يمر سوق العمل العالمي بتحول عميق، تعيد خلاله التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي تشكيل الوظائف، والمهارات المطلوبة، والعلاقة بين الإنسان والعمل. ويأتي هذا التحول في وقت يمتلك فيه الأردن قاعدة واسعة من الطلبة الجامعيين والخريجين، ورصيدًا بشريًا شكّل على مدى عقود إحدى أهم مزاياه التنافسية.
وقد ارتبط التعليم الجامعي الأردني تاريخيًا باحتياجات أسواق العمل العربية، ولا سيما في دول الخليج، وأسهمت جودة التعليم وكفاءة الخريجين في بناء حضور مهني مميز للكفاءات الأردنية في قطاعات التعليم والصحة والهندسة والتقنية والإدارة وغيرها، ومع توسع منظومات التعليم العالي في المنطقة، وتزايد سياسات توطين الوظائف، وارتفاع مستوى المنافسة عالميًا، أصبحت اللغات والمهارات الرقمية والخبرة العملية والقدرة على التكيف مع المتغيرات عناصر أساسية في تعزيز القدرة على المنافسة في سوق العمل.
هذه التحولات تفرض سؤالًا وطنيًا يتجاوز قضية التخصصات الجامعية إلى قضية أوسع: كيف نرفع جاهزية رأس المال البشري الموجود لدينا اليوم لسوق العمل الذي يتشكل في ظل هذه المتغيرات المتسارعة؟فهناك آلاف الطلبة على مقاعد الدراسة سيصلون إلى سوق العمل خلال سنوات، وآلاف الخريجين الذين يمتلكون معارف أكاديمية تحتاج إلى مواكبة الأدوات الجديدة، إلى جانب سوق إقليمي وعالمي يتسع للمهارات القادرة على إنتاج القيمة باستخدام التكنولوجيا. ومن هنا، فإن الاستثمار في الإنسان الموجود اليوم يمثل أحد أسرع المسارات لبناء ميزة تنافسية للمستقبل.
وفي قلب هذا التحول يأتي الذكاء الاصطناعي، الذي أصبح أداة مشتركة بين معظم المهن والقطاعات، وتمتد تطبيقاته من علوم الحاسوب إلى الهندسة والطب والتعليم والاقتصاد والإدارة والقانون والإعلام والعلوم الإنسانية وغيرها.
ولهذا، فإن الأولوية التعليمية لا تتمثل في توجيه الطلبة نحو تخصصات الذكاء الاصطناعي وحدها، وإنما في تمكينهم وتمكين الخريجين من توظيف هذه التقنيات داخل تخصصاتهم ومهنهم، فالمهندس يحتاج إلى أدوات الذكاء الاصطناعي في التصميم والتحليل، والطبيب في دعم القرار وتحليل المعلومات، والمعلم في تطوير المحتوى وطرائق التعلم، والباحث في تحليل البيانات، والمتخصص في الإدارة والاقتصاد في التنبؤ والتحليل وصنع القرار، وهذا يتطلب بناء منظومة وطنية للمهارات المستقبلية تقوم على أربعة عناصر متكاملة: الرصد والاستشراف، وتحديث التعليم، وإعادة تأهيل الطلبة والخريجين، وربط المهارات باحتياجات سوق العمل.
وهنا تبرز مسؤولية الجامعات ومؤسسات التعليم والتدريب في الانتقال من تطوير المناهج بصورة دورية إلى بناء منظومة مستمرة لتحديث مهارات الطلبة والخريجين، ويمكن أن يبدأ ذلك من خلال مسارات قصيرة ومرنة داخل الجامعات، تتيح للطلبة اكتساب مهارات في الذكاء الاصطناعي وتحليل البيانات والأمن السيبراني والأدوات الرقمية، إلى جانب تنمية التفكير النقدي وحل المشكلات واللغات والمهارات المهنية، مع ربط هذه المسارات بالتخصصات الأكاديمية المختلفة.
كما يمكن توسيع فرص التدريب والمشروعات التطبيقية بالتعاون مع القطاع الخاص، بحيث يدخل الطلبة سوق العمل وهم يمتلكون تجربة عملية ومشروعات قابلة للعرض، إلى جانب مؤهلهم الأكاديمي، ويتكامل ذلك مع تعزيز التعلم المستمر، الذي بات متطلبا ملحا في منظومة التعليم العالي، بما يتيح للخريج العودة إلى الجامعة أو مؤسسات التدريب لاكتساب مهارات جديدة كلما تغيرت طبيعة عمله أو ظهرت تقنيات ومهن جديدة.
في هذه المنظومة، يرتقي التعليم التقني والتطبيقي من كونه مسارا تعليميا إلى أحد محركات التنافسية الاقتصادية، بما يوفره من مهارات مرتبطة مباشرة بالصناعة والتكنولوجيا والخدمات الحديثة، فالاقتصاد الجديد يحتاج إلى مهارات متقدمة في الأتمتة والروبوتات والطاقة المتجددة والصيانة الذكية والشبكات والتصنيع المتقدم واللوجستيات والتقنيات الرقمية.
ومن هنا، فإن تعزيز مكانة التعليم التقني، وربطه بصورة أعمق بالقطاعات الاقتصادية، وتطوير برامجه وفق احتياجات الصناعة والخدمات، يمثل استثمارا مباشرا في فرص العمل والإنتاجية، وقد أصبح من الضروري بناء جسور مرنة بين التعليم الجامعي والتعليم التقني والتدريب المهني، تتيح للطلبة والخريجين إضافة مهارات تطبيقية إلى مؤهلهم الأكاديمي، وتمنح سوق العمل كوادر تجمع بين المعرفة النظرية والقدرة العملية.
ولكي تستند هذه الجهود إلى معلومات دقيقة، تبرز الحاجة إلى مرصد وطني استشرافي للمهارات وسوق العمل، يتحول إلى بوصلة توجه تطوير البرامج الأكاديمية والتقنية، وسياسات التدريب، وخيارات الاستثمار في رأس المال البشري، وتوفر للطلبة والخريجين وصانع القرار صورة أكثر وضوحا عن اتجاهات سوق العمل، بما يسهم في اتخاذ قرارات أكثر دقة وتوجيهها نحو الفرص الحقيقية التي يوفرها الاقتصاد.
وفي سوق العمل الذي تتزايد فيه أهمية المهارات والخبرة والمشروعات المنجزة، يمكن تطوير رصيد مهاري للخريجين يوثق، إلى جانب الشهادة الأكاديمية، ما اكتسبوه من مهارات رقمية وتطبيقية، وخبرات تدريبية، ومشروعات، وشهادات مهنية، بحيث تصبح مهارات الخريج وقدرته على الإنتاج أكثر وضوحا أمام أصحاب العمل.
ومن هنا تبدأ رحلة الأردن من تصدير الخريجين إلى تصدير المهارات، ومن الاستجابة لتحولات سوق العمل إلى المشاركة في صناعتها. وقد امتلك الأردن تاريخيا ميزة مهمة تتمثل في كفاءة رأس ماله البشري وقدرته على المنافسة في الأسواق العربية والإقليمية والعالمية، واليوم تفتح التكنولوجيا والاقتصاد الرقمي والتعليم التقني والتطبيقي مجالا لتطوير هذه الميزة نحو نموذج أكثر طموحا.
وهذا التحول يبدأ من الطلبة والخريجين الموجودين لدينا اليوم، من خلال تحديث مهاراتهم، وتعزيز خبراتهم التطبيقية، وربط تخصصاتهم بالتكنولوجيا، وتوسيع مسارات التعليم التقني والتدريب المستمر، وبناء منظومة تستشرف احتياجات سوق العمل قبل وصولها إلى مرحلة الطلب الفعلي.
فالاستثمار الحقيقي في التعليم يقاس بقدرة الإنسان على تحويل معرفته إلى قيمة، وعلى اكتساب مهارات جديدة مع تغير الاقتصاد والتكنولوجيا. والرهان الحقيقي للمستقبل ليس على معرفة الوظائف التي ستظهر بعد عدة سنوات، وإنما على بناء جيل يمتلك القدرة على تعلمها عندما تظهر، عندها يتحول التعليم من إعداد الخريج لوظيفة محددة إلى بناء إنسان قادر على الحركة بين أسواق العمل، وعلى الانتقال من تصدير الخريجين إلى تصدير المهارات والخبرات والخدمات المعرفية، ومن الاستجابة لتحولات سوق العمل إلى المشاركة في صناعتها.
* رئيس الجامعة الهاشمية