقم، بل رسالة سياسية واقتصادية بأن الحكومة تواجه الانتقادات بالعلم والخبرة، وتؤكد أن مشروع المدينة ليس قراراً فوقياً، بل رؤية جماعية تتشكل عبر النقاش والتشارك.

الانتقادات التي طالت المشروع منذ الإعلان عنه لم تكن غائبة عن المشهد، فهناك من يشكك في جدواه أو يتخوف من أن يتحول إلى عبء مالي طويل الأمد، لكن حرص الحكومة بقيادة د. حسان لإشراك النقابات والمهندسين والمخططين والاقتصاديين في صياغة الرؤية، يعكس إدراكها أن نجاح المشروع لا يقوم على البنية التحتية وحدها، بل على بناء الثقة المجتمعية والمؤسسية، وهنا يظهر البعد الاقتصادي النقدي.. فالمشروع، الممتد على مدى خمسة وعشرين عاماً، يحتاج إلى ضمانات استثمارية مستدامة، وإلى إدارة مالية شفافة تحميه من تقلبات السياسات وتغير الحكومات.

من زاوية اقتصادية، يمكن القول إن مدينة عمرة تمثل محاولة للخروج من مأزق النمو الحضري غير المنظم الذي عانت منه العاصمة عمان والمدن الكبرى. فهي ليست بديلاً عن العاصمة، بل متنفس استثماري يخفف الضغط عن المدن القائمة، ويخلق فرص عمل جديدة، ويعزز تنافسية الاقتصاد الوطني، وإذا ما نجحت الحكومة الحالية والحكومات المتعاقبة في تحويل هذه الرؤية إلى واقع، فإن المدينة ستصبح نموذجاً أردنياً للمدن الذكية الخضراء، حيث تتوازن التنمية الاقتصادية مع الاستدامة البيئية والاجتماعية.

لكن التحدي الأكبر يكمن في الاستمرارية،  فالمشاريع العابرة للحكومات كثيراً ما تتعثر عند أول تغيير، وهنا يبرز دور د.حسان في التأكيد على أن المشروع جزء من رؤية وطنية شاملة، لا مجرد خطة حكومية مؤقتة، كما أن إصراره على إطلاق الجلسات الحوارية وإبرازها كمنصة تشاركية، يهدف إلى تحصين المشروع ضد التراجع، عبر بناء قاعدة من الخبرات الوطنية التي تضمن استمراريته حتى لو تغيرت الحكومات.

إن مدينة عمرة ليست مجرد حلم عمراني، بل اختبار لقدرة الأردن على صياغة نموذج تنموي جديد، يواجه الانتقادات بالحوار، ويحولها إلى فرص لتصحيح المسار، وإذا استطاعت الحكومة أن تثبت جدية التزامها، فإن المشروع سيغدو علامة فارقة في تاريخ التخطيط الحضري والاقتصادي في المملكة، ونقطة تحول في علاقة الدولة بالمجتمع والخبراء.

إن «عمرة» أكثر من مجرد مدينة؛ إنها رهان على المستقبل، وعلى قدرة الأردن أن يكتب فصلاً جديداً في التنمية المستدامة، وبين النقد والرهان، يبقى حرص الحكومة بقيادة  د.حسان على إشراك الجميع هو الضمانة الأهم لأن تتحول هذه الرؤية إلى واقع، وأن تصبح عمرة مدينة للأجيال القادمة.

 

الدستور

Related posts

هل ريادة الأعمال الآن أســهــل؟

انهيار تاريخي للذهب

الذهب ذاكرة للعنف