مقالات
بين فترة وأخرى تزف لنا وزارات ومؤسسات احصائيات مثيرة
عن مخالفات وإغلاقات لمنشآت لمختلف القطاعات الاقتصادية باعتبارها إنجازات بينما لا تحمل أخبارها اية تفاصيل عن سير العمل في خطة التحديث الاقتصادي ولا عن إجراءات تسهيل وانجاز معاملات المواطنين افرادا ومؤسسات وشركات.
هل تريد هذه الوزارات والمؤسسات ان تعكس كفاءتها في الرقابة وممارسة الضغوط ؟. حسنا هي تفعل ذلك لكنها تكرس في ذات الوقت شيوع خرق القوانين.
دعك عن الدخول في تفاصيل هذه المخالفات او العقوبات، بعضها قد يكون محقا وبعضها ليس كذلك وفي المنتصف نعرف الكثير عن المزاجية في تطبيق القوانين والأنظمة ونعرف ايضا عن عدم دستورية كثير من التعليمات التي ينسب بها موظفون ويقرها الوزراء الذين تصدر باسمائهم وفي أحيان كثير تمر من دون نقاش او قراءة متمعنة.
ما أريد أن أقوله هنا هو أن ما ينبغي عمله هو ليس غض الطرف عن المخالفات وتجاوزها بل ما يستدعيه الأمر هو اتباع وسائل أخرى مثل الإرشاد والتوعية والتنبيه وقبل ذلك مراجعة مدى أهلية هذه التعليمات وواقعيتها.
ليس صحيحا مثلا مخالفة مؤسسة تستخدم عمالة وافدة قبل أن توفر لها عمالة محلية تقوم بذات العمل بكفاءة وليس صحيحا أن يقال لصاحب العمل اذهب وابحث بنفسك فليس من مهامنا توفير البديل !!.
ينطبق ذلك على كل المؤسسات الاقتصادية سياحية وصناعية وزراعية وتجارية.
ليس هذا وقت التضييق على الناس فهذه المؤسسات والوزارات تقوض من حيث تقصد او لا تقصد الروحية التي بدأت هذه الحكومة عملها بها وهي تحفيز الاقتصاد وجملة من القرارات المخففة من الأعباء عن كاهل المواطنين افرادا ومؤسسات فليس من العدل ان تقوم جهات الرقابة التي تبالغ احيانا في سلطتها أخذ من تمنحه الكرة باليد اليمنى بيدها اليسرى.
هذه الحكومة ورئيسها الدكتور جعفر حسان مصرة على خطة تحفيز الاقتصاد وتخفيف الأعباء عن كاهل المؤسسات الاقتصادية وعن كاهل المواطنين فاخذت قرارات كانت ولا تزال في محل ترحيب بدءا بالإعفاءات الضريبية والجمركية ومرورا بحوافز الصناعة والاستثمار والسياحة وغيرها مما لا يجوز معه ان تسلك عددا من المؤسسات الرسمية خطا معاكسا لروح وغايات واهداف هذه القرارات.
الظروف الاقتصادية تستدعي تخفيف الضغوط لا تغليظها خصوصا إذا كانت المخالفات ليست ذات آثار جوهرية !.
مخالفة او تغريم منشأة بمبالغ تفوق القدرة يعني مراكمة الخسائر لمالكها ويعني أيضا عجزه عن الوفاء بأجور العاملين ويعني أيضا بطالة مؤقتة وقد تطول.
من هنا نستطيع أن نفهم اصرار رئيس الوزراء على ان على الوزير ان يحيط ويتدخل بكل كبيرة وصغيرة وان يكون عين الرقيب في وزارته ومؤسسته نيابة عن المواطن.
مثل هذه القرارات العقابية لا يجب ان تترك بيد شخص برتبة موظف، ولا جهة لا تقبل النقاش ولا لجنة، اعضاؤها موظفون، فهي قرارات خطيرة وقد تكون مصيرية لبعض المؤسسات والمنشآت
يجب ان يكون هناك جهة رقابية عليا ترتبط بمكتب رئيس الوزراء وهي ذات صفة ادارية وقانونية مهمتها فحص قرارات الوزارات والمؤسسات العقابية.
الرأي
القمة العالمية السابعة عشرة لمجموعة بريكس والتي عُقِدَت الأسبوع الماضي في ريو دي جانيرو باتت تؤكِّد ما تناولته في عدة مرات سابقة من أنَّ العالم يسير بثبات نحو نظام سياسي اقتصادي عالمي جديد. النظام الجديد تَبرز أهم سماته بتكتُّل عالمي متنامي بدأ بأربع دول، وتتطور اليوم إلى إحدى عشرة دولة عضو وثماني دول شريكة، وهناك العديد من دول العالم منها من تقدَّمت للعضوية، ومنها من تراقب وتتابع وتنتظر. بيد أنَّ الدول الأعضاء الفاعلين، الذين لا يكادون يمثِّلون أكثر من 5% من عدد دول العالم، هم في الحقيقة يشكِّلون ما يزيد على 50% من مساحة الكون، و45% من عدد سكانه، وباتوا اليوم يحددون، أو يصنعون، ما يزيد على 50% من النمو العالمي المتحقق خلال العامين الماضيين.
مجموعة بريكس، بمؤسسيها من البرازيل، وروسيا، والصين، والهند، وجنوب إفريقيا، باتت الكيان الذي سيرسم قواعد النظام العالمي الجديد، متعدد الأقطاب اقتصادياً وسياسياً، وخاصة النظام المالي المتعلق بتسويات التبادل التجاري العالمي، ونظام تحديد أسعار الصرف، ونظام المديونية، ونظام التعاملات البنكية، بل وأسس ومصادر تمويل التنمية في مجال دعم القطاعات الاقتصادية الواعدة، وخاصة في الطاقة والمياه والذكاء الاصطناعي. النظام العالمي الجديد سيضع قواعد المديونية العالمية، وحسابات موازين المدفوعات وآليات تحديد أسعار الصرف.
وباعتقادي التام أنَّ العقد الرابع من هذا القرن، أي في أقل من أربعة أعوام، سيشهد أفولاً تدريجياً لدور الدولار الأمريكي في التعاملات الدولية، وتراجعاً مضطرداً لدور صندوق النقد الدولي، والبنك الدولي في تحديد قواعد اللعبة الاقتصادية، وفي سيطرة السياسية، وقد تختفي قواعد منظمة التجارة العالمية، لتحلَّ في موقعها منظمة بريكس ذاتها، بقواعدها ومتطلباتها للتبادل التجاري والتعاملات العالمية. المشهد يشير إلى عدم اختفاء الدولار، بشكل كامل، وعدم تحوُّله إلى ما تحوَّل إليه الجنيه الإسترليني عقب انتهاء نفوذ إمبراطورية بريطانيا العُظمى؛ لأنَّ قواعد اللعبة والمصالح السياسية باقية في كثير من قواعدها في يد السيطرة العسكرية للإمبراطورية الأمريكية، ما يحتِّم الاستمرار بالتعامل بعملة الدولار، بل ودعمها عبر حسابات دولارية محلية وعالمية، خوفاً وطمعاً.
اجتماع دول البريكس تمخَّض عنه بوضوح التوجُّه الرسمي والحقيقي نحو نظام مدفوعات مستقل بين البنوك المركزية للدول الأعضاء، بهدف تقليل الاعتماد على الدولار الأمريكي ونظام سوفت المُسيطَر عليه أمريكياً، ومن الواضح أنَّ دول الأعضاء التي بدأت تؤسِّس نظاماً للدفع تحت مسمّى نظام بريكس للدفع BRICS Pay تؤسس لمرحلة جديدة من اللامركزية النقدية عبر نظام يقدِّم تنوُّعاً في أدوات التسويات المالية العالمية، إما من خلال التسويات المباشرة بالعملات المحلية، أو باستخدام العملات المُشفَّرة المدعومة من دول ذات سيادة ومكانة عالمية، مثل الصين، أو عبر نظام مختلط تحكمه سلة متنوعة من العملات المحلية، والمُشفَّرة. القمة التي شهدت توسُّعاً نوعياً في العضوية لتشمل دولاً من آسيا، وإفريقيا، وأمريكا اللاتينية، بشّرت بإرهاصات نظام عالمي جديد، يتحلل فيه العالم من سطوة النظام المالي العالمي الحالي، وينطلق نحو تعددية مالية، ليست بريئة من الحسابات السياسية، ولكنها أفضل من التبعية والانصياع لمزاج نظام مالي ظاهره ديمقراطي متحرر، وباطنه دكتاتورية من العقوبات، والمصالح، والقمع السياسي، والتبعية المؤذية، والأهواء الفردية المزاجية تارةً والعنصرية أحياناً.
خمسون عاماً من العولمة كشفت عن مفارقة صادمة حين تخلت أميركا عن سياساتها الصناعية وفق نموذج السوق الحرة صاحب المقولة المشهورة «دعه يعمل دعه يمر»، في حين استغلت الصين الفرصة بذكاء لتصبح «مصنع العالم» عبر تدخل حكومي إستراتيجي. اليوم، تشير الأرقام إلى تراجع حصة الصناعة الأميركية في الناتج المحلي من 27 % عام 1950 إلى 10 % فقط، رغم بقاء أميركا ثاني أكبر دولة صناعية من حيث القيمة المضافة، بينما يتضخم عجزها التجاري مع الصين ليبلغ 296 مليار دولار.
الرئيس ترامب في عهدته الأولى مثل نقطة التحول من خلال التدخل الحكومي ذي الصبغة الحمائية، بأن فرض رسوم جمركية، أعاد التفاوض على اتفاقيات التجارة، وشجع على «إعادة توطين الصناعة « تحت شعارات مثل الأمن القومي الاقتصادي. ورغم الانتقادات، فإن هذه السياسات استمرت في عهد الرئيس بايدن، ولكن بأدوات مختلفة، لتعود الحمائية بوتيرة أعلى في عهدة الرئيس ترامب الثانية.
لم يعد ممكنًا الاعتماد على مبدأ «اليد الخفية» وحده في عالم يعج بالمخاطر الجيوسياسية، وسلاسل توريد هشة، وحروب تكنولوجية متصاعدة. فانطلقت مبادرة «صنع في الصين 2025» التي اعتمدت على الإعفاءات الضريبية، القروض الميسرة، والاستثمارات الهائلة في البحث والتطوير. ولكن بانتقائية ركزت على قطاعات إستراتيجية مثل الإلكترونيات، السيارات الكهربائية، والطاقة المتجددة. كما استخدمت «القوة الناعمة» كسلاح جيوسياسي من خلال حظر تصدير المعادن النادرة، التي تسيطر على 80 % من إمداداتها العالمية.
كذلك الاتحاد الأوروبي ورغم تمسكه التاريخي بالأسواق المفتوحة، انضم إلى هذا التوجه مؤخراً عبر إطلاق صندوق بقيمة 10 مليارات يورو لدعم الشركات الناشئة ومواجهة النفوذ الاقتصادي لأميركا والصين. ولا ننسى كوريا الجنوبية التي سبقت الجميع عبر دعم شركاتها الوطنية، مثل سامسونغ وهيونداي ضمن سياسة صناعية موجهة بدقة.
في ضوء ذلك، نشأت ملامح ما يمكن تسميته بـ «الرأسمالية الموجهة»: حيث يتجه العالم اليوم— ونأمل أن يكون الأردن من بين رواده — نحو نموذج الدولة التي تتدخل بذكاء لا بعشوائية، فتدعم من يستحق، وبالأداة المناسبة، في الوقت المناسب. دولة تحترم ديناميكيات السوق، لكنها في الوقت ذاته توجهها من خلال سياسات صناعية مدروسة نحو القطاعات الإستراتيجية ذات القيمة المضافة العالية، مثل التكنولوجيا، الطاقة، الصناعات الدوائية والغذائية، والكيماويات الخضراء، مع ترك بقية القطاعات، كالسياحة والتجزئة والخدمات، لتخضع لمنطق السوق والمنافسة.
هذا لا يعني العودة إلى الاشتراكية، بل هو توجه نحو دولة إستراتيجية لا تكتفي بدور المنظم، بل تشارك في تحديد وجهة الاقتصاد وتخفيف المخاطر في القطاعات الحيوية؛ وربما تدخل في المشاريع الإستراتيجية التي يأنف القطاع الخاص عن ولوجها لعظم مخاطرها أو حاجتها لتمويل ضخم؛ عندها لا بأس من المساندة وربما الشراكة مع القطاع الخاص لحين إنجاحها ثم القفز مباشرة إلى مقعد الرقيب المنظم دون تردد.
هذا التحول العالمي ينبئ بانتهاء حقبة «دعه يعمل دعه يمر» وبداية حقبة جديدة يمكن وصفها بـ «ادعمه يعمل، وراقبه يمر»، فالسياسة الاقتصادية الناجحة اليوم ليست في ترك السوق وشأنه، ولا في السيطرة عليه بالكامل.
وربما يجدر، في ظل هذه التحولات الاقتصادية العالمية، أن تؤخذ هذه الاتجاهات بعين الاعتبار عند مراجعة رؤية التحديث الاقتصادي الصادرة عام 2022، خاصة وأنها تدخل هذا العام 2025 في مرحلة المراجعة الدورية المقررة بما يفتح المجال لتعزيز الجاهزية الوطنية ومواكبة المستجدات.(الغد)
هذا المقال ليس سبقا صحفيا، كما أنه ليس دفاعا عن أحد، بل هو نتيجة ملاحظة لباحث اقتصادي وتصويب لمفهوم خاطئ. فقد تتفاجأ (مثلما تفاجأت أنا قبل أيام) باكتشاف أن معدل البطالة الحقيقي في الأردن هو 16.6بالمئة، وهو أقل بكثير من معدل البطالة المعلن وهو 21.3 بالمئة الذي يعتقده الكثيرون وما درج استخدامه من قبل الوسائل والمواقع الإعلامية.
نبهني مشكورا عطوفة الأستاذ حمادة أبونجمة الأسبوع الماضي إلى أنني قمت باحتساب معدلات البطالة في الأردن للربع الأول من 2025 على أنه 21.3 بالمئة، وهو معدل البطالة للأردنيين فقط وليس لكل العاملين في الأردن كما كنت أعتقد ويعتقد الكثيرون، مما حدا بي إلى التمحيص في هذا الأمر الذي قد يهم كل باحث أو قارئ للوضع الاقتصادي والاجتماعي في الأردن.
لقد درجت العادة على استخدام هذا الرقم (21.3 بالمئة) دون الإشارة إلى أنه معدل البطالة للقوة العاملة الأردنية فقط، وليس لكامل قوة العمالة (أردنيين وغير أردنيين) في الأردن، وبذلك فإن الرقم قد يُفهم خطأ حتى من قبل من يعتبرون أنفسهم تلاميذ في علم الاقتصاد مثلي، وهو ما حصل فعلًا.
الصحيح أننا يجب أن نستعمل الرقم 16.6 بالمئة وليس 21.3 بالمئة! لماذا؟ لأننا نستخدم منذ أوائل الثمانينيات مصطلح الناتج المحلي الإجمالي، وهو إجمالي القيمة السوقية لجميع السلع والخدمات النهائية المنتجة داخل حدود بلد معين خلال فترة زمنية محددة (عادة سنة واحدة). وهنا أرجو التركيز على كلمة “حدود”، مما يعني أن الناتج المحلي الإجمالي هو نتاج عمل كافة القوة العاملة ضمن حدود المملكة الأردنية الهاشمية الجغرافية، وليس العمالة الأردنية فقط.
وبما أن الأردن يستخدم معيار الناتج المحلي الإجمالي وليس الناتج الوطني الإجمالي، وهو إجمالي القيمة السوقية لجميع السلع والخدمات النهائية التي ينتجها مواطنو الدولة (أفرادا وشركات) خلال فترة زمنية محددة (عادة سنة واحدة)، سواء داخل حدود الدولة أو خارجها، فإن المفروض أن نستخدم معدل البطالة 16.6 بالمئة، لأن الناتج المحلي تنتجه كافة العمالة المتواجدة في الأردن وليس العمالة الأردنية فقط. بل إن استخدام الرقم 21.3 بالمئة يجب أن يشير دائمًا إلى أنه ليس معدل البطالة في الأردن، بل هو معدل بطالة الأردنيين فقط.
لاحظ أن المتابع للرقم الصحيح سيتبين له أن معدل البطالة في الأردن انخفض من 16.8بالمئة في 2024 إلى 16.6بالمئة في الربع الأول من عام 2025. ومن الجدير بالذكر أن منظمات دولية كمنظمة العمل الدولية والبنك الدولي تستخدم الرقم 16.6 بالمئة، وهو الرقم الأصح. ولكن على الرغم من ذلك، فإن القنوات التلفزيونية مثل الجزيرة والعربية والمملكة ورؤيا، ومراكز البحث كمعهد واشنطن، ومعظم دراسات البنك الدولي وصندوق النقد الدولي، والكثير من المواقع والمنظمات المحلية والإقليمية وغيرها، سواء كانت بحثية أو إخبارية، تستخدم الرقم 21.3% وتجهل أن هذا الرقم هو معدل بطالة الأردنيين وليس معدل بطالة كافة العاملين في الأردن.
ما هو الحل؟ طبعا، ولأننا كما ذكرت سابقا نستخدم أرقام الناتج المحلي الإجمالي، يجب أن نستخدم معدلات البطالة وليس معدل بطالة الأردنيين فقط. ولكن كيف سنخرج من ممارسة استمرت لسنوات طويلة وبُنيت عليها استنتاجات غير دقيقة إن لم تكن خاطئة؟
لقد تم مناقشة هذا الأمر مع إدارة دائرة الإحصاءات العامة، والتي اتضح درايتها وتفهمها لهذا الأمر واستعدادها لتوضيحه، ولكن المعضلة، بكل صراحة، أنه وإن قامت بشرح هذه النسب واعتماد الأرقام ذات العلاقة الوثيقة والصحيحة بالناتج المحلي الإجمالي، سيعتقد البعض أنه توجه حكومي لتقليل نسب البطالة المعلنة، وستكون ردود الفعل سلبية، مثلما حدث حين تم إقصاء دين صندوق استثمار أموال الضمان الاجتماعي من الدين الكلي للحكومة.
أعتقد أن الحل هو البدء بشرح هذه الفروق والتحاور بشأنها، وعمل ندوات توعوية وتشاركية، ووضع النشرات التوضيحية ليتم التحول تدريجيا لتوخي الدقة وعدم جلد الذات دون داعٍ، وتصحيح دراسات كثيرة قامت على أرقام مغلوطة.
“الرأي”
خمسون عاماً من العولمة كشفت عن مفارقة صادمة حين تخلت أميركا عن سياساتها الصناعية وفق نموذج السوق الحرة صاحب المقولة المشهورة «دعه يعمل دعه يمر»، في حين استغلت الصين الفرصة بذكاء لتصبح «مصنع العالم» عبر تدخل حكومي إستراتيجي. اليوم، تشير الأرقام إلى تراجع حصة الصناعة الأميركية في الناتج المحلي من 27 % عام 1950 إلى 10 % فقط، رغم بقاء أميركا ثاني أكبر دولة صناعية من حيث القيمة المضافة، بينما يتضخم عجزها التجاري مع الصين ليبلغ 296 مليار دولار.
الرئيس ترامب في عهدته الأولى مثل نقطة التحول من خلال التدخل الحكومي ذي الصبغة الحمائية، بأن فرض رسوم جمركية، أعاد التفاوض على اتفاقيات التجارة، وشجع على «إعادة توطين الصناعة « تحت شعارات مثل الأمن القومي الاقتصادي. ورغم الانتقادات، فإن هذه السياسات استمرت في عهد الرئيس بايدن، ولكن بأدوات مختلفة، لتعود الحمائية بوتيرة أعلى في عهدة الرئيس ترامب الثانية.
لم يعد ممكنًا الاعتماد على مبدأ «اليد الخفية» وحده في عالم يعج بالمخاطر الجيوسياسية، وسلاسل توريد هشة، وحروب تكنولوجية متصاعدة. فانطلقت مبادرة «صنع في الصين 2025» التي اعتمدت على الإعفاءات الضريبية، القروض الميسرة، والاستثمارات الهائلة في البحث والتطوير. ولكن بانتقائية ركزت على قطاعات إستراتيجية مثل الإلكترونيات، السيارات الكهربائية، والطاقة المتجددة. كما استخدمت «القوة الناعمة» كسلاح جيوسياسي من خلال حظر تصدير المعادن النادرة، التي تسيطر على 80 % من إمداداتها العالمية.
كذلك الاتحاد الأوروبي ورغم تمسكه التاريخي بالأسواق المفتوحة، انضم إلى هذا التوجه مؤخراً عبر إطلاق صندوق بقيمة 10 مليارات يورو لدعم الشركات الناشئة ومواجهة النفوذ الاقتصادي لأميركا والصين. ولا ننسى كوريا الجنوبية التي سبقت الجميع عبر دعم شركاتها الوطنية، مثل سامسونغ وهيونداي ضمن سياسة صناعية موجهة بدقة.
في ضوء ذلك، نشأت ملامح ما يمكن تسميته بـ «الرأسمالية الموجهة»: حيث يتجه العالم اليوم— ونأمل أن يكون الأردن من بين رواده — نحو نموذج الدولة التي تتدخل بذكاء لا بعشوائية، فتدعم من يستحق، وبالأداة المناسبة، في الوقت المناسب. دولة تحترم ديناميكيات السوق، لكنها في الوقت ذاته توجهها من خلال سياسات صناعية مدروسة نحو القطاعات الإستراتيجية ذات القيمة المضافة العالية، مثل التكنولوجيا، الطاقة، الصناعات الدوائية والغذائية، والكيماويات الخضراء، مع ترك بقية القطاعات، كالسياحة والتجزئة والخدمات، لتخضع لمنطق السوق والمنافسة.
هذا لا يعني العودة إلى الاشتراكية، بل هو توجه نحو دولة إستراتيجية لا تكتفي بدور المنظم، بل تشارك في تحديد وجهة الاقتصاد وتخفيف المخاطر في القطاعات الحيوية؛ وربما تدخل في المشاريع الإستراتيجية التي يأنف القطاع الخاص عن ولوجها لعظم مخاطرها أو حاجتها لتمويل ضخم؛ عندها لا بأس من المساندة وربما الشراكة مع القطاع الخاص لحين إنجاحها ثم القفز مباشرة إلى مقعد الرقيب المنظم دون تردد.
هذا التحول العالمي ينبئ بانتهاء حقبة «دعه يعمل دعه يمر» وبداية حقبة جديدة يمكن وصفها بـ «ادعمه يعمل، وراقبه يمر»، فالسياسة الاقتصادية الناجحة اليوم ليست في ترك السوق وشأنه، ولا في السيطرة عليه بالكامل.
وربما يجدر، في ظل هذه التحولات الاقتصادية العالمية، أن تؤخذ هذه الاتجاهات بعين الاعتبار عند مراجعة رؤية التحديث الاقتصادي الصادرة عام 2022، خاصة وأنها تدخل هذا العام 2025 في مرحلة المراجعة الدورية المقررة بما يفتح المجال لتعزيز الجاهزية الوطنية ومواكبة المستجدات( الغد)
المرأة والذكاء الاصطناعي: ريادة جديدة في إدارة الأعمال وقيادة التحول الرقمي
الدكتور رائد عودة
خرج الذكاء الاصطناعي التوليدي من مرحلة التجريب. فما كان في يوم من الأيام حبيس المختبرات والعروض التقنية، أصبح اليوم جزءًا فعّالا من تفاصيل العمل اليومي. إنه يكتب رسائل البريد الإلكتروني، وينشئ لوحات المعلومات، ويولد عروضًا تقديمية، ويساعد في اختبار التعليمات البرمجية، ويجيب على أسئلة العملاء. لقد تجاوز الذكاء الاصطناعي كونه مجرد حداثة بل أصبح بنية تحتية. ومع هذا التحول، لم يعد السؤال «هل تستخدم الذكاء الاصطناعي؟» بل أصبح «هل تستخدمه جيدًا؟»
الإجابة تعتمد على مهارة تبدو بسيطة من الخارج: التوجيه (Prompting). وليس المقصود به مجرد كتابة سؤال في صندوق دردشة، بل القدرة على إدارة حوار فعّال مع الآلة يفضي إلى نتائج دقيقة وقابلة للتنفيذ. فعندما يكون التوجيه جيدًا، يتحول الذكاء الاصطناعي إلى شريك في العمل. وحين يكون ضعيفًا، تكون النتيجة محتوىً عامًا لا يخدم الغرض ويهدر الوقت.
ويكشف التوجيه القوي عن الوضوح. ليس فقط وضوح اللغة، بل وضوح القصد. فمن يجيد التوجيه يدخل بتصور واضح لما يريده. فهو يعرف ما هي المشكلة الأساسية، وما النتيجة التي يسعى إليها، وكيف ترتبط بهدف أوسع. وتوجيهاته ليست عامة أو مرتجلة، بل تعليمات مبنية على وعي استراتيجي.
وهذا النوع من التوجيه لا يأتي مصادفة. بل هو نتاج تفكير منظّم. فمثلا، الشخص الذي يطلب من الذكاء الاصطناعي صياغة حملة تسويقية، يحدد جمهور الحملة، ونبرة العلامة التجارية، والمشهد التنافسي، ومعايير النجاح. وهنا يصبح التوجيه بمثابة مخطط تفصيلي، يدفع المستخدم نحو التحديد بدلًا من الغموض.
ثم تأتي مسألة الخبرة التخصصية، وهي ما تفصل بين مخرجات مقنعة شكليًا وتلك المفيدة فعلاً. فالمحامي المتمرس يلتقط التفاصيل القانونية التي قد يغفلها الذكاء الاصطناعي، والمصمم المحترف يلاحظ متى تنتهك المقترحات البصرية قواعد تجربة المستخدم، والمحلل المالي يدرك متى تُبنى التوقعات على افتراضات غير دقيقة أو منحازة. وبدون هذه القدرة التقييمية، يقع المستخدم ضحية لمحتوى يبدو احترافيًا لكنه يفتقر إلى الجوهر.
والتوجيه الجيد أيضًا لا يتوقف عند المحاولة الأولى، فالنتائج المتميزة نادرًا ما تأتي من أول طلب. والمستخدم المتمكن يعامل الذكاء الاصطناعي كشريك قابل للتطوير. يراجع، ويعدّل، ويعيد الصياغة، ويعرف متى يضيف التفاصيل، ومتى يغيّر الزاوية، ويتحقق من خلو الإجابات من الهلوسة، ومتى تكون المشكلة في طريقة التوجيه نفسها. وهذه الدورة من التجربة، والتقييم، والمراجعة، والتنقيح، هي ما يصقل النتيجة النهائية.
وكل هذا يكشف عن حقيقة أوسع: القدرة على التوجيه أصبحت مقياسًا غير مباشر للكفاءة. فجودة العمل المعتمد على الذكاء الاصطناعي لم تعد تعكس قدرات الآلة فقط، بل تعكس بشكل مباشر فهم ومهارة الشخص الذي يقودها.
ومهارة التوجيه ليست مهارة تقنية بحتة، بل انعكاس لمجموعة مهارات أساسية: التفكير النقدي، والتواصل الواضح، والمنطق الاستراتيجي.
وبدأت الفروقات بين مستخدمي الذكاء الاصطناعي تتضح وتتوسع. فالبعض يراه أداة مريحة لإنجاز الملخصات أو المهام السريعة، بينما يعامله آخرون كشريك في العمل والتفكير: يحاورونه ويطورون أفكارهم من خلاله، ويصلون إلى استنتاجات أكثر دقة بفضله. وهكذا تحصل المجموعة الأولى على السرعة، والثانية على العمق.
وفي الختام، فإن الذكاء الاصطناعي قد غيّر بالفعل طريقة عملنا. والسؤال الآن هو: هل نمتلك الإرادة لتطوير المهارات التي تُمكّننا من الاستفادة منه حقًا؟
* مساعد الأمين العام للشؤون العلمية والتكنولوجية
م. هاشم نايل المجالي
التعليم الحديث هو التعليم من زاوية نظر مختلفة كليًا عن التعليم التقليدي، فأبرز ما يميز التعليم الحديث هو تفعيله لدور الطالب، والتركيز على وجود الفوارق الفردية بين الطلبة من حيث مستواهم واحتياجاتهم، على عكس التعليم التقليدي الذي يتعامل مع الطلبة كأنهم بنفس المستوى من الفهم والمعرفة، متجاهلًا الفروقات بينهم.
والتعليم الحديث يعتمد بشكل رئيسي وأساسي على الأنشطة، على عكس التقليدي الذي يعتمد على التلقين. والتعليم الحديث يطور مهارات الطلبة مثل التفكير الناقد، واتخاذ القرارات من خلال طرحه للأسئلة، وطلب الإيضاحات، والشرح المميز، والعمل الجماعي، والتعاون.
فهناك تباين في الحالات بين التعليم التقليدي والتعليم الحديث، ففي خضم المتغيرات السريعة التي يشهدها العالم، يبرز التعليم كأحد أعمدة التنمية المستدامة، خاصة بالدول النامية، ولم يعد التعليم التقليدي كافيًا لتلبية طموحات الشباب، ولا احتياجات السوق الذي تحركه التكنولوجيا والابتكار، في ظل تزايد التحديات الاقتصادية والاجتماعية.
لذلك، على الدول النامية أن تتبنى فلسفة التعليم غير التقليدي، والتعليم المبتكر، لتهيئة جيل قادر على الإبداع والابتكار والتفكير النقدي، وصناعة الفرص بدلًا من انتظارها، خاصة لدينا موارد بشرية شابة وطموحة تواجه تحديًا ملموسًا رئيسيًا يتمثل في تهيئة الطلاب لمتطلبات سوق العمل، الذي يتغير بوتيرة متسارعة تتطلب مواءمة التعليم له، واتباع أساليب التعليم المرنة مع التكنولوجيا الحديثة، لخلق فرص جديدة لطلبتنا، وكسر قيود الزمان والمكان، للوصول إلى مصادر معرفية متنوعة ومواكبة لأحدث المستجدات في مختلف التخصصات، ليكونوا عنصرًا فاعلًا.
فلقد أصبح هناك في الجامعات تخصصات تواكب حاجات العصر، كالذكاء الصناعي، والاقتصاد الرقمي، والطاقة المتجددة بأنواعها، والأمن السيبراني، وحماية الأنظمة والشبكات من الهجمات الإلكترونية، وعلوم البيانات، والروبوتات.
وأصبح هناك دعم للبحث العلمي ليحول الطالب من متلقٍ إلى منتج للمعرفة وصانع للتغيير، وذلك لدعم الدولة في بناء اقتصاد متنوع قائم على المعرفة والابتكار، وتعزيز المهارات الرقمية، ودعم ريادة الأعمال.
كل ذلك يبين مدى وعي الدولة بأهمية بناء قدرات وطنية تستطيع مستقبلًا قيادة دفة الاقتصاد الوطني نحو المستقبل بكل ثقة وكفاءة، وبناء مجتمع معرفي منتج قادر على تحويل التحديات إلى فرص حقيقية، فنحن في عصر لا مكان فيه إلا لمن يبدع ويبتكر ويتطور باستمرار، فالاستثمار في التعليم غير التقليدي ليس خيارًا، بل أصبح ضرورة استراتيجية لضمان استقرار المؤشرات التعليمية، الاقتصادية، والاجتماعية، في ظل المنافسة العالمية المتزايدة.
فكل أشكال الحياة أصبحت مختلفة تدريجيًا من كافة النواحي، وبالتالي يجب أن يتغير التعليم ليواكب التطورات المتسارعة في جوهره، ومعالجة المشاكل التي تحد من النمو الفكري والإبداعي لطلبتنا.
فكيف سيكون شكل التعليم في عام (2050) مع تطور التكنولوجيا، ونحن ما زلنا على نمط التعليم التقليدي؟ وهل سيكون هناك معلم جديد أكثر إبداعًا وتطورًا ليزيد قيمة حقيقية بالمعرفة والإبداع، ويعزز التفكير الجماعي المتعاون بين الطلبة، ليكون هناك التفكير الجماعي؟ فما هو الوقت المناسب لاتخاذ مثل هذه القرارات.
