اسواق جو – لا يوجد مواطن واحد من المواطنين الأردنيين لا يحب أن يمضي المعنيين والجهات المسؤولية، قدمًا، وبكُل قوة وإرادة جريئة، في تحقيق أكثر الأهداف وأهمها بخصوص “الإصلاح المالي” للمؤسسة العامة للضمان الاجتماعي، التي تُعتبر تحويشة الأردنيين، فهي من الضمانات الرئيسة لعيش كريم في خريف أعمارهم، لا بل ويسعون جاهدين للمُساهمة في ذلك بأي طريقة تراها الدولة فيها منفعة للوطن والمواطن، على حد سواء.
مقالات
اسواق جو – في زمنٍ تتسارع فيه الأزمات وتضيق فيه فرص العمل، يكثر من يبيع الوهم في ثوب الفرصة، ويَعِدُ الشباب بثراءٍ سريع عبر «العمل أونلاين»، مستغلًا حاجتهم وضيق الخيارات أمامهم. صفحاتٌ وحساباتٌ تتكرر، وشعاراتٌ تتشابه، ونهايةٌ واحدة غالبًا: خيبةٌ جديدة، وثقةٌ تُهدر، وصورةٌ مشوّهة عن العمل الرقمي الحقيقي.
ومع ذلك، فإن الحقيقة أبعد من هذا المشهد الضيق؛ فالعمل عبر الإنترنت لم يعد ترفًا ولا موضةً عابرة، بل أصبح جزءًا أصيلًا من شكل الاقتصاد الحديث. عالم الأعمال تغيّر، وانتقل بثقله إلى الفضاء الرقمي، حتى بات قول بيل غيتس:
«إذا لم يكن عملك على الإنترنت، فإن عملك سيكون خارج العمل»
أقرب إلى توصيفٍ للواقع منه إلى نبوءةٍ مستقبلية.
هنا، يصبح السؤال الحقيقي ليس عن العمل عبر الإنترنت بحدّ ذاته، بل عن النموذج الذي نختاره داخله. وفي هذا السياق، تبرز صناعة البيع المباشر بوصفها أحد النماذج القليلة التي نمت بهدوء، وتطوّرت بثبات، بعيدًا عن الضجيج والشعارات. صناعةٌ بدأت ملامحها الأولى عام 1945، ثم نضجت عبر عقودٍ من التنظيم والتجربة، حتى أصبحت اليوم قطاعًا عالميًا معترفًا به. ولم يتوقف هذا النضج عند حدود الممارسة العملية، بل امتدّ إلى الحقل الأكاديمي، حيث بدأ تدريس هذا التخصص في الجامعات الأمريكية منذ عام 1991، بوصفه أحد مسارات الأعمال المعاصرة.
ولا يثبت هذا النضج بالخبرة وحدها، بل تؤكده الأرقام أيضًا؛ إذ تشير البيانات إلى أن إجمالي مبيعات صناعة البيع المباشر خلال السنوات الخمس الماضية بلغ قرابة 850 مليار دولار، بمعدلٍ سنويٍّ يناهز 170 مليار دولار. أرقامٌ لا تعبّر فقط عن حجم السوق، بل عن استمراريته وقدرته على توليد الدخل في ظروفٍ اقتصاديةٍ متباينة.
وعندما ننظر إلى هذه المؤشرات من زاوية اقتصادٍ واعدٍ ومفتوح كالاقتصاد الأردني، تتضح الصورة أكثر؛ فهذه الصناعة تمثّل فرصةً حقيقيةً تستحق الالتفات الجاد؛ فهي قطاعٌ لا يحتاج إلى رؤوس أموالٍ ضخمة، ولا إلى بنى تحتيةٍ معقّدة، بقدر ما يحتاج إلى وعيٍ ومهارةٍ واستعدادٍ لبناء الذات خطوةً خطوة.
ومن هنا، لا يمكن ترك هذا المسار يتشكّل عشوائيًا أو يُختطف من قبل كياناتٍ وهمية، بل تبرز الحاجة الملحّة إلى دورٍ مؤسسيٍّ واضح. وعلى حكومتنا الرشيدة أن تنظر بجدّية إلى صناعة البيع المباشر كجزءٍ أصيلٍ من منظومة العمل الحديثة، خاصةً في وقتٍ سبقتنا فيه العديد من دول العالم بخطواتٍ كبيرة في تنظيم هذا القطاع واستثماره اقتصاديًا، بينما لا يزال التعامل معه محليًا محدودًا ودون إطارٍ واضح يواكب حجمه وإمكاناته الحقيقية، وأن تدعم هذا القطاع ضمن أطرٍ تنظيميةٍ وتشريعيةٍ واضحة، تفتح الباب أمام الشركات العالمية الجادّة للعمل من داخل الأردن، وتحمي الشباب في الوقت ذاته من الممارسات التي تسيء إلى هذه الصناعة وتشوّه صورتها.
وتزداد أهمية هذا القطاع حين ننظر إلى طبيعته الإنسانية؛ فهو لا يقف عند فئةٍ أو تخصصٍ، بل يتّسع لكل من تجاوز سنّ الثامنة عشرة، من الأكاديمي والطبيب والمهندس، إلى الحِرَفي والعامل وصاحب المهنة. معيار النجاح فيه ليس الشهادة ولا المسمّى الوظيفي، بل الجهد والانضباط والقدرة على بناء علاقاتٍ قائمةٍ على الثقة وتقديم قيمةٍ حقيقية.
كما أن هذه الصناعة أثبتت قدرتها على الصمود في وجه الأزمات، وعلى التعايش مع التحولات التقنية المتسارعة؛ فالذكاء الاصطناعي، رغم تأثيره في كثيرٍ من الوظائف، لا يُقصي هذا القطاع، بل يمنحه أدواتٍ جديدة، لأنه في جوهره يقوم على التواصل الإنساني وبناء الثقة، وهي عناصر لا يمكن أتمتتها.
أما على المستوى الفردي، فالدخول إلى هذا المجال يجب أن يكون قرارًا واعيًا لا اندفاعًا مؤقتًا. وأول ما ينبغي التحقق منه هو أن تكون الشركة عضوًا في إحدى منظمات البيع المباشر المحلية (DSA)، التابعة للاتحاد العالمي لشركات البيع المباشر (WFDSA)، إضافةً إلى التأكد من طول عمر الشركة وخبرتها، وتنوّع خدماتها ومنتجاتها، واعتمادها من جهاتٍ رقابيةٍ معترفٍ بها.
في النهاية، فصناعة البيع المباشر ليست وعدًا سريعًا بالثراء، ولا اختصارًا للطريق، لكنها مسارٌ واقعيّ لمن يريد أن يعمل بوعي، ويبني نفسه بثبات، ويدخل عالم العمل الرقمي من بابه الصحيح.
الدستور
اسواق جو – لأنه التحدي الأكبر الذي يواجهه الأردن، فقد كان الاقتصاد هو العنوان الأبرز خلال العام 2025، والدليل على ذلك ما يلي:
1 – الاقتصاد الأردني عانى كثيرًا خلال السنوات الأخيرة الماضية، بدءًا من جائحة كورونا (2020)، ثم الحرب الروسية-الأوكرانية (2022- وحتى الآن)، ثم الحرب على غزّة (أكتوبر 2023)..فجاء العام 2025، في نصفه الثاني بطابع «الأمل المشوب بالحذر»، بعد تراجع تأثير التبعات الاقتصادية للحرب على غزّة-رغم عدم توقف الاعتداءات الإسرائيلية على القطاع-.
2 – تحسّن الأوضاع الإقليمية-وتحديدًا في الشقيقة سوريا، وبعد إلغاء «عقوبات قيصر»، فتح آفاقًا جديدة لإنعاش الاقتصاد الأردني، حيث ارتفع حجم التبادل التجاري بين الأردن وسوريا لأكثر من 400 %.
3 – مع انتهاء العام 2025 تكون المرحلة الأولى من البرنامج التنفيذي لرؤية التحديث الاقتصادي (2023-2025) قد انتهت، لتبدأ بعدها المرحلة الثانية (2026-2029)، وقد شهد العام 2025 مناقشات استضافها الديوان الملكي العامر، لتقييم المرحلة الأولى والإعداد للمرحلة الثانية، تلاها مناقشات في رئاسة الوزراء، ويتوقع أن تعلن الحكومة قريبًا جدًّا برنامجها التنفيذي الثاني لرؤية التحديث الاقتصادي.
4 – غالبية المؤشرات الاقتصادية الرئيسة شهدت ارتفاعات إيجابية خلال العام 2025، بدءًا من ارتفاع معدل النمو إلى 2.8%، وارتفاع الصادرات (7.6 %)، وارتفاع الاحتياطيات لدى البنك المركزي إلى أرقام تاريخية (24.6) مليار دولار، وارتفاع موجودات صندوق استثمار أموال الضمان إلى (18.4) مليار دينار، وارتفاع إيرادات السياحة رغم كل التحديات لتبلغ أكثر من (7.2) مليار دولار، وتجاوز مؤشر بورصة عمّان المالي حاجز الـ3600 نقطة، وتراجع طفيف لمعدل البطالة الكلي (أردنيين وغير أردنيين) إلى (16.2 %) خلال الربع الثالث من العام، ..وغيرها من المؤشرات الاقتصادية التي تؤكد نجاعة السياستين المالية والنقدية، ممّا ساعد على تحقيق كل هذه المؤشرات الاقتصادية الإيجابية.
5 – شهادات دولية حظي بها الاقتصاد الأردني خلال العام 2025 تتمثل بتقارير صندوق النقد الدولي، خصوصًا بعد نجاح المراجعة الرابعة مؤخرًا، وتلاه تثبيت وكالتي «فيتش» و»ستاندرد أند بورز» للتصنيف الائتماني للاقتصاد الأردني عند BB- مع نظرة مستقبلية مستقرة، يضاف إلى ذلك تقدم الأردن على أكثر من مؤشر عالمي، منها على سبيل المثال لا الحصر:
– تحقيق أفضل النتائج تاريخيًّا على مؤشر الابتكار العالمي.
– المرتبة 44 في تصنيف التنافسية الرقمية العالمي، والتقدم للعام الثالث على التوالي على مؤشر المعرفة العالمي 2025.
6 – قرارات حكومية متعددة شكّلت حافزًا مهمًا لكثير من القطاعات الاقتصادية الصناعية والتجارية، وقطاع السيارات والعقارات والسياحة والزراعة وتكنولوجيا المعلومات..وغيرها، ممّا زاد من مساهمة تلك القطاعات بارتفاع الناتج المحلي ومعدل النمو وخلق وظائف جديدة.
7 – شهد العام 2025 تحولًا مهمًا من مرحلة الحديث عن المشاريع الكبرى-على الورق-إلى تحويلها لواقع بات ملموسًا على الأرض، وفي مقدمة تلك المشاريع «مدينة عمرة» التي أُعلن عنها بالتزامن مع البدء بأعمال الحفر للبنية التحتية في عدد من المشاريع الهامة المدرجة ضمن المرحلة الأولى للمشروع.
8 – لأول مرّة يتم إقرار «مشروع الموازنة» قبل انتهاء العام، ممّا سيتيح الفرصة للبدء مبكرًا، ومع مطلع العام الجديد، بتنفيذ بنود الموازنة خصوصًا ما يتعلق بالنفقات الرأسمالية.
9 – «رؤية التحديث الاقتصادي»..عنوان رئيس لدى الحكومة، ولدى جميع الوزارات التي شهدنا في كثير منها تقدمًا ملحوظًا، خصوصًا مشاريع الطاقة، وفي مقدمتها غاز الريشة والتنقيب عن الذهب والنحاس، وغيرها من المعادن..إضافة إلى التقدم الملحوظ في الرقمنة والأتمتة والخدمات الإلكترونية.
10 – ..وقبل كل ذلك كلّه، فإن جميع لقاءات وزيارات وجولات جلالة الملك عبدالله الثاني داخل المملكة وخارجها لم تخل-كما هي العادة-من التركيز على جذب الاستثمارات للأردن وفتح الأبواب أمام القطاعين العام والخاص لمزيد من التعاون الاقتصادي مع تلك الدول..وكان آخرها جولة جلالة الملك الآسيوية في خمس دول ضمّت (اليابان-فيتنام-إندونيسيا-سنغافورة-وباكستان)..وكذلك زيارات وجولات سمو ولي العهد التي كان العنوان الأبرز فيها الاقتصاد وجذب الاستثمارات للأردن، خصوصًا في قطاع تكنولوجيا المعلومات والرقمنة والذكاء الاصطناعي وغير ذلك.
*باختصار:
نتائج إيجابية مبهرة حققها الاقتصاد الأردني خلال العام 2025 رغم استمرار التحديات، وكلها تؤكد على أننا نسير في الاتجاه الصحيح، وتعطينا جرعة كبيرة من الأمل بتواصل الإصلاحات الاقتصادية في العام 2026 نحو المشاريع الكبرى القادرة على رفع معدلات النمو إلى نسب قادرة على خلق مزيد من فرص العمل تحقيقًا لمرتكزات رؤية التحديث الاقتصادي.
الدستور
اسواق جو – في فرنسا وإيطاليا ثمن علبة السجائر 10 يورو.
والمواطنون المدخنون لا يحتجون على سعر الدخان.
وأذكر ذات زيارة لروما، شاهدت مسيرة صامتة ترفع شعارات تطالب الحكومة بفرض مزيد من الضرائب على الدخان.
ولأن المواطنين يعرفون أن الدخان مضر وخطر على الصحة.
وأن للدخان العادي والسجائر الإلكترونية آثارًا مكلفة على الإنسان مع التقدم بالعمر.
فاتورة علاج أمراض الدخان والسرطان اسألوا عنها الأميرة غيداء والدكتور عاصم منصور.
وبعد أعوام أموال الضمان الاجتماعي لا تكفي لعلاج الأردنيين من أمراض الدخان والسرطان.
في الأردن 12 مليون إنسان، ونقاتل نحو عيش آمن وكريم، ومنهم كثير ينفق ثلث راتبه الشهري على الدخان.
ومنهم من يبلع الحبوب والمخدرات لكي يتجاهل من حياته الأمر الواقع.
ويشد على حزام الانتحار والموت السريع، وينتظر ساعة الصفر ليطلق النار على حياته.
الكل يدخن في الأردن، في العزاء والأفراح والجاهات والعزائم، والندوات والمحاضرات وفي السرفيس والتكسي، والباص.
صارت المناسبات العامة تحصي قيمتها الاجتماعية بأعداد المدخنين، وكم سيجارة تُحرق؟
والحكومات عوضًا عن ردع ومكافحة التدخين تخفض الضرائب على السجائر، وتفتح شهية وجيوب الأردنيين المثقوبة لمزيد من التدخين والموت السريع.
الدستور
اسواق جو – مديونية الجامعات الأردنية لم تعد رقمًا في ذيل تقرير مالي، ولا أزمة عابرة يمكن تجاوزها بقرارات إسعافية أو حلول مؤقتة، بل أصبحت مرآة تعكس خللًا عميقًا في طريقة التفكير والإدارة وصناعة القرار. هي أزمة تكشف أن المشكلة ليست في شحّ الموارد فقط، بل في كيفية إدارتها، وفي غياب الرؤية، وفي ثقافة الاكتفاء بتدوير الأزمة بدل مواجهتها. فالجامعات التي يفترض أن تكون بيوت خبرة وعقول دولة، تحوّلت في كثير من الأحيان إلى مؤسسات مثقلة بالديون، عاجزة عن الحركة، محكومة بالخوف من التغيير، ومقيّدة بتشريعات وأعراف عطّلت قدرتها على التجدد، حتى باتت تدفع أثمان أخطاء تراكمت عبر سنوات طويلة دون مراجعة جادة.
لقد اعتادت هذه المؤسسات التعامل مع المديونية كحالة طارئة لا كمرض مزمن، فكان الحل غالبًا مزيدًا من التأجيل، أو الاعتماد على دعم استثنائي، أو تحميل الطلبة وأسرهم أعباء إضافية، دون الاقتراب من جوهر الخلل. ومع الوقت، تحوّل العجز المالي إلى عبء نفسي وإداري، شلّ القدرة على المبادرة، وأدخل الجامعات في دائرة مغلقة من الخوف والحذر، حيث يصبح الهدف هو البقاء لا التطور، وتسديد المستحقات لا بناء المستقبل، وتفادي الصدام لا اتخاذ القرار الصائب.
وفي ظل هذا الواقع، تراجعت مكانة الجامعة بوصفها محركًا للتنمية ورافعة للاقتصاد الوطني، لتصبح في بعض الحالات عبئًا على الخزينة، بدل أن تكون شريكًا في الإنتاج. وغاب التفكير الاستثماري طويل الأمد، وحلّ مكانه منطق الإدارة اليومية، التي تنشغل بتسيير الأمور أكثر من انشغالها بصناعة الفرص. فالأراضي غير المستثمرة، والطاقات الأكاديمية غير المستغلة، والسمعة العلمية غير المسوّقة، كلها موارد مهدورة كان يمكن أن تشكّل مصادر دخل مستدامة لو أُديرت بعقل مختلف ورؤية أكثر جرأة.
كما ساهمت البيروقراطية المتراكمة، وتشابك الصلاحيات، وضعف الحوكمة، في تعميق الأزمة. فقرارات جوهرية تتأخر، وأخرى تُفرغ من مضمونها، ومسؤوليات تتوزع على الجميع فلا يتحملها أحد. ومع غياب المحاسبة، تتحول المديونية إلى رقم يُرحّل من عام إلى عام، دون أن يُسأل أحد: من أخطأ؟ ولماذا؟ وكيف يُمنع تكرار الخطأ؟
الأخطر من ذلك أن هذا الواقع يتناقض مع الدور الذي تقوم به الجامعات في التعليم والتكوين. فهي تُدرّس الإدارة الحديثة ولا تطبقها، وتشرح النظريات المالية ولا تنجح في إدارة موازناتها، وتحدّث عن الحوكمة والشفافية فيما ممارساتها الداخلية تعاني من التردد والانغلاق. هذه الفجوة بين ما يُقال في القاعات وما يُمارس في المكاتب الإدارية أضعفت الثقة المجتمعية بالجامعة، وأثرت على صورتها بوصفها نموذجًا يُحتذى.
إن استمرار هذا المسار لا يهدد الجامعات ماليًا فحسب، بل يهدد رسالتها ودورها ومكانتها الوطنية. فجامعة مثقلة بالديون، خائفة من القرار، ومشلولة بالتشريعات، لا تستطيع أن تبتكر، ولا أن تنافس، ولا أن تقود التغيير. ولهذا فإن التوسع في فهم أزمة المديونية يجب أن يقود إلى قناعة راسخة بأن الحل لا يكمن في المال وحده، بل في إعادة بناء العقل الإداري، وتجديد الرؤية، وكسر ثقافة التردد، والانتقال من إدارة الأزمة إلى إدارة المستقبل، قبل أن تتحول الجامعات من مؤسسات تعليمية إلى عبء ثقيل على الدولة والمجتمع معًا.
لقد أثبتت السنوات الماضية أن الحلول التقليدية لم تعد مجدية. رفع الرسوم أرهق الطلبة وأسرهم، وتخفيض النفقات أصاب العملية الأكاديمية في جوهرها، والاقتراض لتسديد الاقتراض لم ينتج سوى أرقام أكبر وعجز أعمق. كل ذلك جرى دون أن تُمسّ البنية الحقيقية للأزمة، ودون أن يُطرح السؤال الجريء: هل تدار جامعاتنا بعقل الدولة أم بعقل الوظيفة؟ وهل تُبنى القرارات على مصلحة التعليم والوطن أم على توازنات آنية ومجاملات مستدامة؟
إن الخروج من هذا النفق يبدأ من الإقرار بأن الجامعة ليست مبنى ولا عدد طلبة ولا كادرًا متضخمًا، بل مشروع وطني منتج، يجب أن يُدار بعقل استثماري معرفي لا بعقل إنفاقي استهلاكي. تطوير البرامج الأكاديمية لم يعد ترفًا، بل ضرورة وجودية. لم يعد مقبولًا الإصرار على برامج مكررة ومشبعة لا يقبل عليها أحد، ولا تخدم سوق العمل، ولا تجذب طالبًا أجنبيًا. المطلوب برامج نوعية حديثة، مرتبطة بالعالم لا بالجغرافيا، وقادرة على المنافسة الإقليمية والدولية، تُدرّس بلغات متعددة، وتُصمّم بعقل السوق لا بعقل اللائحة.
كما أن الحديث عن دمج المؤسسات لم يعد من المحرمات، بل من أدوات الإصلاح. فالإبقاء على جامعات ضعيفة ماليًا وأكاديميًا بدافع الخوف أو الحساسيات المحلية لا يخدم أحدًا. الدمج المدروس يعيد توزيع الموارد، ويخفض الكلف، ويخلق كيانات أقوى وأكثر قدرة على البقاء.
وفي المقابل، لا يجوز أن تبقى الجامعات حبيسة الدور التقليدي، فيما يمكنها أن تكون لاعبًا استثماريًا ذكيًا. دخول الجامعات الحكومية في شراكات لإنشاء جامعات خاصة، أو مؤسسات تعليمية تطبيقية، عبر صناديق استثمار تعليمية، ليس تفريطًا بالتعليم العام كما يُصوَّر، بل حماية له واستدامة لموارده. فالمعرفة حين تُدار بذكاء يمكن أن تكون مصدر دخل، لا عبئًا دائمًا على الدولة.
والأفق لا يجب أن يتوقف عند الحدود. التعليم الأردني يملك سمعة وخبرة ورأس مال بشري قادراً على التوسع خارج البلاد، سواء في الدول المجاورة أو في شرق آسيا وإفريقيا. فتح فروع، أو برامج مشتركة، أو مراكز تعليم عابر للحدود، يمكن أن يحوّل الجامعة من مؤسسة محلية مأزومة إلى لاعب إقليمي منتج، ويعيد الاعتبار لدور التعليم كرافعة اقتصادية وطنية.
لكن كل ذلك لن يتحقق دون قرار واضح. أزمة الجامعات ليست شأنًا إداريًا داخليًا، بل قضية دولة تمسّ مستقبلها وأمنها المعرفي والاجتماعي. هي بحاجة إلى تدخل من أعلى المستويات، وإلى لجنة إصلاح وطنية مستقلة، لا تُدار بالمجاملة ولا تخضع للضغوط، تمتلك الصلاحية والجرأة وتعمل وفق جدول زمني واضح ومحاسبة شفافة.
ولا يمكن لأي إصلاح أن ينجح دون إعادة النظر في التشريعات التي كبّلت الجامعات وأفرغت مفهوم العدالة والجودة من مضمونه. سياسات القبول، والاستثناءات التي تحوّلت إلى قاعدة، أضعفت المستوى الأكاديمي وعمّقت الفجوة بين الإمكانات والواقع. إعادة الاعتبار لمبدأ تكافؤ الفرص، وربط القبول بالطاقة الاستيعابية وسوق العمل، شرط أساسي لاستعادة التوازن.
ويبقى جوهر المشكلة في القيادة.. آن الأوان لتغيير فلسفة تعيين الرؤساء، وربط استمرارهم بالإنجاز الفعلي لا بالقدرة على تجنب الصدام.
مديونية الجامعات ليست قدرًا محتومًا، بل نتيجة خيارات مؤجلة وقرارات غائبة. والإنقاذ الحقيقي لا يكون بالمسكنات ولا بالشعارات، بل بجرأة الاعتراف، وشجاعة الإصلاح، وتحميل المسؤولية لمن يتولاها. فالجامعة التي تعجز عن إدارة نفسها، لا يمكنها أن تبني مستقبل الوطن..
اسواق جو – لا يقتصر الارتفاع اللافت في الصادرات الوطنية إلى دول الاتحاد الأوروبي على كونه تحسنًا رقميًا في ميزان التجارة الخارجية، بل يحمل دلالات أعمق تمس جوهر الصناعة الأردنية وقدرتها على المنافسة محليًا وعالميًا. فالنمو الذي تجاوز 45 بالمئة خلال أشهر قليلة يعني أن المنتج الصناعي الأردني بدأ يثبت حضوره في أسواق تُعد من الأكثر صرامة من حيث المواصفات والجودة والاستدامة، وهو إنجاز لا يتحقق إلا حين تصل الصناعة إلى مستوى نضج يسمح لها بمجاراة سلاسل القيمة العالمية.
بالنسبة للصناعة المحلية، فإن هذا التوسع التصديري يعكس انتقالًا تدريجيًا من نموذج السوق المحدود إلى نموذج الإنتاج الموجه للأسواق الخارجية، وهو تحول استراتيجي يرفع كفاءة المصانع، ويدفعها إلى تحسين التكنولوجيا، وضبط الجودة، وتطوير الإدارة الصناعية. كما أن اختراق أسواق مثل إيطاليا وألمانيا داخل الاتحاد الأوروبي يمنح الصناعة الأردنية شهادة غير مباشرة على قدرتها التنافسية، ويفتح أمامها فرصًا للتوسع في أسواق أخرى ضمن المنظومة الأوروبية نفسها.
غير أن هذا المسار لا يخلو من تحديات. فارتفاع الطلب الخارجي يفرض ضغوطًا على كلفة الإنتاج، في ظل ارتفاع أسعار الطاقة والنقل والتمويل، كما يضع الصناعة أمام تحدي الامتثال المستمر للمعايير البيئية والفنية الأوروبية التي تتطور بوتيرة سريعة. وتبرز كذلك فجوة في الجاهزية التصديرية لدى شريحة واسعة من المنشآت الصغيرة والمتوسطة، التي تملك منتجًا قابلًا للتصدير لكنها تفتقر إلى أدوات النفاذ للأسواق، أو إلى القدرة على الإنتاج بالكميات والجودة المطلوبة.
تجاوز هذه التحديات يتطلب سياسة صناعية أكثر تركيزًا على التصدير، تبدأ بتخفيض كلف الإنتاج عبر حوافز ذكية للطاقة والتمويل، وتمر بتعزيز البنية التحتية اللوجستية وسلاسل التوريد، ولا تنتهي عند دعم الامتثال الفني والتسويقي للمصانع. كما أن توسيع برامج الربط بين الصناعة المحلية والشركات الأوروبية، والاستفادة من الاتفاقيات التجارية، كفيل بتحويل التصدير من نشاط محدود إلى رافعة نمو مستدامة.
الأثر الأهم لهذا المسار ينعكس على سوق العمل. فالصناعات التصديرية، بخاصة في قطاعات الألبسة والأدوية والكيماويات والأسمدة، تُعد من أكثر القطاعات كثافة في التشغيل. وكل توسع في التصدير يعني زيادة في الطاقة الإنتاجية، واستحداث فرص عمل مباشرة وغير مباشرة، وتحريك قطاعات النقل والخدمات والدعم الصناعي. وعندما يرتبط التصدير بسياسات تدريب وتأهيل مهني، يتحول إلى أداة فعالة للحد من البطالة، لا سيما بين الشباب.
في المحصلة، فإن نمو الصادرات إلى الاتحاد الأوروبي لا يمثل نجاحًا تجاريًا فحسب، بل مؤشرًا على مسار اقتصادي قادر على إعادة تموضع الصناعة الأردنية في الخريطة العالمية. والتحدي الحقيقي اليوم لا يكمن في الحفاظ على هذا النمو فقط، بل في تعميقه وتحويله إلى محرك دائم للتنافسية الصناعية والتشغيل المستدام، بما يجعل من التصدير مشروعًا وطنيًا يتجاوز الأرقام إلى بناء اقتصاد أكثر إنتاجية وقدرة على خلق الفرص.
الدستور
اسواق جو – تيمنا بأفراح البدايات الجديدة -الميلاد المجيد ورأس السنة المباركة-، واستبشارا بالمزيد منها وديمومتها، وددت -افتراضيا وعن بعد- لو فتحت أمامنا عبر تطبيق ذكي مثلا فرصة الاستثمار بالقطاع السياحي.
تراني وكأنني أحاكي في مخيلتي هذا الحلم الافتراضي، فأطلب إلى القائمين على هذا القطاع الحيوي الواعد، أطلب إليهم وليس منهم، أن تتضمن فرص الاستثمار الوطني خيارات حول أنواعها وحجم النسب المراد استثمار أي مبلغ فيها حتى وإن كان فلسا واحدا أو «سنتا» كالذي تم إلغاؤه في بلاد العم سام مؤخرا. فلسا لا على غرار «فلس الريف» المضاف على فاتورة الكهرباء، بل مشاركة «فلس» رمزي قد يتجاوز في قيمته السوقية «دينار التلفزيون»، مرفوعا إلى أسّ عالية، تتعاظم مع كل دورة استثمارية والتي كما الزراعة، قد يكون من المفيد أن تكون حولين كاملين، حتى يتجذّر البذار، ويمتدّ الغراس، فيكثر الحصاد وتتضاعف خيراته وبركاته أكثر وأكثر.
متعددة ووافرة هي خطط الادّخار والاستثمار في «بلاد الأحلام» أمريكا، لكن من أحلاها وأعلاها مصداقية هي تلك التي لا يكون فيه المستثمر مستشارا، بل صاحب قرار قطعي وحصري. يُسأل الموظف في القطاعين العام والخاص في حال اختيار تلك الخطط عن قراره الشخصي في توزيع استثماره، ماله ومال أحبابه -أسرته- من بعده. بعضها يذهب بعيدا لدرجة عرض فرص استثمارية حتى خارج أمريكا طبعا عبر شركات أمريكية أو أقله معتمدة في البوصات الأمريكية. وكما هو الحال في أي قرار، لا بد من حسن صنع القرار قبل توقع الموفَقَيّة في اتخاذه، وذلك لا يتأتّى إلا من خلال عملية تراكمية تفاعلية ومتواصلة لحسن قراءة المؤشرات، بعد فهم وتوظيف الحقائق كما هي بموضوعية، لا رغائبية!
معايير الربح والخسارة في ذلك الادخار والاستثمار لا تكون ضربة حظ، بل حسن تحليل واتخاذ القرار المناسب في التوقيت المناسب، والأهم بالكيفية الأنسب. قطعا، التوفيق والرزق بأمره سبحانه من قبل ومن بعد، لكننا مدعوون إلى حسن الائتمان على القليل حتى يرزقنا الله الكثير.
بصرف النظر، أين احتفظ الناس بنقودهم وبطاقاتهم المصرفية في جيب خلفية أم أمامية في الصدارة أو إلى جوار القلب، فإن التاريخ الشخصي والمهني الخاص والعام في الدنيا ما زال يثبت أن ابن آدم ينفق حيث يؤمن ويعشق وينتمي، لذلك فحتى الاستثمارات خارج مملكتنا الحبيبة، مسألة من الإنصاف انتقادها مالم تكن مكملة ورديفة للإنفاق والادّخار والاستثمار في الأردن أولا..
نسمع قصائد وأغاني كثيرة وديباجات أكثر في الإعلام التقليدي والجديد من مفوّهين، من أي قطاع كانوا -خاصا أم حكوميا (عاملين أم متقاعدين) نلمس فيه الوفير والنبيل من المشاعر والمواقف، نسمع شعرا ونثرا بجبال عجلون والشراه ولا نرى استثمارا وطنيا فيها على النحو المأمول خاصة من المقتدرين خارج المملكة، وكذلك الحال في البترا والعقبة، والأهم وهذا هو ما يناسبه اليوم الخامس والعشرين من ديسمبر، هو الاستثمار الخاص الفردي والجماعي من داخل الوطن المفدى وخارجه في هذا الكنز الذي لا يضاهى من السياحة الروحية، السياحة الإيمانية، الدينية بجناحيها المسلم والمسيحي، لا بل ولأي معتقدات لحضارة ضاربة الجذور في الأردن الغالي، وعلى رأسها الحضارة النبطية.
الرؤوس كما الصدور عامرة بالأفكار الخلاقة والمشاعر الدفّاقة، الكثير منها قائم على ما عاشه الأردنيون في دنيا السياحة والغربة والهجرة. على بعد زهاء ساعة من بيتي في ضواحي واشنطن مجسم كامل «رِبْلِكا» لكنيسة القيامة، للقدس العتيقة يسير فيها الزائر على خطى الحج المسيحي المقدس. كلما زرت دير رهبان الفرنسيسكان -كخريج كلية تراسنطة الأردنية في عمّان- كلما زرته في جنوب شرق العاصمة واشنطن بصحبة أصدقاء، زدت على مرافقنا «مضيفنا في الدير» بأن خارطة الحج المسيحي تشمل أردننا الحبيب، حيث أجد هناك استمارات للراغبين بالتسجيل في زيارة خاصة من عدة ولايات أمريكية إلى الأراضي المقدسة، بمواسم الأعياد، الميلاد المجيد وعيد القيامة (الفصح المجيد).
هذا القطاع واعد للإقامة لا الزيارة فقط، ثمة -وخاصة في سن التقاعد أو مطلع الشباب الباحث عن الرياضة الروحية والراحة النفسية- ثمة من يتطلع إلى صيام أربعيني يبدأ عبر نهر الأردن من أريحا ويقضي معظم أيامه في المغطس شرقي نهر معمودية السيد المسيح، وعجلون والسلط ومادبا وجبل نيبو، هبوطا إلى القدس في الفصح، أو بيت لحم أو الناصرة في الميلاد.
ما عنيت الاستثمار بفلس أو دينار، سنت أو دولار، بل بالروح التي تؤوب ولا تفنى، بالنفس المطمئنة التي لا تريحها إلا تلك السياحة، ولا تربح معها سوى تلك التجارة.
من الآخر، أردننا الهاشمي المفدى زاخر بالفرص الواعدة وأثمنها المستقبل على اتساع آفاقه، فهلموا يا مستثمرين وأقبلوا، ويا «مار حبا» بالجميع.. وكل عام والمحتفلين بميلاد «سيد المحبة» بألف خير، والناس أجمعين.
الدستور
اسواق جو – يشهد العالم تحوّلًا تكنولوجيًا غير مسبوق بفضل الانتشار السريع لتقنيات الذكاء الاصطناعي، التي أصبحت جزءًا أساسيًا من مختلف العمليات الاقتصادية والإدارية والخدمية. فقد امتدت تطبيقاتها إلى العديد من المجالات، بدءًا من الصناعة والإنتاج، مرورًا بالخدمات المالية والتجارية، وصولًا إلى التعليم والرعاية الصحية والنقل. ورغم المكاسب الكبيرة المتوقعة من حيث رفع الكفاءة والإنتاجية وخفض التكاليف
التشغيلية وتحسين جودة الخدمات، إلا أن هذا التطور يثير في الوقت ذاته مخاوف متزايدة تتعلق بتأثيراته على سوق العمل نتيجة إحلال الآلات والأنظمة الذكية محلّ العنصر البشري في العديد من الوظائف التقليدية، حيث يمسّ هذا الموضوع أحد التحديات المتمثلة في تحقيق التوازن بين تبنّي التكنولوجيا المتطورة والمتقدمة وتعزيز النمو الاقتصادي من جهة، والحفاظ على استقرار سوق العمل والحدّ من الفجوات الاجتماعية من جهة أخرى.
فالذكاء الاصطناعي لا يمثّل مجرد ثورة تقنية، بل هو عامل محوري يعيد تشكيل البنية الاقتصادية والاجتماعية على حدّ سواء، أي إن هناك تأثيرًا مباشرًا للذكاء الاصطناعي على فرص العمل، حيث إن عددًا كبيرًا من القطاعات سيتعرّض للخطر، ويكون لها تداعيات سلبية. وبالمقابل، على الجهات المعنية، حكومة وقطاعًا خاصًا، استحداث مراكز وكليات ومعاهد لإعادة تأهيل وتدريب تقني ومهني عالي المستوى لمواجهة التعامل مع ذلك، ودعم الابتكار وريادة الأعمال، وتطوير التشريعات ذات الصلة بما يضمن تحقيق أقصى استفادة من الذكاء الاصطناعي مع تقليل آثاره السلبية على التوظيف.
بعد أن أصبحت تقنيات الذكاء الاصطناعي سائدة في العديد من تطبيقات الأعمال لرفع مستوى الإنتاجية، أحدثت تغيّرات هيكلية، حيث ستتأثر شرائح العمال ذوي المهارات المتدنية، إذ إن الذكاء الاصطناعي يساعد في تحسين دقة العمل وتقليل الأخطاء البشرية، مثل إدخال البيانات أو تحديث الأنظمة تلقائيًا، إضافة إلى دمج السجلات الرقمية والمكتوبة بخط اليد، كما في أنظمة السجلات الصحية الإلكترونية، وكذلك تحليل البيانات وتحديث الأنظمة والتنبؤ في سلوك السوق والعملاء، وتعزيز التخطيط الاستراتيجي وتقييم المخاطر.
يسهم الذكاء الاصطناعي في رفع الكفاءة التشغيلية داخل الشركات والمؤسسات، حيث يُنجز العمليات المعقّدة التي تحتاج إلى وقت طويل وجهد بشري مضاعف، وإجراء تحليلات كانت تحتاج إلى وقت طويل، وكل ذلك يعزّز جودة النتائج. كذلك يساهم الذكاء الاصطناعي في تطوير قدرات الكشف المبكر عن حالات الاحتيال والمخالفات والانتهاكات المختلفة، الأمر الذي يقلّل من الخسائر المحتملة ويحافظ على استقرار الأنشطة المؤسسية.
فهناك أخطاء بشرية عند تنفيذها يدويًا، ويساعد المسؤولين على اتخاذ قرارات جماعية أكثر دقة وموضوعية، ويعزّز مناخ الابتكار لرفع مستوى الإنتاجية داخل بيئة العمل، فهناك من هم متشائمون من التطورات التكنولوجية، حيث يرون أن هذه قد تؤدي إلى حالة من الفوضى مدفوعة بالبطالة الجماعية وانعدام فرص العمل التقليدية، بينما يرى آخرون أن الاستفادة من هذه التقنية ستحسّن الخدمات الحكومية وتنمية القطاع الرقمي، وستكون أداة للتنمية، ولا بدّ من بناء المبادرات العالية.
وهنا لا بدّ من الاعتراف أنه لا يزال توظيف تقنيات الذكاء الاصطناعي لدينا محدودًا، ولم يصل إلى المستوى الواسع لتغيير أنماط التشغيل القائمة، كما يعتمد سوق العمل لدينا بدرجة كبيرة على قطاعات تقليدية مثل الزراعة والبناء والخدمات منخفضة المهارة، إضافة إلى ضعف البنية التكنولوجية في كثير من القطاعات والمحافظات، وتواضع الاستثمارات الموجّهة نحو الذكاء الاصطناعي، مما جعل أثره لغاية الآن محدودًا ومؤجّلًا، لذلك فهو لغاية الآن لا يشكّل دورًا بديلًا للعمالة، لكون التحديات المستقبلية ستكون أكبر وأخطر على فرص العمل التقليدية.
ما هي الأداة الأفضل للخروج من حالة تراجع اقتصادي؟ السياسة النقدية أم السياسة المالية؟ وما أهمية إيجاد مشاريع كبرى بدلاً من الإنفاق على مشاريع صغرى لتحفيز الاقتصاد؟ في حال التراجع الاقتصادي لا توجد أداة واحدة “أفضل” على الإطلاق؛ بل يعتمد الاختيار على طبيعة الركود، وحيّز السياسات المتاح، وسرعة الأثر.
تقوم السياسة النقدية على خفض أسعار الفائدة، التيسير الكمي، ضخ السيولة تكون فعّالة إذا كان الركود دوريًا ناتجًا عن ضعف الطلب الكلي أو عندما تكون أسعار الفائدة أعلى من الصفر ولدى البنك المركزي حيّز للمناورة. وتتميز بأنها سريعة التنفيذ ولا تتطلب قرارات تشريعية معقدة. ومن ناحية أخرى تعاني هذه من ضعف انتقال الأثر إلى الاقتصاد الحقيقي، خاصة عند ارتفاع المديونية أو ضعف الثقة، وتفقد فعاليتها قرب الحد الصفري للفائدة، وقد تغذّي فقاعات للأصول بدلا من تحفيز الاستثمار المنتج.
بالمقابل تتكون السياسة المالية من زيادة الإنفاق العام أو خفض الضرائب، وتستخدم في حالات الركود العميق أو “فخ السيولة” (عندما يفضّل الأفراد والشركات الاحتفاظ بالنقد بدل استثماره أو إنفاقه، لأنهم يتوقعون ضعف النمو أو مخاطر عالية، فلا يؤدي خفض الفائدة إلى زيادة الطلب أو الاستثمار)، أو عندما يعاني القطاع الخاص من عزوف عن الاستثمار. لهذه السياسة تأثير مباشر على الطلب والتوظيف، كما أن المضاعف المالي أعلى (المضاعف المالي هو قيمة توضح كم يزداد عدد الوحدات في الناتج المحلي الإجمالي نتيجة زيادة وحدة واحدة من الإنفاق الحكومي أو خفض الضرائب)، خاصة في مشاريع البنية التحتية. ومن ناحية أخرى هناك قيود على السياسة المالية مثل العجز وحجم الدين العام، كما يمكن لأثر السياسة المالية أن يضعف إذا ما حصل تباطؤ في التنفيذ للمشاريع (كما حدث في مشروع الباص السريع). ولكن، القاعدة المتعارف عليها أن السياسة المالية هي الأفضل والأكثر كفاءة في التعامل مع الركود الحاد تساندها السياسة النقدية. أي ألا تقوم الحكومة بعمل مشاريع بينما يقوم البنك المركزي برفع سعر الفائدة.
أيضا، يجب الاخذ بعين الاعتبار أن المشاريع الكبرى أفضل من الصغرى حيث ان الأثر المضاعف للمشاريع الكبرى (طاقة، نقل، مياه، ورقمنة)، يشمل سلاسل توريد واسعة، وظائف مباشرة وغير مباشرة، واستثمارات لاحقة (مكملة ومساعدة) من القطاع الخاص قد تفوق أضعاف الاستثمار الرئيسي، كما ترفع المشاريع الكبرى
الطاقة الإنتاجية للاقتصاد، تخفض كلف الأعمال، تحسّن تنافسية الصادرات، وتزيد من الثقة خصوصا إذا كان المشروع مشروعا وطنيا كبيرا وواضح الرؤية مثل مشاريع مدينة عمرة وناقل البحرين واستخراج الغاز حيث يعطي إشارة ثقة قوية وإعادة تنشيط توقعات المستثمرين. بينما، في الغالب تكون المشاريع الصغيرة المتفرقة استهلاكية الطابع، لا تترك أصولًا اقتصادية دائمة، وذات أثر قصير الأجل لا يغيّر البنية الإنتاجية للبلد، كما ينتج عن التشتت في الإنفاق على مشاريع صغيرة متفرقة إضعاف للرسالة الاقتصادية، واستمرارٌ للمزاج الاستثماري المتنحي.
الأولوية في الأردن يجب أن تكون، وحسب ما أعلنته الحكومة، لـمشاريع كبيرة في الطاقة (تخفيض كلف الكهرباء على الصناعة)، والمياه (الأمن المائي وتقليل الفاقد)، والنقل واللوجستيات، والتحول الرقمي والبنية التحتية الذكية، لما لهذه المشاريع من أثر إيجابي في رفع معدلات النمو الاقتصادي، وتخفيض كلف الإنتاج، وتحسين تنافسية الصادرات. أي يجب اعتماد أسلوب إنفاق ذكي يؤدي الى نمو نوعي وأعلى دون توسّع كبير في العجز من خلال مزاولات منتظمة مثل مشاريع الشراكة بين القطاعين العام والخاص.
“الرأي”
صدرت بداية هذا الاسبوع الإرادة الملكية السامية بالموافقة على قانون الموازنة العامة للسنة المالية 2026.
وبذلك يدخل هذا القانون حيز التنفيذ ليتيح بدء مرحلة تنفيذ الموازنة اعتباراً من بداية السنة المالية.
وهذا يضع الحكومة أمام استحقاقات تشمل جوانب عدة من أهمها ما تم التعهد به من انفاق كافة مخصصات النفقات والمشاريع الرأسمالية والتي قدرت بمبلغ 1.6 مليار دينار، حيث يعول عليها تنشيط مختلف القطاعات الإنتاجية والخدمية ورفع نسبة النمو الاقتصادي وتحسين مستوى الطلب الداخلي وتوليد مزيد من فرص العمل وتحسين الخدمات المقدمة للمواطنين.
يضاف لذلك تمويل البدء بالمشاريع الاستراتيجية الكبرى والتي تصل قيمتها الاستثمارية لأكثر من عشر مليارات دولار، باعتبار أن هذه المشاريع تشكل أولوية وطنية، وتسعى الحكومة لإنجاز المراحل النهائية من توقيع الاتفاقيات والإغلاق المالي لبعضها لتبدأ بطرح عطاءات الجزء الأكبر منها قبل نهاية العام المقبل؛ ليتم إنجازها واستكمالها خلال الأعوام 2028 – 2030.
واذا أخذنا كل ذلك في الاعتبار فنحن أمام امتحان حقيقي نستطيع من خلاله تأكيد السير قدماً في تنفيذ رؤية التحديث الاقتصادي وتحقيق نقلة نوعية من التخطيط الى التنفيذ مما يكفل احداث أثر ايجابي مباشر ليس على مختلف قطاعات الاقتصاد الكلي فحسب بل أيضاً على مستوى ونوعية حياة المواطنين.
ولغايات النجاح في تحقيق هذه الغاية لا بد من التأكد من جاهزية المؤسسات الرسمية وقدرتها على تنفيذ المشاريع الرأسمالية ضمن جداول زمنية تتناسب مع المصادر التمويلية المتاحة مع التأكيد على عدم تأخير أو تأجيل المستحقات المالية للمقاولين وشركات القطاع الخاص.
أضافة لذلك لا بد من الالتفات الى أن المشاريع المنوي تنفيذها وخاصة الاستراتيجية منها تتطلب تفعيل الشراكة مع القطاع الخاص والارتقاء بمستوى التنسيق لضمان التنفيذ الكفؤ ضمن المهل الزمنية المحددة.
ومن الواضح أن الحكومة في اطار سعيها لتحفيز النمو الاقتصادي وتشجيع الاستثمار وتعزيز الاستقرار المالي واعية أيضاً للتحديات التي تواجه المالية العامة التي تتطلب خطوات واجراءات حازمة محددة ومؤطرة زمنياً لتعزيز الكفاءة المالية والادارة الرشيدة للانفاق.
مع مراعاة العمل على توفير مختلف الظروف والامكانيات الكفيلة بتحسين بيئة الاعمال وفق نهج مستدام يتميز بالوضوح والشفافية والمصارحة ويستثمر الافكار البناءة التي تخدم الوطن والمواطن ويساهم في توفير ظروف ملائمة وسياسات مرنة واجراءات فعالة تمكن من التأقلم مع المستجدات والتطورات المستقبلية، ولتكن موازنة 2026 بداية نهج لتحقيق مزيد من الطموحات والانجازات.
“الرأي”
