عروبة الإخباري – طلال السكر –
في عالم يتسارع فيه إيقاع التكنولوجيا، تتلاشى الحدود بين الحقيقة والخيال، بين البراءة والتضليل. لم يكن “صندوق الفرجة” في الماضي مجرد وسيلة تسلية، بل كان نافذة صغيرة تُطل منها العقول على عوالم الفروسية والقصص النقية، حيث تسكن البطولة في صور جامدة تُحاكي الخيال دون خداع. أما اليوم، فقد تبحر بنا الدكتورة العلامة، فلك مصطفى الرافعي، الى قراءة وكيف تحول هذا الصندوق إلى فضاء رقمي واسع، تُصنع فيه الحقائق وتُحرَّف، ويصبح “المشخصاتي” خفيًا، متوارٍ خلف شاشاتٍ تُعيد تشكيل الوعي حسب الأهواء والمصالح. فهل نحن أمام تطور يخدم المعرفة، أم أننا شهود على زمن فقد فيه “الفرجة” براءتها، ليصبح صندوقها أداةً لصناعة الوهم؟
الفكرة المحورية في المقال
تتمحور مقالة الدكتورة، فلك الرافعي، حول مقارنة بين “صندوق الفرجة” التقليدي، الذي كان وسيلة ترفيه بسيطة ومباشرة للأطفال في الماضي، وبين منصات التواصل الاجتماعي الحديثة مثل “فيسبوك” و”تويتر”، التي أصبحت أداة للمعرفة، ولكن أيضًا للتضليل والتشويه. تطرح الكاتبة تساؤلًا ضمنيًا حول تأثير التطور التكنولوجي على القيم والمبادئ، مشيرة إلى أن العولمة قد تكون سلاحًا ذا حدين، إما أن تدفعنا نحو التقدم أو أن تفسد منظومة الأخلاق والقيم.
الأسلوب الأدبي والبلاغي
تميز المقال بأسلوب الدكتورة فلك الرافعي، بالأدبي الراقي والمفعم بالصور البلاغية، إذ استخدمت الكاتبة العديد من الاستعارات والكنايات، مثل:
الأزرار الحديثة تجعل من عنترة جبانًا ومن أبو تمام جاهلًا، في إشارة إلى كيفية تلاعب وسائل الإعلام الحديثة بالحقائق.
غابات من المحارم تقرع الباب وتدخل بدون استئذان”، وهو تصوير بليغ يرمز إلى اختراق الخصوصية وانتشار المحتوى غير المرغوب فيه في الفضاء الرقمي.
“تعا تفرج يا سلام، شوف الدنيا بالتمام”، وهو استحضار لنداء صندوق الفرجة القديم، في إشارة إلى الفرق بين الواقع البسيط في الماضي والواقع المربك اليوم.
المقارنة بين الماضي والحاضر**
تظهر الكاتبة المبدعة المتألقة، ثنائية الماضي والحاضر بوضوح، حيث ترسم صورة حنينية لصندوق الفرجة التقليدي، باعتباره مصدرًا للحكايات النقية والبطولات الصافية، مقابل صندوق الفرجة الحديث (وسائل التواصل الاجتماعي)، الذي أصبح خليطًا من **التضليل، والتزييف، والتشهير، والفضائح**.
في الماضي، كانت القصص تروى ببساطة وصدق، دون تزوير أو تزييف.
في الحاضر، أصبح العالم الرقمي يعج بالمعلومات المشوهة والموجهة التي قد تخلق واقعًا زائفًا.
النقد الاجتماعي والفكري
تحمل المقالة نقدًا اجتماعيًا قويًا، حيث تشير إلى أن العالم الرقمي لم يعد مجرد وسيلة لنقل المعرفة، بل أصبح أداة **للتحكم بالعقول وصناعة الحقائق الوهمية. وتطرح فكرة أن “العلم” هو الذي حوّل صندوق الفرجة من الشارع إلى البيت، لكنه في نفس الوقت جعله أداة لتشويه الحقيقة إذا أُسيء استخدامه.
دلالة العنوان “صندوق الفرح، صندوق الفرجة”
العنوان يحمل مفارقة ذكية، فبينما يشير “صندوق الفرح” إلى البهجة والمتعة البسيطة التي كان يوفرها “صندوق الفرجة” في الماضي، فإن “صندوق الفرجة” الحديث بات يحمل معاني أكثر تعقيدًا، حيث لم يعد مصدرًا للفرح فقط، بل أصبح مليئًا بالمفاجآت غير السارة أحيانًا.
وتنتهي الكاتبة المقال برسالة واضحة: أن التطور الرقمي، رغم فوائده، قد يكون مفسدًا للقيم والمبادئ إذا لم يُستخدم بحكمة. وتشير إلى أن الماضي كان يحمل بساطة وبراءة في نقل المعرفة، بينما الحاضر مشوش بالتكنولوجيا التي قد تحوّل الحر إلى عبد، والعبد إلى حر، حسب طريقة استخدامها.
مقالة الدكتورة فلك الرافعي تتميز بالطرح العميق، والأسلوب الأدبي البليغ، والقدرة على تقديم مقارنة ذكية بين الماضي والحاضر. وهي بدون شك دعوة للتأمل في تأثير التكنولوجيا على المجتمعات، بين من يراها وسيلة للتحرر والنهضة، وبين من يراها أداة للهيمنة والتزييف.
