مهرجان جرش وسردية الفرح

اسواق جو – لم يكن الصيف في هذه المنطقة مجرد موسم للحصاد، وانما كان ايضا مناسبة للفرح، فلم يترك المزارعون للتعب المرافق لجمع الغلال تحت اشعة الشمس الساطعة ان ينال من رغباتهم الجامحة للاستمتاع والبهجة قبل حلول الخريف، كانت حيلة السكان هي إحالة عناء جمع المحصول الى إثارة مليئة بالتسلية والترويح، ومن اجل ان ينجح التحايل على قسوة العمل، كان لا بد من شغف الشعور واتقان فن تغليف الارهاق بالأهازيج التي تطرب النفس وتشعل تحدي التنافس في انجاز العمل بأقل كم من التعب واكبر قدر من المتعة، وهكذا نجحت تلك الخطة في جعل اليوم التالي مثيرا اكثر مما هو مملا.

بين العمل الشاق والاضطرار له، وبين الحاجة للمتعة وتصنيفها كترف، كان هناك مفارقة طاغية في حياة الناس تولّد معها وبها ترنيم الاهازيج ليس بداعي التذوق الفني فقط، وانما أيضا لضرورات وظيفية في تهوين الشقاء المرتبط بالعمل المضني في الحقول والمراعي وورش البناء، ولطالما كانت الحرارة المعتدلة في الصيف مغرية لتوسيع المشاركة الاجتماعية وإتمام مراسم الزواج، فالفضاء المفتوح في ليال دافئة كان مناسبا لاجتماع المحتفلين، وفي هذا الدفء الذي يجمع الاسرة والأصدقاء نشأت فنون الرقص والغناء تعبيرا عن الفرح ثم غدت توثيقا له، وبالتوازي تطورت الموسيقى وظهر الابداع في نظم الشعر وتأليف الالحان الشعبية التي تراكمت في وعي الناس ورسخت في وجدانهم، فحفظوها ثم اضافوا اليها وتناقلوها جيلا بعد جيل.

صحيح ان بناء المسارح والمدرجات في الأردن كان بهندسة رومانية، لكن البنية العلوية التي ملئتها بالمسرحيات والشعر وألهبت صدى الصوت فيها بالموسيقى والغناء كانت بحناجر أبناء المنطقة وحصيلة لابداعاتهم، ثم ازدهر إرثها من وحي تجربتهم ومن صميم اذواقهم الفنية والأدبية، ولعل عبقرية مهرجان جرش انه استلهم الفكرة وبعث فيها الحياة من جديد، فما كان يشعل تلك المدرجات بالبهجة والسرور قبل الفي سنة صار يتكرر كل صيف في جرش منذ أربعين عاما في استدعاء جميل لتلك الزاوية من التاريخ والمضي بها نحو المستقبل.

الشعر والغناء ليس طارئا على منطقتنا، وانما يرجع الى تراث قديم يمتد الى تاريخ طويل من الثقافة والفنون عرفها سكان هذا الجزء من العالم، وما مهرجان جرش الا شكل جديد تظهر فيه ثقافة قديمة، لكن خصوم المهرجان يغمطونه تلك الجذور، ويطلّون علينا في كل عام بذريعة جديدة او قديمة تنكر على الناس حقهم بالفرح وتصادر عليهم حريتهم في الذوق والاختيار، قبل سنوات كنت اعمل مع اللجنة العليا للمهرجان بحكم عملي وقتئذ، وكنا نواجه سيلا من الاتهامات والانتقادات تنطوي على مغالطات تسقط تفكير اتجاه ايدولوجي- ليس محل اتفاق – على اولويات الدولة وتفرضه على الاخرين، وتقدم خيار الرفض المعزول على القبول العام للمهرجان بحجج واهية منبعها المناكفة وليس المصلحة، واتذكر في بداية ما عرف بالربيع العربي وحين أفلس هؤلاء من الحجج، لم يبقى لديهم كداع لوقف المهرجان سوى ذريعة اسقاط النظام السابق في سوريا البراميل المتفجرة على السكان- وهو شأن سوري داخلي انكرناه جميعا- ، وصاغوا اعتراضهم في شعار:» دمشق تنزف وجرش تعزف»، في الوقت الذي كانت فيه دمشق ذاتها تكبر على جراحها وتبدع فنا راقيا، وتغرق الفضائيات العربية بدراما وكوميديا سورية جميلة.

يرى ارسطو ان الفن غير ملزم للتقيد بالواقع، وان مهمته محاكاة الاشياء وفق ما يجب ان تكون وليس كما هي عليه، وعند هذه النزعة نحو الكمال يسند المجتمع للفن وظيفة غايتها تعرية القبح وتمجيد الجمال، ليس للترف وانما للحاجة، وحين تنظم الدولة مهرجانا للثقافة والفنون فإنها لا تقصد التسلية والترويح فقط، وانما تتوسل بها لمواجهة التشدد الايدولوجي والانغلاق الفكري، وتقدم بديلا عن حواضن العنف والجريمة والارهاب، وبذلك تمرر خطابها الرسمي بأدوات ناعمة، وفي ذات الوقت تستكمل سردية الانسان الاردني في الثقافة والفنون.

 

الدستور

Related posts

بين هرمز والبحر الأحمـــر: اختنــاق مزدوج فهل تصمد مرونة الاقتصاد؟

قرارات إنقاذ «سياحة البترا»

الملك فتح الأبواب وعلى القطاع الخاص أن يحوّلها إلى استثمارات وصادرات