-
لملكية العامة تُضعف المنافسة والكفاءة لأنها تجعل الدولة تنظّم الشركات التي تمتلكها بنفسها
-
يمكن تحقيق أهداف دعم الابتكار والقطاعات الاستراتيجية عبر التنظيم والمنح والقروض دون اللجوء إلى التملك المباشر
يبدي سياسيون من حول العالم حماسة متجددة تجاه ملكية الدولة للشركات الخاصة. وفي حين قد تتراوح الوسائل التي يعتمدونها بين استحواذ الحكومات على حصص محدودة في الشركات، وصولاً إلى تأميمها الكامل، فإن الاتجاه العام بات واضحاً.
سواء جاءت هذه السياسات مدفوعةً بمخاوف تتعلق بمرونة سلاسل الإمداد، أو بالأمن القومي، أو بتراجع التصنيع، أو بما يُوصف بـ”جشع الشركات”، أو بجميع هذه الدوافع مجتمعة كما يحدث في كثير من الأحيان، فإن الدولة باتت تؤدي دوراً أكبر في الاقتصاد، وهذا على الأرجح لن ينتهي بشكل جيد.
التأميم يعود رغم إخفاقاته
يُظهر التاريخ أن الملكية العامة، وهي أكثر أشكال التدخل الحكومي تشدداً، تكاد تخفق في معظم الأحيان.
وفي حين قد تكون الأهداف المعلنة لعمليات الاستحواذ الحكومية مشروعة أحياناً، إلا أن التنظيم القائم على آليات السوق، إلى جانب الحفاظ على مسافة فاصلة بين الشركات والدولة، يظل الوسيلة الأكثر فاعلية لتحقيق هذه الأهداف. زد على ذلك أن موجات التأميم المتعاقبة انتهت في الغالب بخيبة أمل، قبل أن يعقبها تراجع عن هذه السياسات مع مرور الوقت.
اقرأ أيضاً: أميركا تحصل على قرابة 10% من أسهم “إنتل” باتفاق غير تقليدي.. ما تفاصيله؟
ويبدو أن هذا درس تاريخي سيتعين إعادة تعلمه مرة أخرى. إذ استحوذت الحكومة الأميركية خلال الفترة الماضية على حصص ملكية في عشرات الشركات، تمتد أنشطتها من المعادن الحيوية إلى أشباه الموصلات.
وفي المملكة المتحدة، يعتزم رئيس الوزراء الجديد آندي بيرنام إعادة المرافق العامة التي خُصخصت سابقاً، مثل المياه والكهرباء وقطاع النقل، إلى سلطة الدولة. وللأسف، هذه الظاهرة انتشرت عالمياً، إذ جرى تأميم أصول تُقدَّر قيمتها بما يصل إلى نصف تريليون دولار خلال العقد الماضي.
لماذا عاد التدخل الحكومي؟
يسوّق المسؤولون لمجموعة من المبررات لتوسيع تدخل الدولة في الاقتصاد. كشفت جائحة “كوفيد-19” عن المخاطر المترتبة على الاعتماد على الإمدادات الخارجية للسلع والمواد الأساسية.
وفي الولايات المتحدة وأوروبا، تعزو التيارات الشعبوية الضغوط على مستويات المعيشة إلى تراجع النشاط الصناعي بفعل التجارة العالمية. كما تندرج ضمن هذا السياق الشكاوى من “استغلال” المستهلكين من قبل بعض الموردين المحتكرين، ما يعزز المشاعر المناهضة لاقتصاد السوق.
اقرأ أيضاً: ماذا يعني استحواذ الحكومة الأميركية على حصة في شركة دفاعية؟
كذلك عززت الحربان في أوكرانيا وإيران الحجج الداعية إلى فرض إدارة حكومية أكثر تشدداً للاستثمارات الاستراتيجية، انطلاقاً من اعتبارات الأمن القومي.
لهذه الأسباب مجتمعة، استعادت السياسات الصناعية بمختلف أشكالها زخمها، بما يشمل الرسوم الجمركية، والدعم الحكومي، وتوجيه النشاط الاقتصادي، وصولاً إلى الملكية العامة.
غير أنه، رغم أهمية تشجيع الابتكار، ودعم الصناعات الحيوية للأمن القومي، وتعزيز متانة الاقتصاد، وتنظيم الاحتكارات للحد من تجاوزات التسعير، فإن الملكية العامة ليست الأداة المناسبة لتحقيق ذلك. بل إنها، في كثير من الأحيان، تقوّض فرص تحقيق هذه الأهداف بدلاً من أن تدفع بها قدماً.
الملكية العامة تقوّض المنافسة
السبب بسيط. فالتحدي الدائم الذي تواجهه السياسات الصناعية يكمن في تجنب الوقوع تحت هيمنة المنتجين، بحيث تُقدَّم مصالحهم على مصالح عملائهم والمصلحة العامة. لكن الملكية العامة، بدلاً من معالجة هذه المشكلة، ترسخها، إذ يصبح صانعو القرار، عملياً، الجهة التي تنظم نفسها بنفسها.
وغالباً ما يمنح المسؤولون دعماً مالياً لا يخضع للإفصاح أو المساءلة، تُوجَّه منافعه إلى حلفاء سياسيين، أو يعمدون إلى تغطية خسائر بعض القطاعات عبر أعباء ضريبية خفية. كما ينشأ لدى وزارات المالية دافع مالي لإضعاف المنافسة، وترجيح كفة الشركات التابعة للدولة.
وكما تؤكد عقود من التجارب، فإن هذه السياسات تفضي في نهاية المطاف إلى تفاقم أوجه عدم الكفاءة وإلى ضعف مزمن في الأداء.
صحيح أن الجهات التنظيمية قد تخفق هي الأخرى، وهو ما تكشفه بعض تجارب الخصخصة التي أُديرت بصورة سيئة في المملكة المتحدة. لكن الإشراف التنظيمي الذي يحافظ على مسافة فاصلة بين الدولة والشركات يوفر قدراً أكبر من الشفافية والمساءلة، ما يجعل فرص نجاحه أعلى.
كما أن الاعتقاد بأن تقديم الحكومة دعماً لبعض الموردين يستوجب أن تمتلك حصة في رأسمالهم، لتعويض دافعي الضرائب عن تكلفة هذا الدعم، لا يقل تضليلاً.
فإذا كانت الشركات المدعومة توفر منفعة عامة كانت لتظلّ غير كافية لولا هذا الدعم، فإن ذلك بحد ذاته يُعد شكلاً من أشكال التعويض. وإذا حقق المورد أرباحاً، فسيسدد الضرائب، وهو أيضاً شكل آخر من أشكال التعويض.
أما إذا كانت الابتكارات الحيوية تتعثر بسبب نقص رأس المال، فيمكن للحكومة تقديم منح أو قروض لمعالجة هذه المشكلة. ولا حاجة لأن تمتلك الشركات بشكل مباشر، بكل ما ينطوي عليه ذلك من سلبيات.
المنافسة والقطاع الخاص هما مفتاح النجاح الاقتصادي، وهذه حقيقة قد يتعين إعادة اكتشافها من وقت إلى آخر.