اسواق جو – أكدت صحيفة “ذا تايمز” أن بريطانيا بدأت تواجه مؤشرات متصاعدة على نزوح رؤوس الأموال والثروات الكبرى إلى الخارج، في تحول يثير مخاوف متزايدة بشأن مستقبل الجاذبية الاستثمارية للمملكة المتحدة.
يأتي ذلك بعدما أظهرت قائمة “صنداي تايمز للأثرياء 2026” موجة غير مسبوقة من مغادرة المليارديرات والمليونيرات البلاد عقب التعديلات الضريبية التي أقرتها حكومة رئيس الوزراء كير ستارمر، ووزيرة المالية راشيل ريفز.
وذكرت الصحيفة أن واحداً من كل 6 أشخاص كانوا ضمن قائمة الأثرياء قبل عامين لم يعد يظهر في نسخة 2026، فيما لم يعد نحو ثلث الأثرياء البريطانيين المدرجين في القائمة يقيمون داخل الأراضي البريطانية. كما تم حذف ما لا يقل عن 15 مليارديراً أجنبياً من التصنيف بعد انتقالهم للإقامة في دول أخرى.
ويعكس هذا التحول، بحسب الصحيفة، بداية مرحلة جديدة من إعادة تموضع الثروات العالمية بعيداً عن لندن، التي لطالما شكلت واحدة من أهم مراكز جذب رؤوس الأموال الدولية بفضل نظام “غير المقيمين ضريبياً” الذي منح الأثرياء مزايا واسعة لعقود.
الضرائب تدفع الأثرياء إلى إعادة التموضع
وأكد التقرير أن إلغاء الامتيازات الضريبية الخاصة بنظام “غير المقيمين ضريبياً” كان العامل الأكثر تأثيراً في تسريع مغادرة الأثرياء، خاصة مع المخاوف من خضوع الأصول العالمية لضريبة الميراث البريطانية البالغة 40%.
وكان رجل الأعمال الهندي لاكشمي ميتال، أحد أبرز الأسماء المرتبطة بلندن خلال العقود الماضية، من بين الشخصيات التي غادرت بريطانيا متجهة إلى جنيف، في خطوة اعتبرتها الصحيفة رمزاً لتحول أوسع داخل مجتمع الأثرياء العالمي.
ونقلت الصحيفة عن مستشار الهجرة والضرائب ديفيد ليسبرانس قوله، إن جميع عملائه الدوليين المقيمين سابقاً في بريطانيا، والذين تتجاوز ثرواتهم 370 مليون جنيه إسترليني، غادروا البلاد بالكامل خلال الفترة الأخيرة، موضحاً أن الوجهات الأكثر جذباً لهم أصبحت سويسرا وإيطاليا والإمارات.
وأضاف أن التغيير الضريبي لم يعد يقتصر على الأثرياء الأجانب فقط، بل بدأ يمتد أيضاً إلى رجال الأعمال البريطانيين الذين يخشون فرض ضرائب مستقبلية إضافية على الأرباح الرأسمالية أو الثروات أو حتى “ضرائب الخروج” عند بيع الشركات.
وأظهرت بيانات القائمة أن موناكو أصبحت الوجهة الخارجية الأولى للأثرياء المرتبطين ببريطانيا، إذ يقيم فيها 25 شخصاً من قائمة الأثرياء لعام 2026، تليها الولايات المتحدة وسويسرا وجزر القنال، بينما استقطبت دبي عدداً متزايداً من أصحاب الثروات خلال العامين الماضيين.
وترى دوائر مالية أن صعود الإمارات كمركز جذب للأثرياء لا يرتبط فقط بالمزايا الضريبية، بل أيضاً بالاستقرار التنظيمي وسهولة تأسيس الأعمال وتوسع البنية التحتية المالية.
مخاطر على الإيرادات والاستثمار البريطاني
حذّر اقتصاديون من أن استمرار نزوح الثروات قد يترك آثاراً أعمق على الاقتصاد البريطاني خلال السنوات المقبلة، ليس فقط من ناحية الضرائب المباشرة، بل أيضاً من حيث تراجع الاستثمارات الخاصة والإنفاق الرأسمالي وفرص العمل.
ونقلت الصحيفة عن الخبير الاقتصادي بول جونسون قوله إن السلطات الضريبية البريطانية تمتلك بيانات واضحة حول الدخل، لكنها لا تملك الصورة الكاملة حول الثروات والأصول التي تولد الأرباح، ما يجعل من الصعب تقدير حجم الإيرادات التي قد تخسرها الخزانة البريطانية نتيجة مغادرة الأثرياء.
وأضاف أن الحكومة قد تحقق مكاسب ضريبية مؤقتة في السنوات الأولى بعد إلغاء نظام “غير المقيمين ضريبياً”، لكن التأثيرات طويلة الأجل لا تزال غير واضحة، خصوصاً إذا استمرت موجة خروج أصحاب الثروات والشركات العائلية الكبرى.
وتشير بيانات “صنداي تايمز” إلى أن أكثر من 30% من إجمالي الثروة الواردة في قائمة 2026، والبالغة نحو 784 مليار جنيه إسترليني، أصبحت مملوكة لأشخاص لا يقيمون داخل بريطانيا.
لندن تواجه اختبار الجاذبية المالية العالمية
ورغم استمرار ظهور مليارديرات جدد داخل بريطانيا، خاصة من قطاع التكنولوجيا والبرمجيات، فإن التقرير يعكس تحولات أوسع في المنافسة العالمية على الثروات الخاصة، مع انتقال العديد من الدول إلى استراتيجيات أكثر مرونة لجذب رؤوس الأموال والأفراد ذوي الملاءة المالية المرتفعة.
ويرى مراقبون أن لندن لا تزال تحتفظ بمكانة مالية وقانونية قوية عالمياً، إلا أن تشديد البيئة الضريبية قد يدفع جزءاً من الثروات الدولية إلى إعادة تقييم وجودها داخل المملكة المتحدة، خاصة في ظل المنافسة المتزايدة من مراكز مالية صاعدة مثل دبي وسنغافورة وموناكو.
ويأتي ذلك في وقت تشهد فيه الاقتصادات الكبرى سباقاً متزايداً لاستقطاب الأصول الخاصة والشركات العائلية والصناديق الاستثمارية، باعتبارها مصادر رئيسة للنمو والاستثمار والسيولة المالية طويلة الأجل.


