الدكتور رائد عودة
خرج الذكاء الاصطناعي التوليدي من مرحلة التجريب. فما كان في يوم من الأيام حبيس المختبرات والعروض التقنية، أصبح اليوم جزءًا فعّالا من تفاصيل العمل اليومي. إنه يكتب رسائل البريد الإلكتروني، وينشئ لوحات المعلومات، ويولد عروضًا تقديمية، ويساعد في اختبار التعليمات البرمجية، ويجيب على أسئلة العملاء. لقد تجاوز الذكاء الاصطناعي كونه مجرد حداثة بل أصبح بنية تحتية. ومع هذا التحول، لم يعد السؤال «هل تستخدم الذكاء الاصطناعي؟» بل أصبح «هل تستخدمه جيدًا؟»
الإجابة تعتمد على مهارة تبدو بسيطة من الخارج: التوجيه (Prompting). وليس المقصود به مجرد كتابة سؤال في صندوق دردشة، بل القدرة على إدارة حوار فعّال مع الآلة يفضي إلى نتائج دقيقة وقابلة للتنفيذ. فعندما يكون التوجيه جيدًا، يتحول الذكاء الاصطناعي إلى شريك في العمل. وحين يكون ضعيفًا، تكون النتيجة محتوىً عامًا لا يخدم الغرض ويهدر الوقت.
ويكشف التوجيه القوي عن الوضوح. ليس فقط وضوح اللغة، بل وضوح القصد. فمن يجيد التوجيه يدخل بتصور واضح لما يريده. فهو يعرف ما هي المشكلة الأساسية، وما النتيجة التي يسعى إليها، وكيف ترتبط بهدف أوسع. وتوجيهاته ليست عامة أو مرتجلة، بل تعليمات مبنية على وعي استراتيجي.
وهذا النوع من التوجيه لا يأتي مصادفة. بل هو نتاج تفكير منظّم. فمثلا، الشخص الذي يطلب من الذكاء الاصطناعي صياغة حملة تسويقية، يحدد جمهور الحملة، ونبرة العلامة التجارية، والمشهد التنافسي، ومعايير النجاح. وهنا يصبح التوجيه بمثابة مخطط تفصيلي، يدفع المستخدم نحو التحديد بدلًا من الغموض.
ثم تأتي مسألة الخبرة التخصصية، وهي ما تفصل بين مخرجات مقنعة شكليًا وتلك المفيدة فعلاً. فالمحامي المتمرس يلتقط التفاصيل القانونية التي قد يغفلها الذكاء الاصطناعي، والمصمم المحترف يلاحظ متى تنتهك المقترحات البصرية قواعد تجربة المستخدم، والمحلل المالي يدرك متى تُبنى التوقعات على افتراضات غير دقيقة أو منحازة. وبدون هذه القدرة التقييمية، يقع المستخدم ضحية لمحتوى يبدو احترافيًا لكنه يفتقر إلى الجوهر.
والتوجيه الجيد أيضًا لا يتوقف عند المحاولة الأولى، فالنتائج المتميزة نادرًا ما تأتي من أول طلب. والمستخدم المتمكن يعامل الذكاء الاصطناعي كشريك قابل للتطوير. يراجع، ويعدّل، ويعيد الصياغة، ويعرف متى يضيف التفاصيل، ومتى يغيّر الزاوية، ويتحقق من خلو الإجابات من الهلوسة، ومتى تكون المشكلة في طريقة التوجيه نفسها. وهذه الدورة من التجربة، والتقييم، والمراجعة، والتنقيح، هي ما يصقل النتيجة النهائية.
وكل هذا يكشف عن حقيقة أوسع: القدرة على التوجيه أصبحت مقياسًا غير مباشر للكفاءة. فجودة العمل المعتمد على الذكاء الاصطناعي لم تعد تعكس قدرات الآلة فقط، بل تعكس بشكل مباشر فهم ومهارة الشخص الذي يقودها.
ومهارة التوجيه ليست مهارة تقنية بحتة، بل انعكاس لمجموعة مهارات أساسية: التفكير النقدي، والتواصل الواضح، والمنطق الاستراتيجي.
وبدأت الفروقات بين مستخدمي الذكاء الاصطناعي تتضح وتتوسع. فالبعض يراه أداة مريحة لإنجاز الملخصات أو المهام السريعة، بينما يعامله آخرون كشريك في العمل والتفكير: يحاورونه ويطورون أفكارهم من خلاله، ويصلون إلى استنتاجات أكثر دقة بفضله. وهكذا تحصل المجموعة الأولى على السرعة، والثانية على العمق.
وفي الختام، فإن الذكاء الاصطناعي قد غيّر بالفعل طريقة عملنا. والسؤال الآن هو: هل نمتلك الإرادة لتطوير المهارات التي تُمكّننا من الاستفادة منه حقًا؟
* مساعد الأمين العام للشؤون العلمية والتكنولوجية
