مقالات
ينال برماوي
ما أورده وزير الادارة المحلية وليد المصري حول وضع البلديات وتقييمها يعكس ضعفا كبيرا في أدائها لمهامها بنسبة كبيرة ويفسر جملة الاختلالات التي تكتنف منظومة العمل البلدي وقصورها عن الأدوار الخدمية بالشكل المطلوب وعجزها عن الجوانب التنموية الاستثمارية وعدم توظيفها لزيادة الايرادات وتخفيض العجوزات المالية والمساهمة في معالجة المشكلات الأساسية التي تعاني منها مختلف المناطق والمجتمعات.
مديونية البلديات ومجالس الخدمات المشتركة تبلغ حوالي 632 مليون دينار واجمالي ايراداتها 340 مليون دينار العام الماضي والرواتب شكلت ما نسبته 113 بالمئة من إجمالي التحويلات الحكومية المخصصة لها في عام 2024 من الموازنة العامة أي 70 ٪ من اجمالي الايرادات والدعم الحكومي.
نتائج تقييم أداء البلديات البالغ عددها 104 بلديات أظهرت أن 39 بلدية حصلت على تقييم دون 50 ٪ والنتائج تراوحت بين 29.5 ٪ في الحد الأدنى و85 ٪ في الحد الأعلى.
11 بلدية فقط حصلت على علامة أعلى من 65 ٪ في التقييم فيما كانت نتائج 93 بلدية دون هذه العلامة. الوصول إلى ما نسبته 85 ٪ من التقييم يكون «تقييم خارق» حسب ما قاله الوزير.
كما تظهر عمليات تقييم أجريت غير مرة تشوهات خطيرة في عمل البلديات تتعلق بتدني درجات الكفاءة وتفشي المحسوبية والفساد الذي أطلق عليه بالصغير لكن آُثاره على واقع الأداء كبيرة جدا وكذلك التركيز على خدمة فئة معينة من الناخبين على حساب الصالح العام وضعف في كيفية ادارة وطرح العطاءات والموازنات والأمور المالية والاجرائية وغير ذلك الكثير.
من أهم الأسباب التي أدت الى ضعف عمل البلديات وكثرة الاختلالات يعود الى طريقة الانتخاب التي تقوم على الفردية والصلاحيات المطلقة للرئيس كونه منتخبا مباشرا من قبل المواطنين وليس الأعضاء كما كان سابقا وعدم وجود أدوات ناجعة للتقييم والمحاسبة بشكل مستمر اضافة على عدم توفر المؤهلات العلمية والخبرات اللازمة ولو بحدها الأدنى لمن يترشح لموقع الرئيس أو الأعضاء ومجالس اللامركزية.
وبمناسبة الحديث عن تعديل قانون الادارة المحلية يجب أن يؤخذ بعين الاعتبار تلك الأسباب وغيرها واجراء التعديلات التي تضمن تجويد العمل البلدي على أساس من التشاركية بين الرئيس والأعضاء واشتراط مؤهلات علمية للمترشحين وخاصة لموقع الرئيس ذلك أن العمل البلدي تنفيذي ويحتاج الى التخطيط والقدرة على الادارة الكفؤة وخاصة في الجوانب الاستثمارية والتنموية التي باتت ضرورة ملحة للبلديات حتى لا تبقى عبئا على الموازنة العامة وتستطيع توفير الايرادات اللازمة لتمويل أعمالها المختلفة.
الابقاء على الانتخاب في البلديات مهم من باب تعزيز الديمقراطية لكن المطلوب وضع نظام انتخابي للبلديات ومجالس اللامركزية ان تم الأبقاء عليها بالشكل الذي يضمن شراكة حقيقية داخل المجلس دون تفرد الرئيس بالقرارات ووضع حد أدنى للمؤهلات العلمية المطلوبة لغايات الترشح للارتقاء بالأداء.
تعزيز الرقابة والمساءلة مهم جدا ليس فقط على الأمور المالية والعطاءات وانما على القرارات الادارية والتعيينات وضبطها كونها لا تخضع للعدالة وترهق الأوضاع المالية للبلديات.
الحوار الموسع الذي تعتزم وزارة الادارة المحلية اطلاقه مهم جدا على أن يتم الأخذ بمخرجاته والاستناد الى توصيات اللجنة الملكية للتحديث السياسي التي قدمت توصيات تعالج كثيرا من الاختلالات.
كان أعلى أنواع الشركات تسجيلا في العام 2024، هي الشركات ذات المسؤولية المحدودة، وبعدد 4697 شركة من إجمالي الشركات، وبنسبة 72.2 بالمئة، ولم تسجل شركة واحدة مساهمة عامة على امتداد السنة !.
تكرر الأمر للربع الأول من هذا العام فسجلت الشركات ذات المسؤولية المحدودة الأعلى أيضا وبلغت 1292 شركة، بنسبة 72.8% من الشركات المسجلة، ولم نشهد تسجيل شركة واحدة بصفة مساهمة عامة !.
لكن للدقة يجب أن نشير هنا إلى أن الحكومة بادرت إلى تأسيس شركة مساهمة عامَّة لكنها غير مُدرَجة، تتبع لصندوق الاستثمار الأردني باسم (الشَّركة الأردنيَّة لتطوير المُدن والمرافق) وهي مملوكة بالكامل للحكومة بنسبة 100%.
لا اتذكر تحديدا متى تأسست آخر شركة مساهمة عامة لكن اعتقد أن ذلك حدث منذ زمن بعيد ولا أتذكر ايضا متى تحولت شركة مساهمة خاصة إلى عامة لكن ذلك حدث منذ زمن بعيد ايضا.
لماذ يتم العزوف عن تأسيس شركات مساهمة عامة بل ان الارتداد إلى الشركات المساهمة الخاصة بكل صنوفها اصبح شائعا ؟. سيحتاج الأمر إلى دراسة ليس هنا مجال الخوض فيها لكننا نتركها للباحثين.
يكفي أن نشير هنا إلى ان الشركات المساهمة العامة تخضع لأشكال متعددة من الرقابة، البنك المركزي في قطاع البنوك وشركات التأمين وهيئة الأوراق المالية ومراقبة الشركات ومدقق داخلي واخر خارجي والأهم هو رقابة قاعدة المساهمين، وهو ما يكفي
ومع انه يفترض ان يشكل مصدر أمان للمساهمين كبارا وصغارا إلا انه في كثير من الأحيان يشكل مصدر قلق..
بعض هيئات الرقابة مثل ديوان المحاسبة وهيئة النزاهة ومكافحة الفساد سعتا إلى ادراج الشركات المساهمة العامة على رقابتيهما على اعتبار أن بعضها فيه حكومية ما زاد الضغط على هذه الشركات
ودفع عددا لا بأس به من العازمين على تأسيس شركات الاتجاه إلى تأسيس شركات خاصة.
في وقت سابق تولدت رغبات بنبش ملفات الشركات المساهمة العامة وفعلا تلقفت هيئة النزاهة عشرات الشكاوى من ان الفساد تفشى في الشركات المساهمة العامة المتعثرة لضعف الرقابة وقواعد الحوكمة،
كان ذلك في فترة سادتها الشعبوية لكن ذلك قد مضى فالهيئة اليوم اكثر دقة وحكمة وتأن، وليس سرا أنها اغلقت وانتهت من كثير من هذه الأنواع من القضايا كان في بعضها ما يستحق التحريم لكن في اكثرها كان ما يستحق الإغلاق.
لكن ذلك لم يبدد مخاوف المساهمين الكبار فلا زال بإمكان مساهم صغير او صوت من بعيد تقديم بشكوى مزعومة تثير جلبة
لا يحتاج القطاع الخاص إلى شكوك إضافية فهو منهك وما يحتاج إليه هو تعزيز الثقة بمعالجات حكيمة ذات بعد اقتصادي.
الرقابة لا تحتاج إلى كثرة السكاكين، بل الى تفعيل أدوار القائمة منها ولا أحد يختلف على أن رقابة البنك المركزي فيما يخص البنك وشركات التأمين وهي شركات مساهمة عامة هي رقابة فعالة،
السؤال الأهم هو هل نريد من الشركات أن تبقى مساهمة عامة وان يكون منها المزيد لتوسيع قاعدة المساهمين واستغلال المدخرات الوطنية ؟.( الراي)
في عام 2022، قررت الحكومة السابقة تعديل النظام الجمركي وتخفيض الرسوم إلى أربع شرائح: 0 %، 5 %، 15 %، و25 %، وذلك بهدف معلن هو تحسين الأداء الجمركي، ورفع الإيرادات، وتبسيط الإجراءات، لكن بعد مرور وقت كافٍ، لم تظهر على أرض الواقع أي نتائج ملموسة تؤكد تحقيق هذه الأهداف، فالإيرادات لم ترتفع، بل تراجعت، وظلت مشكلات التهريب قائمة.
هذا الواقع دفع الحكومة الحالية في عام 2024، إلى اتخاذ خطوة مهمة تمثلت بتجميد القرار الجمركي لمدة عامين، بهدف إعادة تقييمه بشكل شامل، فهذه الخطوة، في جوهرها، تُظهر رغبة في تصويب المسار وتجنب الاستمرار في تطبيق قرار لم يؤتِ ثماره، وهي أيضاً إشارة إلى أن الحكومة تفضل المراجعة على العناد، وتحترم فكرة أن السياسات الاقتصادية تحتاج إلى تصحيح إذا ثبت أنها لم تحقق أهدافها.
لكن رغم مرور وقت كاف على بدء التجميد، ما تزال الأمور غير واضحة، إذ لم يصدر عن الجهات المعنية أي بيان يشرح أين وصلت عملية التقييم، وما النتائج الأولية التي تم التوصل إليها، إن وُجدت، فالتجميد بحد ذاته لا يكفي، ما لم يرافقه تواصل حقيقي مع الناس، وشفافية تعزز الثقة العامة وتفتح الباب أمام نقاش وطني جاد حول الجدوى الاقتصادية لهذا القرار.
ما يهم في هذه المرحلة ليس مجرد الانتظار حتى عام 2026، بل استثمار فترة التجميد بفاعلية، والمطلوب أن تُعلن الحكومة ملامح التقييم منذ الآن، وأن تُطلع الرأي العام على المؤشرات قيد الدراسة: هل أثر القرار إيجاباً على المستهلك؟ هل حسّن بيئة الاستثمار؟ هل قلّل التهريب؟ هل دعم المنتجات الوطنية؟ هل ساهم في تحسين الميزان التجاري؟ كلها أسئلة ملحّة، والإجابة عنها ليست ترفاً بل ضرورة.
وهنا يُستحسن التذكير بتجربة الحكومة في ملف إعفاءات السيارات، الذي شهد مراجعة جادة وخرج بقرار واضح أعاد ترتيب المشهد ونال ترحيباً عاماً، فهذه التجربة تصلح نموذجاً يُبنى عليه في ملف الرسوم الجمركية، فكما كان هناك تقييم ومصارحة وقرار جديد، يجب أن تُتبع نفس الآلية هنا، لأن أثر الرسوم الجمركية لا يقتصر على الموازنة العامة بل يمتد إلى قطاعات الصناعة والتجارة والتوظيف والأسعار.
التقييم ليس إجراءً فنياً داخلياً، بل موقف سياسي واقتصادي يعني الجميع، لذلك، فإن أقرب ما يمكن وصفه بالمطلوب الآن هو إعلان موقف واضح: ما الذي أظهره التقييم حتى الآن؟ ومتى سيتم الإعلان عن نتائجه النهائية؟ وما هي الاحتمالات المطروحة بخصوص مستقبل القرار الجمركي؟
الاقتصاد لا ينتظر، والقطاع الخاص لا يمكنه اتخاذ قرارات استراتيجية في بيئة ضبابية، والمواطن لا يمكن أن يشعر بالثقة في السياسات الاقتصادية وهو لا يلمس نتائجها أو يسمع تفسيراً لها، ولهذا، فإن استمرار الوضع كما هو حتى نهاية عام 2026 دون تقييم علني أو إشارات واضحة سيكون بمثابة تضييع فرصة لإصلاح قرار أثبتت التجربة أنه لم يحقق المأمول.
الوقت الآن مناسب تماماً لتقديم مراجعة شفافة، مبنية على أرقام ووقائع، تمهيداً لاتخاذ قرار نهائي يضع مصلحة الاقتصاد الوطني أولاً، ويمنح الصناعة المحلية الحماية التي تستحقها، ويعيد التوازن إلى السياسة الجمركية بأسلوب مدروس ومسؤول. ( الراي)
نيفين عبد الهادي
في الإصرار تستمر المسيرة، ويتأكد النجاح بل والتفوق، هكذا هو الأردن بقيادة جلالة الملك عبد الله الثاني، فهي المسيرة تستمر وستستمر بسواعد بنات وأبناء الوطن، بتوجيهات ورؤى ملكية، ومتابعة شخصية من جلالة الملك، ليكون الأردن ويبقى أيقونة حضارة وسلام واستقرار بحمد الله، ويبقى نموذجا مختلفا في الكثير من القطاعات وعلى كافة الأصعدة.
وعندما أعلن الأردن أن مئويته الثانية سيكون مفتاحها التحديث، مضى بتوجيهات مليكة وترجمات حكومية لجعل التحديث ممكنا، ومتاحا، ومن ثم أصبح مجسدا على أرض الواقع بتفاصيل كثيرة، وعلى كافة مساراته، بدءا من السياسي مرورا بالإداري، وصولا للاقتصادي، ووفق رؤى محددة، وأجندة زمنية محددة ومؤطرة ببرامج وخطط تنفيذية، واضحة تمضي في درب الإنجاز واحدة تلو الأخرى، وكثيرا من أوجه التحديث بدت في بداية الطريق صعبة المنال، لتصبح اليوم واقعا ملموسا يعيشه المواطنون.
وفي درب التحديث، والإصرار على المضي لتحقيق المزيد، سوف يستضيف الديوان الملكي الهاشمي، ابتداء من يوم الأحد المقبل، 13 تموز، سلسلة من ورشات العمل القطاعية التي تهدف إلى تقييم سير العمل في رؤية التحديث الاقتصادي، بعد مرور ثلاث سنوات على إطلاقها بتوجيهات ملكية، لتشكّل هذه الخطوة قفزة نوعية في تحقيق التحديث ومتابعته، وإنجازه على أرض الواقع، ليس هذا فحسب، للوقوف على حجم الإنجاز، ومواطن القوة والضعف، وأين نجح المسار وأين أخفق، لنتحدث اليوم عن متابعة ذهبية للتحديث الاقتصادي وضمان تنفيذه على أرض الواقع، بجوانب ملموسة.
هذه الورشات تنعقد في إطار حرص جلالة الملك عبدالله الثاني على متابعة تنفيذ رؤية التحديث الاقتصادي، وضمان تسارع النمو الاقتصادي وتحقيق أثر ملموس في حياة المواطنين، وترسيخ التزام الحكومات المتعاقبة في تنفيذ الرؤية ضمن الإطار الزمني المقرر، هي ضمانة بحجم الحسم والتأكيد أن الرؤية سوف تطبق على أرض الواقع وسيلمس نتائجها المواطنون بشكل عملي وحقيقي، وستطبق الرؤية كاملة بحرص ملكي على ذلك، في أطر واضحة وتشاركية عبقرية لجعل كل ما يسعى له الأردن ممكنا، بسواعد أردنية لا ترى للصعب مكانا، ولا للتحديات موطئ قدم في عملنا.
بطبيعة الحال هذه الورشات التي ستنطلق يوم الأحد المقبل، ليست الأولى، إذ تشكل ورشات عمل المرحلة الثانية للرؤية، مراجعة مسؤولة ومستقلة لضمان التغذية الراجعة وتجويد مبادراتها وتوصياتها لمواكبة المستجدات التكنولوجية والتطورات الفنية بما يتناسب مع أفضل الممارسات الحديثة، وهي إجراء دوري لكل مرحلة، وطالما كانت المراجعة والمتابعة أحد أهم أسباب نجاح أي خطة عمل وأي برنامج، وأي رؤية، لتبدأ يوم الأحد جلسات عصف ذهني تشاركية مع كافة أطياف المجتمع، لتقييم ومراجعة حجم الإنجاز في الرؤية، وصولا لتغذية راجعة لما تم العمل عليه وانجازه حتى الآن، وحقيقة في ذلك حسم للنجاح وضمانات للتطبيق، في ظل كافة الظروف وحتى التحديات، فالأردن ينطلق من توجيهات سيد البلاد بأنه قادر وأنه مستمر وأنه مختلف بالعمل والإنجاز، والتطوّر والتحديث، لا يعرف الاتكاء على حجج أو مبررات، فالعزيمة كبيرة والهمّة عالية.
سوف يضع عشرات الخبراء المختصون وممثلون عن القطاع الخاص ومؤسسات المجتمع المدني وأكاديميون وإعلاميون ممن صاغوا الرؤية، على طاولة البحث والدراسة ما تم إنجازه حتى الآن في رؤية التحديث الاقتصادي، ببحث مستفيض شفاف، وواضح بتفاصيل كاملة لمعرفة أين وصلت الخطى، وإلى أين تتجه، بالكثير من الآراء والأفكار التي ستجعل من التجربة أكثر ثراء، ومن الاستمرار نهج عمل، ومن الإنجاز مؤكدا، فهي ورشات عمل تستمر حتى 29 تموز الحالي ستشكّل بداية لمرحلة جديدة للمزيد من الإنجازات في مسار التحديث الاقتصادي، والبناء على تم إنجازه تعزيزا لاستمرارية النهج بالعمل الذي لا يتوقف، وبمسيرة مستمرة وستستمر.
في ظل تهديد الرسوم الجمركية الأمريكية، ارتفاع قيمة اليورو يشكل رياحاً معاكسة ليس هذا وقتها
- صعود اليورو قد يهدد الانتعاش الهش في منطقة اليورو ويقوّض تنافسية صادراتها
على مؤيدي اليورو القوي أن يحذروا من تحقق أمنيتهم لأن استمرار صعود العملة الأوروبية الموحّدة قد يخنق أي انتعاش هش قد يسجله اقتصاد منطقة اليورو حتى قبل أن يبدأ.
تثبت تجارب العقد الماضي أن فرط قوة اليورو هو آخر ما تحتاجه المنطقة الآن. ورغم أن رئيس البنك المركزي الأوروبي السابق ماريو دراجي لطالما تجنب الحديث عن قوة العملة، اضطر للتطرق إليها في أعوام 2014 و2017 و2018. لكن تحذيره الأخير في خطابه حول “مستقبل القدرة التنافسية الأوروبية” يبدو مهماً للغاية.
في المقابل، يتصاعد الحديث عن موجة إنفاق أوروبية ضخمة على البنية التحتية والدفاع بقيادة ألمانيا، في ظل توقّعات، خصوصاً من رئيسة البنك المركزي الأوروبي كريستين لاجارد، بأن يستفيد اليورو من تراجع الدولار.
تراجع كأصل احتياطي
كما هي الحال في كثير من التحليلات المتعلقة بالدولار، تخلط معظم التقديرات المتفائلة بشأن اليورو بين استخدام العملة، ومفهوم مختلف تماماً هو القيمة النسبية لأزواج العملات. فلا مؤشرات تُذكر على أن اليورو يكتسب زخماً كعملة عالمية للأعمال خارج نطاقه الإقليمي. بل إن الذهب، بحسب التقييم السنوي للبنك المركزي الأوروبي، انتزع من اليورو موقعه كثاني أكبر مكوّن في احتياطات البنوك المركزية العالمية. وتشير دراسة لمجلس الذهب العالمي إلى أن هذا الاتجاه مرشّح للاستمرار بلا تهديد لموقع الدولار المتصدّر عالمياً سواء من حيث الاستخدام أو الاحتياطات.
صحيح أن اليورو ارتفع 13% مقابل الدولار هذا العام، لكن المؤشر الأكثر دلالة ربما هو مكسبه المحدود بنسبة 3% فقط أمام الجنيه الإسترليني. فالمركزي الأوروبي خفّض أسعار الفائدة بوتيرة أسرع بمرتين من الاحتياطي الفيدرالي وبنك إنجلترا خلال العام الماضي، ومع ذلك لم تظهر هذه السياسة بوضوح على قيمة العملة.
رغم أن اليورو يبدو في وضع مستقر حالياً، إلا أن تعزيز الطلب المحلي فعلياً سيحتاج إلى تدخّل مالي كبير. وبالطبع، فإن الحفاظ على قوة العملة يفترض أيضاً أن تتراجع وتيرة نمو الاقتصادات المنافسة، وهذا مطلب صعب جداً.
تعويل أوروبا على التصدير
صحيح أن منطقة اليورو ستظلّ أكبر سوق موحّدة في العالم، لكنها تعتمد في الأساس على صادراتها الصناعية كمحرّك رئيسي للنمو الاقتصادي. وهذا ما يفسّر دخولها في مفاوضات شائكة حول الرسوم الجمركية مع إدارة الرئيس دونالد ترمب. إذ إن ألمانيا وحدها تسجّل فائضاً في الحساب الجاري يُقدّر بنحو 250 مليار يورو (290 مليار دولار)، وهو الأكبر عالمياً، متجاوزة حتى اليابان في العام الماضي.
بالتالي، ما كان يُعدّ سابقاً من أبرز نقاط القوة في الاتحاد الأوروبي بات اليوم نقطة ضعف واضحة؛ فكلما زادت قوة اليورو بات الحفاظ على تنافسية الصادرات أصعب.
يبدو أن محاولة التأثير في الأسواق من خلال التصريحات العلنية قد بدأت. صرّح نائب رئيس البنك المركزي الأوروبي لويس دي جويندوس لتلفزيون بلومبرغ الثلاثاء بأن تجاوز اليورو مستوى 1.20 دولار “سيكون أمراً معقداً جداً ولكن مستوى 1.20 مقبول تماماً“.
وعلى أساس القيمة المرجّحة بالتجارة، لم يسجّل اليورو مستوى أقوى مما هو عليه اليوم، وفقاً لمؤشر البنك المركزي الأوروبي الذي يقيسه مقابل 41 عملة. صحيح أن ضعف الدولار يبقى العامل الأبرز، بما أن نحو 20% من صادرات الاتحاد الأوروبي تتجه إلى السوق الأمريكية، لكن العلاقة مع اليوان الصيني باتت تضاهيه أهمية، في ظل بلوغ حجم التجارة الثنائية مع الصين نحو 740 مليار يورو عام 2023.
ترجمة الوعود إلى أفعال
حذرت أودري تشايلد-فريمان، كبيرة إستراتيجيي عملات مجموعة العشر في “بلومبرغ إنتليجنس”، من أن البنك المركزي الأوروبي قد يجد نفسه في موقف حرج إذا تسارعت مكاسب اليورو نتيجة تباطؤ الاقتصاد الأمريكي. إن ارتفاع العملة بوتيرة أسرع قد يدفع المركزي الأوروبي إلى خفض الفائدة مجدداً، وربما إلى ما دون مستوى الحياد النقدي المقدر بنحو 2% الذي يفضّله، وهو المستوى الذي يستقر عنده حالياً معدل الفائدة على الودائع.
صحيح أن قوة اليورو تترجم إلى انخفاض تكلفة الواردات، ما قد يخفف أعباء الفواتير عن كاهل الأسر ويعزّز الدخل المتاح للإنفاق والاستهلاك، إلا أن هذه الفوائد تقابلها مخاطر أخرى. فمع بقاء التضخم في منطقة اليورو دون مستهدف البنك المركزي البالغ 2% — كما في فرنسا التي سجلت تضخماً سنوياً بـ0.8% في يونيو — تتصاعد المخاوف من انكماش سعري.
بطبيعة الحال، يمكن لاقتصاد قوي وتنافسي أن يتعامل بسهولة مع عملة مرتفعة القيمة، كما كانت الحال مع المارك الألماني قبل اعتماد اليورو. لكن اقتصاد منطقة اليورو المتباطئ، الذي لا ينمو سوى بنحو 1%، بعيد جداً عن ذلك. وقد خفّض المركزي الأوروبي أسعار الفائدة إلى النصف خلال العام الماضي لسبب وجيه.
تحقيق الوعود المتعلقة بزيادة كبيرة في الإنفاق العام، وبأسرع وقت ممكن، أساسي لاستمرار صعود اليورو. فبناء قدرات دفاعية ذاتية أمر أساسي، لكن الاستجابة لنداء ماريو دراجي لتعزيز القدرة التنافسية لا تقل أهمية. في حالة اليورو، الأفعال خير من الأقوال، وهذا يعني ترتيب البيت الداخلي أولاً.
خاص بـ “بلومبرغ”
تُعد قضايا الشيوع وإزالته من القضايا ذات الطابع الحقوقي والاجتماعي العميق في المجتمع الأردني، لما لها من أثر مباشر على ملكية الأفراد واستقرار العلاقات المدنية، في ظل الانتشار الواسع للعقارات المشتركة على الشيوع، والتي تتجدد يومًا بعد يوم.
ويُعبَّر عن الشيوع بأنه صك أرض أو عقار يشترك فيه أكثر من شخص، وغالبًا ما يتعلق بعقارات ذات مساحات كبيرة وقيمة عقارية مرتفعة. وتأتي ضرورة إزالة الشيوع للحفاظ على حقوق الأفراد وإعطاء كل ذي حق حقه.
في الأصل، كانت إزالة الشيوع تنظم استنادًا إلى أحكام الشريعة الإسلامية، التي أفردت تفصيلًا دقيقًا في أنواع القسمة وآليات تنفيذها، لكن مع تطور المجتمعات وتعقّد أشكال الملكية، أصبحت الحاجة ماسّة إلى معالجة حالات الشيوع على العقار ضمن إطار قانوني واضح وعليه، فإن الحديث عن إزالة الشيوع من منظور قانوني حديث أصبح ضرورة.
تُعد عملية إزالة الشيوع عملية حقوقية بالأساس، لتعلقها بحق الملكية الذي يحظى بحماية دستورية وقانونية.
ويعزز هذا الطرح مبدأ الفصل بين السلطات الثلاث: التشريعية، التنفيذية، والقضائية، كما نص عليه الدستور الأردني، فقد أناط الدستور الفصل في المنازعات ومنها إزالة الشيوع، بالسلطة القضائية على أن تُنفذ قراراتها من قبل السلطة التنفيذية عبر دوائرها المختصة.
إلا أن ما شهدته الساحة القانونية خلال السنوات الأخيرة هو نقل اختصاص الفصل في قضايا إزالة الشيوع من المحاكم النظامية إلى لجان إدارية تشكل ضمن دائرة الأراضي والمساحة، ورغم أن هذا التوجه جاء تحت ذريعة التبسيط وتسريع الإجراءات، إلا أن الواقع العملي أثبت وجود تخبط في التطبيق وتأخر في الإجراءات ما زال قائمًا حتى يومنا هذا.
لا بد من التمييز هنا بين التنظيم والإحقاق، فبينما يُعد التنظيم أداة لتيسير الوصول إلى الحق، فإن أصل الحق هو جوهر الحماية القانونية ومن هذا المنطلق، يُثار التساؤل الجوهري: هل تُعد إزالة الشيوع قضية حقوقية أم تنظيمية؟
إن مبدأ الفصل بين السلطات، وإن كان يؤسس لاستقلال كل من السلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية عن الأخرى، إلا أنه لا يعني القطيعة بينها، بل يقوم على التكامل في إطار من التوازن والرقابة المتبادلة. ويبرز هذا التكامل بوضوح في القضايا المرتبطة بحقوق الملكية ومنها إزالة الشيوع.
فبينما تسن السلطة التشريعية القوانين التي تنظم الملكية وتحدد القواعد الموضوعية لإزالة الشيوع، تضطلع السلطة القضائية بتطبيق تلك القوانين وتفسيرها، وتقوم السلطة التنفيذية بتنفيذ الأحكام القضائية ذات الصلة. ويُعد موضوع إزالة الشيوع نموذجًا واضحًا لهذا الترابط بين السلطات الثلاث.
من القصور التشريعي أن يُترك هذا الترابط عرضة للتغول أو التقاطع، إذ أن الحق في الملكية وحق التصرف وحق إزالة الشيوع، هي حقوق مترابطة تُشكّل مثلثًا لا يجوز فصله في البناء القانوني الحديث، وهو ما يؤكد أن إزالة الشيوع قضية حقوقية وليست مجرد مسألة تنظيمية.
تعتبر السلطة القضائية الجهة المختصة بإحقاق الحقوق، لما تملكه من أدوات قانونية ومنهجية قضائية واضحة وإزاء ذلك، فإن نزع الاختصاص من المحاكم وإحالته إلى لجان تنظيمية إدارية يُعد تقويضًا لمكانة القضاء، ويؤدي إلى زعزعة المراكز القانونية للأطراف.
عند مقارنة الإجراءات بين القضاء واللجان، يتضح وجود فارق كبير في الانضباط الزمني والإجرائي فالمسار القضائي، وفقًا لأحكام قانون أصول المحاكمات المدنية، يُقيّد تأجيل الجلسات بمدة لا تتجاوز خمسة عشر يومًا، مما يضمن سرعة البت في القضايا. أما في اللجان، فالتأجيلات قد تمتد لأشهر دون وجود سقف زمني، وهو ما يؤدي إلى تعطيل الحقوق وإطالة أمد النزاعات.
كما أن اللجان لا تعتمد على التبليغ بالإلصاق، مما يُفقد إجراءاتها جزءًا من الضبط القانوني المعتمد أمام القضاء، ويؤدي إلى إضعاف فعالية التبليغات، وبالتالي تعطيل الفصل في الطلبات.
عند صدور نظام لجان إزالة الشيوع في العقار – رقم (145) لسنة 2019، تم تبرير نقل الاختصاص بأنه يهدف إلى تسريع البت وتخفيف الضغط عن المحاكم. إلا أن هذه الأسباب، رغم ظاهرها الإجرائي، تُخفي خلفها إشكالات دستورية وإجرائية عميقة.
أول هذه الإشكالات هو تعارض الإحالة إلى اللجان مع مبدأ الفصل بين السلطات، فإزالة الشيوع تتعلق بحقوق الملكية، وهي من اختصاص القضاء وثانيها، أن تلك اللجان لا تلتزم بأصول المحاكمات ولا بضمانات المحاكمة العادلة، كالحق في الدفاع والعلنية والرقابة، مما يُضعف الثقة في قراراتها.
ثالث الإشكالات يتمثل في ضعف الخبرة القضائية لدى أعضاء اللجان، فهم في الغالب من ذوي الخلفيات الإدارية لا القضائية، وهو ما يُثير التساؤل حول جودة القرارات الصادرة وقدرتها على تفسير النصوص وتطبيقها بعدالة.
أما على المستوى الاجتماعي، فإن استمرار الشيوع يؤدي إلى خلافات متفاقمة بين الشركاء، وقد تتطور إلى قطيعة وتوترات داخل الأسرة الواحدة، نتيجة الشعور بالغبن أو الظلم في آلية التقسيم اقتصاديا، يؤدي استمرار الشيوع إلى تعطيل استثمار العقارات ومنع التصرف فيها، مما يُجمّد ثروات كبيرة ويُعيق حركة السوق العقاري.
من هنا، فإن معالجة قضايا إزالة الشيوع عبر لجان إدارية غير قضائية لا يفي بالمتطلبات القانونية ولا الاجتماعية، بل يفاقم النزاع ويُهدد الاستقرار وإن العودة إلى القضاء هي الضمانة الحقيقية لتحقيق العدالة.
القضاء ضرورة وليس خيارًا إن إعادة اختصاص إزالة الشيوع إلى المحاكم النظامية ليست مجرد مسألة تنظيمية تندرج في إطار توزيع الاختصاصات، بل هي ضرورة قانونية لضمان العدالة، وأداة اجتماعية لحماية العلاقات بين الأفراد، ورافعة اقتصادية لتعزيز الاستثمار واستقرار السوق العقاري. فالمحكمة، بخلاف اللجان الإدارية، لا تؤدي دورًا إجرائيًا شكليًا فحسب، بل تشكل سلطة دستورية مستقلة تُوازن بين المصالح وتُرسّخ سيادة القانون وتضمن الحقوق.
يمثل هذا التوجه عودة إلى الأصل الدستوري الذي يجعل من القضاء المرجع الوحيد للفصل في المنازعات الحقوقية، ومنها إزالة الشيوع، لما تقتضيه من تطبيق للقانون وتفسير للنصوص وتقدير للوقائع فالمحاكم تخضع لأحكام أصول المحاكمات المدنية، وتكفل للخصوم حق الدفاع، وحق الاعتراض، وعلانية المحاكمة، والرقابة القضائية على مراحل الدعوى، وهي ضمانات لا تتوفر في عمل اللجان الإدارية.
وعلاوة على ذلك، فإن القاضي، بما يتمتع به من استقلال وخبرة قانونية، يكون أكثر قدرة على تفكيك تعقيدات العلاقة القانونية بين الشركاء، وتقدير ما إذا كان من الأجدى التجزئة أو البيع بالمزاد العلني، وفقًا لمعيار المصلحة العامة والخاصة في المقابل، أثبتت التجربة أن اللجان، رغم حسن النية، عجزت عن توفير الحسم القانوني المنضبط، ما أدى إلى تأخير وتعطيل واحتقان في كثير من القضايا.
إن مراجعة التوجه التشريعي الحالي باتت ضرورة مُلحّة، لضمان انسجام التشريعات الإجرائية مع المبادئ الدستورية، وفي مقدمتها مبدأ الفصل بين السلطات، واستقلال القضاء، وحماية الحقوق إن إزالة الشيوع ليست إجراءً إداريًا عابرًا، بل هي قضية حقوقية بامتياز، لا تُعالج إلا في محراب العدالة.
في ظل الأرقام المتصاعدة التي تُعلن عن تمويل هائل للشركات الناشئة في الأردن، يتشكل لدينا انطباع بأن الريادة في ازدهار مستمر. لكن الواقع يكشف عن تحديات مؤسسية عميقة لا يمكن تجاهلها، فنجاحات فردية تتلألأ وسط بيئة تحتاج إلى إعادة بناء حقيقية. هذا المقال يأخذك في جولة صريحة ومباشرة لتحليل واقع ريادة الأعمال الأردنية، مع تقديم مقترحات جريئة تُعيد رسم مستقبل أكثر استدامة وحيوية لهذا القطاع الحيوي.
كلّما ارتفعت الأصوات على المنصّات والمؤتمرات، تتردّد أرقام ضخمة عن تمويل الشركات الناشئة في الأردن، حيث يُشار إلى 443 مليون دولار للفترة 2018–2024. يُقدّم هذا الرقم على أنه «قفزة تاريخية» ويُحتفى به كعلامة نجاح. لكن تضخيم أرقام التمويل دون التوقف عند أصولها ومساراتها ومكامن ضعفها لا يُنتج بيئة استثمارية راسخة. فالاحتفال بالأرقام بمعزل عن التحليل يُعرّض الأردن لخطر الوقوع في فخ (الاطمئنان المخادع) وان حجم التمويل الفعلي حسب مصادر موثوقة مثل Magnitt ووزارة الاقتصاد الرقمي خلال الفترة 2018–2022 بلغ نحو 246 مليون دولار عبر 220 صفقة. وهذا الرقم لا يمثل إلا حوالي 7 % فقط من حجم التمويل الإقليمي الذي تجاوز 3.5 مليار دولار في ذات الفترة، مما يوضح أن الأردن يستحوذ على حصة صغيرة نسبياً في سوق ريادة الأعمال الإقليمي.
تُبيّن البيانات أنّ 178 شركة فقط تعمل فعلياً من داخل البلاد، بينما اختارت 23 شركة تأسيس مقارّها خارج الحدود، في إشارةٍ صريحة إلى أن السوق المحلي لا يكفي لتغذية طموحات التوسّع. الأهم أنّ 288 مليون دولار، أي أكثر من ثلثي الإجمالي، صُبَّت في تلك الشركات المحليّة عبر 262 صفقة، فيما حصدت شركات الأردنيين في الخارج 155 مليون دولار بسبعٍ وعشرين صفقة أكبر حجماً وأقل عدداً. فجوةٌ تمويلية كهذه تكشف أنّ المستثمرين يؤمنون برواد الأعمال الأردنيين أكثر ممّا يؤمنون بقدرة الأردن نفسه على استيعاب النمو.
عام 2021 يقدَّم غالباً بوصفه «عاماً ذهبياً» إذ وحده استحوذ على 123.4 مليون دولار بفضل أربع جولات كبرى: Eon Dental و OpenSooq وAbwaab وTamatem. هذه القفزة تفوَّقت بأكثر من ثلاثة أضعاف على أي عامٍ آخر في الفترة المدروسة، لكنها جاءت نتيجة «صفقاتٍ وحيدة» لا ديناميكيةٍ سوقيةٍ مستمرة؛ إذ انخفض التمويل مجدداً مع ارتفاع أسعار الفائدة العالمية وتراجع شهية رأس المال المخاطر. من هنا تبدو طفرة 2021 أقرب إلى لقطةٍ إعلانية من كونها اتجاهاً بنيوياً.
ومع ذلك، يحرص المسؤولون على الاستشهاد بتصنيف StartupBlink الذي يضع الأردن في المرتبة 69 عالمياً والخامسة عربياً في مؤشرات بيئة الشركات الناشئة. لكن ما لا يُقال هو أن المؤشر نفسه يُدرج الأردن تحت خانة «التراجع النسبي» عاماً بعد آخر، في الوقت الذي قفزت فيه السعودية 14 مرتبة في الفترة ذاتها. فعلى الورق، قد يبدو هذا الترتيب مقبولاً، لكن في الواقع السوقي، هو يعني أنك تروّج لمستثمر دولي منظومةً أقل جاذبية من مدن مثل باكو أو كيب تاون، ضمن بيئة تشريعية تتسم بالبطء والتعقيد.
بعيدًا عن عمّان، تكاد تختفي الشركات الناشئة من خريطة المحافظات. ففي الوقت الذي نجحت فيه مشاريع زراعية مدعومة من صندوق REGEP التابع لـ JEDCO بتمويل نحو 7 ملايين دولار في محافظات مثل مادبا والطفيلة والمفرق، إلا أن التمويل موجه بشكل كبير للزراعة التقليدية، لا لابتكارات أو مشاريع ريادية تكنولوجية.
في إربد والكرك وجرش، لا تزال بيئة الأعمال تعتمد على المبادرات الفردية، وسط غياب الحاضنات الفاعلة وصناديق التمويل المرحلي. رغم وفرة المواهب، يفتقر الرياديون في تلك المناطق إلى التوجيه والتمويل، ما يجعل عمّان مركز الجذب الوحيد، ويعزز من المركزية الاقتصادية والمعرفية.
ومن أبرز التحديات الحقيقية الواقعية أن هناك نسبة من المستثمرين يرون أن الشركات الأردنية غير ناضجة، وهنالك من يشتكون نقص المهارات التخصصية، ومنهم من لا يجد ميزة تنافسية واضحة في معظم المشاريع.
هذا النقد لا يعكس فقط ضعف السوق المحلي، بل يسلط الضوء على هشاشة الإطار المؤسسي والتعليمي الذي يخرّج مشاريع “تبدو” تقنية، لكنها بلا أساس تكنولوجي متين. أما على المستوى التشريعي، فالتحديات ما زالت قائمة: صعوبة تسجيل الشركات، تعقيدات إغلاقها، وضرورة المواكبة للإطار التشريعي بشكل عصري للقطاعات.
للنهوض بالمنظومة الريادية في الأردن، لا يكفي الترويج للأرقام؛ بل يتطلب الأمر معالجة عميقة وشجاعة. نقترح ما يلي:
– تحديث البنية التشريعية: تبنّي منصة إلكترونية موحّدة لتسجيل وإغلاق الشركات، مستوحاة من نموذج “One Click” السعودي.
– إطلاق صندوق تمويل مرحلي (Bridge Fund) بشراكة بين الدولة والقطاع الخاص، لردم الفجوة بين تمويل البذرة والجولة الأولى، بقيم تتراوح بين 50–200 ألف دولار.
– تحفيز الريادة في المحافظات: دعم الحاضنات الريفية، ومنح تمويل مخصص للمشاريع التقنية والخدمية خارج العاصمة، مع إعفاءات ضريبية لثلاث سنوات للشركات التي تؤسس في تلك المناطق.
– إصلاح بيئة التمويل المالي الرقمي: تمكين البنك المركزي من إصدار تشريعات حديثة للمدفوعات المفتوحة
وتسهيل إجراءات الامتثال.
– تعزيز العلاقة بين الجامعات وحاضنات الأعمال: دعم المشاريع التكنولوجية الجامعية، وربطها بصناديق التمويل والملكية الفكرية.
– ربط الأردن بسلاسل القيمة الخليجية: من خلال شراكات تكاملية مع دبي والرياض، لا مجرد التصدير العكسي للمواهب.
خلاصة الأمر أنّ تقرير ZINC، بكل ما يحتويه من بيانات لامعة، يشبه مرآةً ذات وجهين: من جهة يعكس قدرة الأردنيين على نحت قصص نجاح فردية؛ من جهة أخرى يفضح هشاشة الإطار الذي يحيط بهذه القصص. ما لم يتحوّل التركيز من تلميع الأرقام إلى إزالة العوائق التشريعية، وضخ رأسمال محلي طويل الأجل، ودمج الأردن فعلياً في سلاسل القيمة الخليجية، فستظل المنظومة تدور في حلقة «قمة – هبوط – احتفال» تستهلك الزمن والطموح معاً. الوقت ينفد، والفرصة التالية قد لا تنتظر سبع سنوات أخرى من التجميل الرقمي.
الفرصة الإقليمية تتحرّك بسرعة، وإذا واصلنا العمل بنفس الأدوات، سنبقى على هامش الهامش. المطلوب اليوم ليس تكرار النجاحات الفردية بل تحويلها إلى منظومة متكاملة. فإما أن نؤسس لاقتصاد ريادي شامل يتوزع من عمان إلى العقبة، ومن إربد إلى معان، أو نظل ننتظر “التمويل القادم” كأنه حدث عابر.
الوقت لا ينتظر، والمنطقة لا ترحم المتأخرين. ( الغد)
