اسواق جو – أخفقت جهود التدخل المشترك بين الولايات المتحدة واليابان في وقف تراجع الين بشكل دائم، إذ فقدت العملة اليابانية نحو نصف المكاسب التي حققتها عقب التدخل التاريخي قبل أقل من أسبوعين، وسط استمرار العوامل الأساسية التي دفعتها إلى أدنى مستوياتها منذ عقود.
وتداول الين عند أكثر من 159 يناً للدولار، بعدما كان قد تعافى إلى مستوى 155 يناً عقب التدخل، إثر هبوطه سابقاً إلى ما يتجاوز 163 يناً للدولار.
وأوضح المدير التنفيذي الخبير في مجموعة “Monex”، جيسبر كول، أن التدخل نجح في إثارة الحذر داخل الأسواق، لكنه لم يغيّر القواعد الأساسية التي تحكم تدفقات الأموال، إذ يواصل المستثمرون توجيه أموالهم نحو الأسواق ذات العوائد الأعلى. وأضاف أن صفقات الـ”كاري تريد” ستظل قائمة طالما بقيت تكلفة الاقتراض في اليابان أقل من العوائد المتاحة في الخارج، وفقاً لما ذكره لشبكة “CNBC”، واطلعت عليه “العربية Business”.
وجاءت المشكلة الرئيسية من اتساع فجوة العوائد بين اليابان والولايات المتحدة، حيث لا تزال أسعار الفائدة اليابانية أقل بكثير من نظيرتها الأميركية. ودفع ذلك المستثمرين إلى الاقتراض بالين منخفض التكلفة والاستثمار في أصول ذات عوائد أعلى خارج اليابان.
وزادت الظروف صعوبة مع ارتفاع عوائد سندات الخزانة الأميركية وأسعار النفط، وهو ما شكل ضغطاً إضافياً على اليابان التي تعتمد بشكل كبير على استيراد الطاقة، وأعاد الزخم للعوامل الداعمة لقوة الدولار.
ويرى محللون أن التدخل حقق نجاحاً جزئياً من خلال الحد من المضاربات المفرطة وزيادة المخاطر على المستثمرين الذين يراهنون ضد الين، لكنه لم ينجح في معالجة الأسباب الجوهرية التي تمنح الدولار أفضلية مستمرة.
وقال كبير استراتيجيي الدخل الثابت والعملات في “ستيت ستريت غلوبال”، ماساهيكو لو، إن التدخل أعاد ضبط نفسية السوق وأظهر درجة عالية من التنسيق بين واشنطن وطوكيو، إلا أنه لم يُلغِ ميزة العائد التي يتمتع بها الدولار.
وأظهرت البيانات استمرار الفجوة الواسعة بين عوائد السندات الأميركية واليابانية، إذ بلغ العائد على سندات الخزانة الأميركية لأجل 10 سنوات نحو 4.69% مقابل 2.85% للسندات الحكومية اليابانية المماثلة، ما أبقى جاذبية الاستثمار في الأصول الأميركية مرتفعة.
واعتبر لو أن التدخل نجح في إبطاء وتيرة المضاربات، لكنه لم ينجح حتى الآن في تغيير الأساسيات الاقتصادية التي تضغط على الين.
واتجهت الأنظار إلى بنك اليابان مع اقتراب اجتماعه المقبل للسياسة النقدية في سبتمبر، وسط ترقب لخطوات قد تعزز العملة اليابانية.
وأشار كول إلى أن صدمة المستثمرين لم تكن ناجمة عن التدخل نفسه، بل عن إحجام بنك اليابان عن تشديد السياسة النقدية بوتيرة أسرع، ما أثار تساؤلات حول تأثير أوضاع القطاع المصرفي وحجم الدين العام الياباني على قرارات صانعي السياسة.
وأكد محللون أن استمرار انخفاض الفائدة اليابانية أو بقاء العوائد الأميركية مرتفعة سيبقي الحوافز قائمة لتحويل الأموال إلى الخارج.
من جانبه، توقع كبير مسؤولي الاستثمار في آسيا لدى “Lombard Odier”، جون وود، أن يكون تأثير التدخل الأخير مؤقتاً، مشيراً إلى أن بنك اليابان قد يحتاج إلى رفع أسعار الفائدة مرتين إضافيتين على الأقل لوضع حد لضعف الين.
وفي المقابل، يرى بنك “كريدي أغريكول” أن أسعار الفائدة ليست العامل الوحيد وراء ضعف العملة، معتبراً أن المشكلة الأعمق تكمن في فجوة جاذبية الاستثمار بين الاقتصادين الأميركي والياباني.
وأشارت المؤسسة إلى أن الاستثمارات الضخمة في الولايات المتحدة، خصوصاً في مجالات الذكاء الاصطناعي، لا تزال تجذب رؤوس الأموال العالمية، بينما لم تظهر بعد نتائج ملموسة لخطط الحكومة اليابانية الرامية إلى تحفيز الاستثمار.
وأضافت أن استعادة قوة الين تتطلب توسيع الاستثمار المحلي وجعل الأصول اليابانية أكثر جاذبية، بما يشجع المدخرات المحلية على البقاء داخل البلاد بدلاً من البحث عن عوائد أعلى في الخارج.
وفي الوقت الراهن، بدا أن دور التدخل يقتصر على الحد من تسارع هبوط العملة أكثر من عكس اتجاهها بالكامل. واعتبر لو أن مستوى 160 يناً للدولار أصبح بمثابة “خط أحمر سياسي”، ما قد يدفع السلطات اليابانية إلى التدخل مجدداً إذا شهدت السوق تحركات سريعة أو غير منظمة.
كما عززت واشنطن وطوكيو أدوات الردع عبر تسليط الضوء على آلية FIMA Repo التابعة للاحتياطي الفيدرالي، والتي تتيح توفير سيولة بالدولار مقابل سندات الخزانة الأميركية، بما يقلل الحاجة إلى بيع السندات الأميركية لتمويل أي تدخلات محتملة في سوق الصرف.
ورغم أن هذه الخطوة قد تزيد تكلفة المراهنة ضد الين، فإنها لا تلغي العوامل الأساسية التي تدفع المستثمرين إلى تفضيل الدولار، ما يعني أن مصير العملة اليابانية سيظل مرتبطاً بدرجة كبيرة بمسار الفائدة وسياسة بنك اليابان خلال الأشهر المقبلة.