Home مقالاتبدائل حبس المدين

بدائل حبس المدين

د. خالد الحريرات البطوش

by sadmin

مع إلغاء حبس المدين في الالتزامات التعاقدية وفق أحكام المادة (22 / و) من قانون التنفيذ يتساءل كثير من القانونيين والدائنين: «ما البديل؟»، وهو سؤال اقرب الى الاستنكار منه الى الاستفهام، فالانحياز السابق للدائن في علاقته بالمدين خلق حالة من الاختلال الواضح في العلاقة لصالح الدائن على حساب المدين، والدائن اذ كان يستمرئ التلويح بحبس المدين كلما تأخر عن السداد، فقد افاق على صدمة التعديل الاخير الذي أعاد التوازن الى العلاقة بين الطرفين ووضع حدًا لمرحلة دامت عقودا كان فيها الدائن يستقوي بقدرته على طلب حبس المدين، ولا شك ان فقدان هذه الميزة دفعة واحدة ادخل الدائن في حالة من الانكار الى الحد الذي اصابه بالذهول ودفعه الى ترديد السؤال السابق تعبيرا عن استياءه من خسارة مركز قانوني لم يعد موجود.

ربما يكفي التذكير بحق الدائن في الحجز على اموال المدين في المادة (31) من قانون التنفيذ لكشف حجم التضليل في سؤال الاستفسار عن البديل ورصد مقدار الذهول عن الاجابة، ولعل الدهشة التي تتولد من معرفة الحقيقة لا يعود لجهلها وانما لتجاهلها، فقد كان ترف حل الحبس الذي وفره النص السابق للدائن في مواجهة المدين مغريا الى درجة يصعب معها مقاومته ومتشددا الى حد يتجاوز بديهية الحل الاساسي ويقفز عنها، لكن تلك الدهشة سرعان ما تتبدد حالما يستعيد انصار الحبس توازنهم فيطرحون سؤالا آخر:» افرض ان المدين ليس لديه اموال للحجز عليها، ما الحل؟ «، وهذا السؤال الذي يطارد المدين في حريته ويستمرئ حبسه يقع في مأزق اخلاقي، احتاجت البشرية للخلاص من تناقضاته الى رحلة طويلة منذ ما قبل عصر الاقطاع حتى العصر الحديث، فقد بدأت حلول الحبس بالتوازي مع شرعنة العبودية في روما القديمة التي أجازت للدائن حبس مدينه لحين سداد دينه او حتى بيعه في حالة الاعسار، غير ان هذا الخلل الذي امتد ردحا من الزمن وصل الى نهايته بعد ان ادرك البشر قيمة الحرية وانها ليست سلعة لمقايضتها بالمال، ثم رسخ هذا الوعي في التاريخ الانساني كمنجز حضاري عبرت عنه المادة (11) من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية بحظر حبس اي انسان لعجزه عن الوفاء بالتزام تعاقدي.

تاريخ حبس المدين في تلك الحقبة هو الوجهة التي يجب ان يستدير اليها من يرغب في الرد على السؤال السابق المفخخ بالرغبة الجامحة في اتخاذ حرية الشخص ضمانا للوفاء بذمته المالية، من اجل تذكير من يطالب بها بأنها عقوبة قروسطية سادت في القرون الوسطى ولا تصلح في القرن الحادي والعشرين، واذا لم يكن للمدين اموال للحجز عليها فإن تجريد الدائن من قدرته على طلب حبسه لا يحول دون حق الدائن في طلب منع سفره خارج البلاد، وهي وسيلة اكراه كافية لتقييد حرية المدين في التنقل كفلتها المادة (26) من قانون التنفيذ تدفع المدين لتدبر أمر دينه وتضمن عدم هروبه من الولاية القضائية داخل الدولة حفظا لحق الدائن وإمعانا في الضغط عليه لتسوية دينه دون ان يفقد حريته.

وتكتمل المنظومة البديلة لحبس المدين بتوثيق السيرة الائتمانية للأشخاص، وقد تضمن قانون المعلومات الائتمانية  المؤقت حزمة من الاجراءات تتيح بعد موافقة الشخص الاطلاع على حالته الائتمانية وسجله التجاري والبيوع الآجلة وضمانات الديون وآلية سدادها ومدى التزام المدين بها على نحو يمكّن الدائن من  تقدير مدى جدارة المدين بالحصول على الائتمان، وفي ذات الوقت تجنب المدين مخاطر قد تلحق ضررا بمركزه المالي، ومن المرجح ان التقرير الائتماني الذي نظمه القانون سيدفع المدين الى الحرص على الوفاء بالتزاماته، ليس حفاظا على سمعته واعتباره فقط وانما لضرورة عملية لا غنى له عنها لتلبية احتياجاته المتعددة من شراء سلعة بالأقساط الى مستوى الحصول على قرض لتمويل مشروع استثماري تحت طائلة رفض طلبه ان هو لم يوافق على الاطلاع عن حالته الائتمانية، ومن شأن انتشار ثقافة التقرير الائتماني التي ترصد سلوك المدين في السوق وتعميق الوعي بها دعم تحول اقتصادي خالٍ من حبس المدين.(الدستور)

You may also like