يُسجل للحكومة قرارها الحصيف بتثبيت أسعار المشتقات النفطية خلال شهر آب الحالي، رغم ارتفاع أسعار النفط في الأسواق العالمية واحتمالات استمرارها في الصعود في ظل تصاعد التوترات الأمنية في المنطقة وارتفاع مستويات الضبابية وعدم اليقين. وتزداد أهمية هذا القرار في حالة الأردن، الذي يستورد الغالبية الساحقة من احتياجاته من النفط ومشتقاته، ما يجعله شديد التأثر بتقلبات الأسعار العالمية واضطرابات الإمدادات.لا شك أن تثبيت أسعار المحروقات، وعدم تمرير الارتفاعات العالمية مباشرة إلى المستهلكين، قد يترك أثراً سلبياً مؤقتاً على إيرادات المالية العامة، بسبب تراجع العوائد المتوقعة من الضرائب غير المباشرة المفروضة على المشتقات النفطية بنسب متفاوتة. غير أن تقييم القرار من زاوية الإيرادات المباشرة وحدها سيكون قراءة ضيقة، تتجاهل آثاره الاقتصادية والاجتماعية الأوسع.
فالطاقة تدخل في مختلف مفاصل النشاط الاقتصادي، وأي ارتفاع في أسعار المحروقات ينتقل سريعاً إلى كلف النقل والإنتاج والتوزيع، ثم ينعكس على أسعار السلع والخدمات. لذلك، فإن تثبيت الأسعار يسهم في الحد من الاتجاه الصعودي لمعدلات التضخم الذي ظهر خلال الأشهر القليلة الماضية. والتضخم ليس مجرد مؤشر إحصائي، بل هو عدو للاقتصاد، لأنه يضعف القوة الشرائية للأسر، ويضغط على الطلب المحلي، ويرفع كلف الإنتاج، ويزيد من حالة عدم اليقين لدى المستثمرين.
كما يخفف القرار أعباء إضافية كان يمكن أن تتحملها الأسر، خصوصاً الأسر محدودة ومتوسطة الدخل، التي تنفق نسباً مرتفعة من دخولها على النقل والطاقة والاحتياجات الأساسية. فرفع أسعار المحروقات لا يتوقف أثره عند فاتورة الوقود، بل يمتد إلى معظم السلع والخدمات، بما فيها الغذاء والنقل والخدمات اليومية.
ومن شأن تثبيت الأسعار أيضاً أن يعزز الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي، وبالتالي الاستقرار السياسي والأمني، من خلال الحد من الضغوط المعيشية المرتبطة بالفقر وتآكل الدخول. ذلك أن رفع أسعار المشتقات النفطية في الظروف الحالية كان سيؤدي إلى توسيع دائرة الفقر، ودفع مزيد من الأسر الهشة إلى مستويات أشد صعوبة، ورفع منسوب الاحتقان الاجتماعي. ومن هنا، فإن حماية القدرة الشرائية للمواطنين ليست مسألة اجتماعية فقط، بل هي جزء أساسي من حماية الاستقرار العام للدولة.
وسيستفيد القطاع الخاص أيضاً من القرار، بمختلف أحجام منشآته، من خلال تخفيف الضغوط على الكلف التشغيلية وتمكينه من الصمود والاستمرار وتحقيق الأرباح. وهذا مهم لحماية المنشآت والمحافظة على فرص العمل القائمة، ومنع تسرب المزيد من العاملين إلى صفوف المتعطلين عن العمل، في وقت ما تزال فيه البطالة من أكبر التحديات الاقتصادية والاجتماعية التي تواجه الأردن.
وحتى من منظور المالية العامة، فإن استمرار الأنشطة الاقتصادية في العمل تحت ضغوط أقل يعني الحفاظ على مستويات أفضل من الإنتاج والمبيعات والأرباح، وبالتالي استمرار تدفق الإيرادات من ضريبة الدخل والضريبة العامة على المبيعات وغيرها من الرسوم.
من هنا، يعكس قرار تثبيت أسعار المحروقات منطق إدارة الدولة الإستراتيجي، الذي يوازن بين الإيرادات والاستقرار الاقتصادي والاجتماعي، ولا يتعامل مع المواطنين والقطاعات الإنتاجية بمنطق إدارة الشركات التي تركز على الربح المباشر وحده. فالدولة الرشيدة تقيس نجاح قراراتها بقدرتها على حماية الاقتصاد والمجتمع معاً.(الغد)
Category:
مقالات
اسواق جو – جاء وقف حبس المدين في الأردن استجابةً لتوجهات تشريعية وإنسانية تهدف إلى حماية الحرية الشخصية والحد من سلبها بسبب الالتزامات المدنية، إلا أن التطبيق العملي كشف عن تحديات حقيقية أثرت في مراكز الدائنين وفي فعالية نظام التنفيذ، الأمر الذي أعاد طرح التساؤل حول مدى نجاح هذا التوجه في تحقيق العدالة بين طرفي العلاقة.
فقد أدى وقف حبس المدين إلى إضعاف إحدى أهم وسائل الضغط القانونية التي كانت تدفع المدين المقتدر إلى الوفاء بالتزاماته، الأمر الذي شجع بعض المدينين على المماطلة أو التهرب من السداد، مستفيدين من محدودية وسائل التنفيذ الأخرى، خاصة في الحالات التي يصعب فيها الوصول إلى أموال المدين أو ينجح في إخفائها أو نقلها إلى الغير.
كما انعكس هذا الواقع على البيئة الاقتصادية، حيث ازدادت مخاوف التجار وأصحاب المؤسسات من منح الائتمان أو البيع بالأجل، وأصبح التعامل المالي أكثر تحفظًا، وهو ما قد يؤدي إلى تراجع الثقة في المعاملات التجارية وارتفاع تكلفة التمويل، ويؤثر سلبًا في حركة الاستثمار والاقتصاد الوطني.
ولا يقل خطورة عن ذلك ما قد يترتب على وقف الحبس من إضعاف هيبة الأحكام القضائية، إذ إن الحكم الذي لا يجد وسيلة فعالة لتنفيذه يفقد جزءًا من قيمته العملية، ويشعر الدائن بأن حقه، رغم ثبوته بحكم قضائي قطعي، أصبح بعيد المنال.
ولا يعني ذلك أن العودة إلى الحبس هي الحل الأمثل، وإنما يتطلب الأمر إيجاد منظومة تنفيذ أكثر كفاءة، تقوم على التوسع في الكشف عن أموال المدين، وربط قواعد البيانات الرسمية بدوائر التنفيذ، وتشديد العقوبات على تهريب الأموال أو إخفائها بقصد الإضرار بالدائنين، مع منح قاضي التنفيذ صلاحيات أوسع لاتخاذ إجراءات تحفظية سريعة تكفل حماية الحقوق.
إن العدالة لا تتحقق بحماية المدين وحده، كما لا تتحقق بإهدار كرامته، وإنما تتحقق عندما يطمئن الدائن إلى أن حقه سيصل إليه بوسائل تنفيذ فعالة وسريعة، وأن المدين حسن النية سيحظى بالحماية، بينما يواجه المدين المماطل أو المتحايل جزاءات قانونية رادعة. فالمعادلة الحقيقية تكمن في تحقيق التوازن بين احترام الحرية الشخصية وصون الحقوق المالية، لأن استقرار المعاملات وثقة المجتمع بالقضاء يعتمدان على قدرة القانون على حماية الطرفين دون إفراط أو تفريط.وقف حبس المدين… هل تحققت العدالة أم اختل ميزان الحقوق؟
جاء وقف حبس المدين في الأردن استجابةً لتوجهات تشريعية وإنسانية تهدف إلى حماية الحرية الشخصية والحد من سلبها بسبب الالتزامات المدنية، إلا أن التطبيق العملي كشف عن تحديات حقيقية أثرت في مراكز الدائنين وفي فعالية نظام التنفيذ، الأمر الذي أعاد طرح التساؤل حول مدى نجاح هذا التوجه في تحقيق العدالة بين طرفي العلاقة.
فقد أدى وقف حبس المدين إلى إضعاف إحدى أهم وسائل الضغط القانونية التي كانت تدفع المدين المقتدر إلى الوفاء بالتزاماته، الأمر الذي شجع بعض المدينين على المماطلة أو التهرب من السداد، مستفيدين من محدودية وسائل التنفيذ الأخرى، خاصة في الحالات التي يصعب فيها الوصول إلى أموال المدين أو ينجح في إخفائها أو نقلها إلى الغير.
كما انعكس هذا الواقع على البيئة الاقتصادية، حيث ازدادت مخاوف التجار وأصحاب المؤسسات من منح الائتمان أو البيع بالأجل، وأصبح التعامل المالي أكثر تحفظًا، وهو ما قد يؤدي إلى تراجع الثقة في المعاملات التجارية وارتفاع تكلفة التمويل، ويؤثر سلبًا في حركة الاستثمار والاقتصاد الوطني.
ولا يقل خطورة عن ذلك ما قد يترتب على وقف الحبس من إضعاف هيبة الأحكام القضائية، إذ إن الحكم الذي لا يجد وسيلة فعالة لتنفيذه يفقد جزءًا من قيمته العملية، ويشعر الدائن بأن حقه، رغم ثبوته بحكم قضائي قطعي، أصبح بعيد المنال.
ولا يعني ذلك أن العودة إلى الحبس هي الحل الأمثل، وإنما يتطلب الأمر إيجاد منظومة تنفيذ أكثر كفاءة، تقوم على التوسع في الكشف عن أموال المدين، وربط قواعد البيانات الرسمية بدوائر التنفيذ، وتشديد العقوبات على تهريب الأموال أو إخفائها بقصد الإضرار بالدائنين، مع منح قاضي التنفيذ صلاحيات أوسع لاتخاذ إجراءات تحفظية سريعة تكفل حماية الحقوق.
إن العدالة لا تتحقق بحماية المدين وحده، كما لا تتحقق بإهدار كرامته، وإنما تتحقق عندما يطمئن الدائن إلى أن حقه سيصل إليه بوسائل تنفيذ فعالة وسريعة، وأن المدين حسن النية سيحظى بالحماية، بينما يواجه المدين المماطل أو المتحايل جزاءات قانونية رادعة. فالمعادلة الحقيقية تكمن في تحقيق التوازن بين احترام الحرية الشخصية وصون الحقوق المالية، لأن استقرار المعاملات وثقة المجتمع بالقضاء يعتمدان على قدرة القانون على حماية الطرفين دون إفراط أو تفريط.وفي النهاية، فإن نجاح وقف حبس المدين لا يقاس بإلغاء وسيلة التنفيذ بحد ذاتها، وإنما بقدرة التشريع على إيجاد بدائل فعالة تضمن استيفاء الحقوق دون المساس بالحرية الشخصية. فحماية المدين والدائن ليست غايتين متعارضتين، بل ركيزتان أساسيتان لتحقيق العدالة وتعزيز الثقة بسيادة القانون.
ما حققته شركة مناجم الفوسفات الأردنية خلال النصف الأول من عام 2026 يؤكد أن الإدارة القائمة على الرؤية والتخطيط قادرة على تحويل التحديات إلى فرص، وتعزيز مكانة الشركة كواحدة من أبرز الشركات الوطنية الداعمة للاقتصاد الأردني.
فقد سجلت الشركة أرباحًا صافية بعد الضريبة بلغت 235.1 مليون دينار، فيما ارتفع صافي المبيعات إلى 717 مليون دينار بنسبة نمو بلغت 19% مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي، رغم ما شهدته المنطقة من ظروف استثنائية، وارتفاع في كلف الإنتاج، وتحديات في سلاسل التوريد والشحن.
كما عكست مؤشرات الإنتاج والمبيعات في الشركات التابعة أداءً تشغيليًا قويًا، بما يؤكد نجاح الخطط الاستراتيجية في رفع الكفاءة التشغيلية وتعزيز القدرة التنافسية في الأسواق المحلية والعالمية.
والأهم من ذلك، أن المرحلة الحالية تشهد توسعًا نوعيًا من خلال إبرام شراكات واتفاقيات استراتيجية، وجذب استثمارات أجنبية، والتوجه نحو إنشاء مصانع جديدة للصناعات التعدينية والتحويلية، بما يعظم القيمة المضافة للثروات الوطنية، ويزيد من تنافسية الصناعة الأردنية.
إن هذه المشاريع لا تمثل استثمارات رأسمالية فحسب، بل تشكل رافعة اقتصادية حقيقية من شأنها توفير فرص عمل جديدة للأردنيين، وتنشيط الاقتصاد المحلي، وزيادة الصادرات، ونقل الخبرات والتكنولوجيا، وترسيخ مكانة الأردن كمركز إقليمي للصناعات التعدينية.
ويُحسب هذا الإنجاز لرئيس مجلس الإدارة والمدير التنفيذي، لما قدماه من قيادة ورؤية استراتيجية أسهمتا في تحقيق هذه النتائج، وتعزيز مسيرة الشركة، بما يخدم الاقتصاد الوطني ويعزز الثقة بقدرة المؤسسات الوطنية على تحقيق الإنجاز والتميز.
كل الأمنيات باستمرار هذه المسيرة، وأن تبقى شركة مناجم الفوسفات الأردنية نموذجًا وطنيًا للنجاح، يسهم في بناء اقتصاد أكثر قوة، ويوفر مزيدًا من الفرص لأبناء الوطن، ويعزز مسيرة التنمية الشاملة.
اسواق جو – لم يكن الصيف في هذه المنطقة مجرد موسم للحصاد، وانما كان ايضا مناسبة للفرح، فلم يترك المزارعون للتعب المرافق لجمع الغلال تحت اشعة الشمس الساطعة ان ينال من رغباتهم الجامحة للاستمتاع والبهجة قبل حلول الخريف، كانت حيلة السكان هي إحالة عناء جمع المحصول الى إثارة مليئة بالتسلية والترويح، ومن اجل ان ينجح التحايل على قسوة العمل، كان لا بد من شغف الشعور واتقان فن تغليف الارهاق بالأهازيج التي تطرب النفس وتشعل تحدي التنافس في انجاز العمل بأقل كم من التعب واكبر قدر من المتعة، وهكذا نجحت تلك الخطة في جعل اليوم التالي مثيرا اكثر مما هو مملا.
بين العمل الشاق والاضطرار له، وبين الحاجة للمتعة وتصنيفها كترف، كان هناك مفارقة طاغية في حياة الناس تولّد معها وبها ترنيم الاهازيج ليس بداعي التذوق الفني فقط، وانما أيضا لضرورات وظيفية في تهوين الشقاء المرتبط بالعمل المضني في الحقول والمراعي وورش البناء، ولطالما كانت الحرارة المعتدلة في الصيف مغرية لتوسيع المشاركة الاجتماعية وإتمام مراسم الزواج، فالفضاء المفتوح في ليال دافئة كان مناسبا لاجتماع المحتفلين، وفي هذا الدفء الذي يجمع الاسرة والأصدقاء نشأت فنون الرقص والغناء تعبيرا عن الفرح ثم غدت توثيقا له، وبالتوازي تطورت الموسيقى وظهر الابداع في نظم الشعر وتأليف الالحان الشعبية التي تراكمت في وعي الناس ورسخت في وجدانهم، فحفظوها ثم اضافوا اليها وتناقلوها جيلا بعد جيل.
صحيح ان بناء المسارح والمدرجات في الأردن كان بهندسة رومانية، لكن البنية العلوية التي ملئتها بالمسرحيات والشعر وألهبت صدى الصوت فيها بالموسيقى والغناء كانت بحناجر أبناء المنطقة وحصيلة لابداعاتهم، ثم ازدهر إرثها من وحي تجربتهم ومن صميم اذواقهم الفنية والأدبية، ولعل عبقرية مهرجان جرش انه استلهم الفكرة وبعث فيها الحياة من جديد، فما كان يشعل تلك المدرجات بالبهجة والسرور قبل الفي سنة صار يتكرر كل صيف في جرش منذ أربعين عاما في استدعاء جميل لتلك الزاوية من التاريخ والمضي بها نحو المستقبل.
الشعر والغناء ليس طارئا على منطقتنا، وانما يرجع الى تراث قديم يمتد الى تاريخ طويل من الثقافة والفنون عرفها سكان هذا الجزء من العالم، وما مهرجان جرش الا شكل جديد تظهر فيه ثقافة قديمة، لكن خصوم المهرجان يغمطونه تلك الجذور، ويطلّون علينا في كل عام بذريعة جديدة او قديمة تنكر على الناس حقهم بالفرح وتصادر عليهم حريتهم في الذوق والاختيار، قبل سنوات كنت اعمل مع اللجنة العليا للمهرجان بحكم عملي وقتئذ، وكنا نواجه سيلا من الاتهامات والانتقادات تنطوي على مغالطات تسقط تفكير اتجاه ايدولوجي- ليس محل اتفاق – على اولويات الدولة وتفرضه على الاخرين، وتقدم خيار الرفض المعزول على القبول العام للمهرجان بحجج واهية منبعها المناكفة وليس المصلحة، واتذكر في بداية ما عرف بالربيع العربي وحين أفلس هؤلاء من الحجج، لم يبقى لديهم كداع لوقف المهرجان سوى ذريعة اسقاط النظام السابق في سوريا البراميل المتفجرة على السكان- وهو شأن سوري داخلي انكرناه جميعا- ، وصاغوا اعتراضهم في شعار:» دمشق تنزف وجرش تعزف»، في الوقت الذي كانت فيه دمشق ذاتها تكبر على جراحها وتبدع فنا راقيا، وتغرق الفضائيات العربية بدراما وكوميديا سورية جميلة.
يرى ارسطو ان الفن غير ملزم للتقيد بالواقع، وان مهمته محاكاة الاشياء وفق ما يجب ان تكون وليس كما هي عليه، وعند هذه النزعة نحو الكمال يسند المجتمع للفن وظيفة غايتها تعرية القبح وتمجيد الجمال، ليس للترف وانما للحاجة، وحين تنظم الدولة مهرجانا للثقافة والفنون فإنها لا تقصد التسلية والترويح فقط، وانما تتوسل بها لمواجهة التشدد الايدولوجي والانغلاق الفكري، وتقدم بديلا عن حواضن العنف والجريمة والارهاب، وبذلك تمرر خطابها الرسمي بأدوات ناعمة، وفي ذات الوقت تستكمل سردية الانسان الاردني في الثقافة والفنون.
الدستور
اسواق جو – انتقلت الأزمة في المنطقة من تهديد حركة الملاحة إلى استهداف منشآت حيوية، ثم إلى تصاعد الردود والردود المضادة، بما ينذر بتحول الممرات البحرية من طرق متأثرة بالصراع إلى جزء من أدواته. وهذا التطور لا يعني اتساع المواجهة عسكريًا فحسب، بل يرفع احتمال استمرار الاضطراب وصعوبة تقدير مدته، وهما أخطر ما تواجهه الأسواق وسلاسل الإمداد.
تكمن حساسية المشهد في وقوعه بين ممرين لا يمثلان مجرد طرق بحرية، بل شريانين للاقتصاد العالمي. فمضيق هرمز بوابة رئيسة لتدفقات النفط والغاز وواردات دول الخليج، بينما يربط باب المندب والبحر الأحمر آسيا بأوروبا عبر قناة السويس. وإذا تزامن الضغط على المسارين، يصبح الاقتصاد أمام اختناق مزدوج لا يعالجه تحويل السفن إلى طريق بديل إلا بكلفة مرتفعة.
فالالتفاف حول رأس الرجاء الصالح يطيل الرحلات، ويرفع استهلاك الوقود وأجور التشغيل والتأمين، ويقلل عدد الرحلات التي تستطيع السفن تنفيذها سنويًا. وكل يوم إضافي يعني تأخر المواد الأولية وقطع الغيار، وتجميد رأس المال داخل البضائع العابرة، وزيادة حاجة الشركات إلى السيولة والمخزون. ثم تنتقل الكلفة إلى المصانع والأسواق في صورة أسعار أعلى للغذاء والدواء والطاقة ومدخلات الإنتاج.
لكن الأثر الأخطر ليس ارتفاع كلفة الشحن، بل تراجع موثوقية التوريد. فالشركات تستطيع التعامل مع سعر مرتفع إذا كان معلومًا، لكنها يصعب عليها التخطيط لموعد وصول غير مؤكد. وهذا الغموض يربك الإنتاج والتوزيع، ويدفع المؤسسات إلى زيادة الطلب والمخزون بصورة احترازية، فتزداد الضغوط على الموانئ والطاقة الاستيعابية والأسعار.
وتكشف الأزمة خللًا في نموذج اقتصادي بالغ في تفضيل الكفاءة على المرونة. فقد عُدّ تقليل المخزون، والاعتماد على المورد الأرخص، واستخدام المسار الأقصر، إدارة رشيدة. غير أن ما يخفض الكلفة في الظروف العادية قد يتحول عند الانقطاع إلى مصدر هشاشة؛ فالمخزون المنخفض يصبح نقصًا، والمورد الواحد نقطة فشل، والمسار الأقصر عنق زجاجة.
أما الدول المستوردة، ومنها الأردن، فلا يكفيها بقاء الموانئ والمعابر مفتوحة، لأن السلسلة قد تتعطل لدى المورد أو الناقل أو شركة التأمين أو الميناء الوسيط. لذلك يجب قياس الأمن الاقتصادي بقدرة السلعة الحرجة على الوصول من المصدر إلى المستهلك بالكميات والوقت والكلفة المقبولة، لا بجاهزية نقطة الوصول وحدها.
وتبدأ المعالجة العاجلة بإنشاء منظومات إنذار مبكر تراقب حركة الملاحة والمخزون وزمن التوريد، وتحدد السلع الأكثر تعرضًا للخطر. وعلى المدى المتوسط، يجب تنويع الموردين والموانئ، ورفع مخزون الأمان وفق زمن الأزمة المحتمل، وإبرام عقود مرنة للنقل والتأمين.
أما الحل الاستراتيجي، فلا يكمن في التخزين وحده، بل في إعادة تصميم شبكة التجارة الإقليمية، من خلال ربط موانئ الخليج والبحر الأحمر وشرق المتوسط بالمستودعات والمناطق اللوجستية والطرق البرية والسكك الحديدية، لإنشاء ممرات بديلة تسمح باستمرار تدفق السلع عند تعطل أي مسار.
إن مرونة الاقتصاد لا تعني منع الصدمة، بل منعها من التحول إلى أزمة معيشية. وبين هرمز والبحر الأحمر، لن يكون الاقتصاد الأكثر صمودًا هو الأقل كلفة، بل الأكثر تنوعًا واستعدادًا وتكاملًا؛ لأن الطريق البديل الذي يبدو مكلفًا قبل الأزمة يصبح أثمن أصول الدولة عندما يضيق الممر.
الدستور
اسواق جو – ثلاثة مستهدفات ركّزت عليها (11) قرارا لمجلس الوزراء لدعم القطاع السِّياحي في البترا، والتي تم اتخاذها في جلسة الاثنين الماضي وهي:
أولا: الحفاظ على فرص العمل التي يوفِّرها القطاع.
ثانيا: تعزيز استدامة القطاع السياحي في البترا.
ثالثا: تخفيف الأعباء الماليَّة عن المنشآت السياحية في الاقليم.
– وكل هذه المستهدفات ستساهم بالتأكيد بالحفاظ على تنافسيَّة البترا كوجهة مهمَّة على خارطة السياحة الوطنيَّة والدوليَّة.
*في المستهدف الاول، ومن أجل الحفاظ على فرص العمل، تم اتخاذ القرارات التالية:
1 -برنامج لدعم أجور العاملين في القطاع السياحي في إقليم البترا التَّنموي السِّياحي، يستفيد منه ما يُقارب 900 عامل، تتحمَّل من خلاله الحكومة 50% من الأجور الخاضعة للضَّمان الاجتماعي والاشتراكات المترتِّبة عليها حتى نهاية العام الحالي 2026.
2 -برنامج لدعم العاملين في سلاسل الفنادق العالميَّة في البترا، يستفيد منه أكثر من 500 عامل، تتحمَّل الحكومة من خلاله 35% من الأجور الخاضعة للضَّمان الاجتماعي والاشتراكات المترتِّبة عليها، حتى نهاية العام الحالي 2026.
3 -شمول 280 عاملاً موقوفاً عن العمل ضمن برنامج دعم الأجور لمدة ستَّة شهور؛ بما يسهم في إعادتهم إلى وظائفهم واستئناف شمولهم بالضمان الاجتماعي.
*في المستهدف الثاني، وفي سبيل تعزيز استدامة القطاع السياحي، تم اتخاذ القرارات التالية:
1 – تخصيص 10% من قيمة المستحقَّات المتحصِّلة من التعاونيَّات العاملة في إقليم البترا والشَّركات المشغَّلة في الموقع الأثري، لغايات تعزيز حساب إدارة المخاطر في سُلطة إقليم البترا التَّنموي السِّياحي.
2 -إطلاق برامج سياحيَّة جديدة تستهدف زيادة مدَّة إقامة الزوار في البترا، وتوسيع استهداف الأسواق العربيَّة والدوليَّة.
3 -تشكيل لجنة لدراسة آليَّة ترخيص المنشآت الفندقيَّة الجديدة في إقليم البترا التَّنموي السِّياحي، بما يضمن تنظيم التوسُّع في الطَّاقة الفندقيَّة وفق الاحتياجات الفعليَّة.
4 -التوسُّع في برنامج القروض الميسَّرة للأدلَّاء السِّياحيين في جميع أنحاء المملكة، من خلال رفع قيمة الوديعة المخصَّصة للبرنامج، بما يتيح استفادة أكبر عدد ممكن من الأدلَّاء السِّياحيين ويدعم استقرارهم المهني، على أن تتحمَّل الحكومة الفوائد المترتِّبة على هذه القروض.
*وفي المستهدف الثالث، المتعلق بتخفيف الأعباء الماليَّة عن المنشآت السياحية في الاقليم فقد اتخذت القرارات التالية:
1 -تمكين هيئة تنشيط السِّياحة من تأجيل أو تقسيط أو إعفاء الرُّسوم والاشتراكات المستحقَّة على المكاتب السياحيَّة المتضرِّرة في إقليم البترا التَّنموي السِّياحي، دون أيِّ غرامات أو فوائد.
2 -إعادة جدولة مستحقَّات ضريبتَي الدَّخل والمبيعات على المنشآت السياحيَّة في البترا، مع إعفاء بنسبة 100% من الفوائد والغرامات عند التقسيط لمدة سنة، و50 % عند التقسيط لمدة سنتين.
3 -إعادة جدولة مستحقَّات الكهرباء والمياه على المنشآت السياحيَّة في إقليم البترا، مع إعفاء كامل من الفوائد والغرامات، و بما يخفف كُلف التَّشغيل ويعزِّز استدامة المنشآت.
4 -دعم كلفة تأجيل أقساط القروض الممنوحة للمنشآت السياحية في البترا لمدة عام، مع تحمل الحكومة قيمة الفوائد،بكلفة إجمالية (2.27 مليون دينار).
* تحليلنا وقراءتنا لهذه القرارات تتلخص بالنقاط التالية:
1 -ليست هذه القرارات الأولى التي تتخذها هذه الحكومة لدعم القطاع السياحي، لكنّها ربما تكون الأكثر أهمية لإنقاذ إقليم البترا التنموي السياحي الأكثر تأثّرا بالأحداث العالمية والإقليمية خلال السنوات القليلة الماضية، بدءا من تداعيات جائحة كورونا، مرورا بالعدوان على غزة اكتوبر 2023، ثم الحرب الإيرانية الأمريكية منذ شباط 2026، والتي كان من تداعياتها انخفاض حركة الطيران والسفر العالمي، وانعكاس كل ذلك بشكل مباشر على حركة السياحة في الأردن عامة والمدينة الوردية بشكل خاص.
2 -القرارات التي يستفيد منها نحو (1680) عاملا وتُقدَّركلفتها بـ 5 ملايين دينار تتحمَّلها الحكومة، تشمل العديد من القطاعات السياحية في اقليم البترا وتساهم بالتخفيف قدر الإمكان من حدة تداعيات تأثير الأحداث في المنطقة على اقليم البترا، وتخفف من خسائر القطاع السياحي – على الأقل حتى نهاية العام الحالي 2026 -.
3 -من شأن هذه القرارات أن تسهم بالحفاظ على تنافسيَّة البترا كوجهة مهمَّة على خارطة السياحة الوطنيَّة والدوليَّة، خصوصا وأن البترا الأكثر تأثرًا بتراجع أعداد السياح، في ظل اعتمادها الرئيس على السياحة الأجنبية،(85 % من السياح الأجانب زوّار المملكة تكون البترا ضمن برامجهم السياحية).
*باختصار:
أ)-حزمة قرارات مجلس الوزراء التي شملت دعم أجور العاملين، وإعادة جدولة القروض ومستحقَّات الضَّمان الاجتماعي والضرائب والكهرباء والمياه، وتعزيز صندوق إدارة المخاطر، وإطلاق برامج سياحيَّة جديدة، وتنظيم التوسُّع في الطَّاقة الفندقيَّة..وغيرذلك، تمثل خطوة مهمة في الاتجاه الصحيح، لدعم هذا القطاع الذي يشكل رافعة هامة من روافع الاقتصاد الوطني، ومحورا مهما في رؤية التحديث الاقتصادي 2033.
ب)-تطلعات أبناء البترا، أن يتم شمول قطاعات أخرى متضررة، بحزمة إضافية من الإجراءات الهادفة إلى تنشيط الحركة السياحية، تشمل المطاعم والبازارات والنقل السياحي وقطاعات تجارية أخرى في الإقليم.
لا يمكن النظر إلى الزيارات الملكية الخارجية باعتبارها مجرد نشاط دبلوماسي أو بروتوكولي، بل هي أدوات اقتصادية إستراتيجية تفتح أمام الأردن أسواقًا جديدة، وتؤسس لشراكات استثمارية، وتعزز الثقة الدولية بالاقتصاد الوطني. وعندما يقود جلالة الملك بنفسه هذه الجهود، فإنه يمنح القطاع الخاص فرصة استثنائية للدخول إلى أسواق يصعب اختراقها بالوسائل التقليدية.
لقد أثبتت التجربة أن رأس المال يبحث أولًا عن الاستقرار والثقة، وهما عنصران يمتلكهما الأردن بفضل المكانة الدولية التي يحظى بها جلالة الملك والعلاقات المتينة التي بناها مع مختلف دول العالم. ومن هنا، فإن نجاح أيّ زيارة ملكية يجب ألا يقاس بعدد الاتفاقيات الموقعة أو البيانات الصادرة، بل بحجم الاستثمارات التي تُستقطب، والصادرات التي ترتفع، والشركات الأردنية التي تنجح في دخول أسواق جديدة.
اليوم، يقف القطاع الخاص أمام مسؤولية كبيرة. فالفرص التي تُفتح على أعلى المستويات السياسية تحتاج إلى سرعة في التحرك، واستعداد مؤسسي، ورؤية تصديرية واضحة، وقدرة على بناء شراكات طويلة الأمد. ولم يعد مقبولًا أن تبقى هذه الفرص حبيسة الاجتماعات أو الصور التذكارية، بل يجب أن تتحول إلى مشاريع إنتاجية، وعقود تجارية، وفرص عمل للأردنيين.
كما أن نجاح الدبلوماسية الاقتصادية يتطلب تكاملًا حقيقيًا بين الحكومة والقطاع الخاص، بحيث يتم تحديد القطاعات ذات الأولوية، وإعداد ملفات استثمارية احترافية، واختيار الوفود الاقتصادية وفق معايير الكفاءة والتمثيل الحقيقي للقطاعات المستهدفة، وليس وفق اعتبارات أخرى لا تخدم المصلحة الوطنية.
ومن المؤسف أن تتكرر الملاحظات ذاتها فيما يتعلق بتنسيق مشاركة القطاع الخاص، وخصوصًا القطاع الصناعي، في الزيارات الملكية المهمة. فقد سبقتها زيارة جلالة الملك إلى فيتنام، واليوم يتكرر المشهد مرة أخرى، حيث إن العديد من أعضاء مجالس إدارة غرف الصناعة لم يكونوا على علم مسبق بتفاصيل الزيارة أو آليات المشاركة فيها، رغم مسؤولياتهم التمثيلية للقطاع الصناعي.
والأهم من ذلك، أن اختيار الصناعيين المشاركين في الملتقيات الاقتصادية لم يستند، في نظر الكثيرين، إلى معايير واضحة من الشفافية والتعميم وإتاحة الفرصة لجميع القطاعات الصناعية. وهذا يحرم قطاعات صناعية واعدة تمتلك منتجات تنافسية وفرصًا حقيقية في هذه الأسواق من المشاركة والاستفادة، ويضعف الأثر الاقتصادي المتوقع من هذه الزيارات.
فحين يبذل جلالة الملك هذا الجهد الكبير في فتح الأسواق واستقطاب الفرص، يصبح من واجب جميع المؤسسات المعنية أن ترتقي إلى مستوى هذا الجهد، وأن تضمن تمثيلًا عادلًا وشفافًا وفاعلًا للقطاع الخاص، بما يحقق المصلحة الوطنية ويعظم العائد الاقتصادي للأردن.
لقد فتح جلالة الملك الأبواب، وبقي على القطاع الخاص ومؤسساته أن يحسنوا تنظيم الدخول إليها، وأن يحولوا هذه الفرص إلى استثمارات منتجة وصادرات متنامية، لأن النجاح الحقيقي لا يبدأ عند افتتاح الأبواب، بل عند القدرة على العبور منها بكفاءة واقتدار.(الغد)
يُقصد بالمشاريع الكبرى، والتي يُشار إليها في بعض الأدبيات بالمشاريع الضخمة، تلك المبادرات التي لا تُقاس أهميتها بحجمها أو كلفتها أو تعقيدها الفني فحسب، وإنما أيضاً بما تُحدثه من آثار اقتصادية واجتماعية وبيئية ممتدة على المدى الطويل. وغالباً ما تتطلب هذه المشاريع موارد مالية كبيرة من القطاعين العام والخاص، وتنسيقاً مؤسسياً عابراً للقطاعات، وأطر حوكمة وإدارة محكمة تمتد عبر مدد زمنية طويلة.
ونظراً لما تنطوي عليه هذه المشاريع من أهمية استراتيجية، فإنها تحظى باهتمام الحكومات والمستثمرين والاعلام وشركاء التنمية على حد سواء، لا سيما وأن آثارها تتجاوز في العادة حدود القطاع الذي تنشأ فيه لتطال منظومات أوسع من التنمية والاستقرار. وفي السياق الأردني، باتت هذه المشاريع تشكل مكوناً أساسياً في أجندة التنمية الوطنية وبالأخص رؤية التحديث الاقتصادي، بالنظر إلى ما يمكن أن تقوم به من دور في تعزيز النمو الاقتصادي، وترسيخ الربط الإقليمي، ودعم الاستدامة على المدى البعيد.
وقد أثبت الأردن، على الرغم من القيود المالية والهيكلية التي يواجهها، قدرة ملموسة على تطوير ودعم مشاريع كبرى ذات أثر وطني، ومنها مشروع ناقل المياه من الديسي الى عمان، ومنطقة العقبة الاقتصادية الخاصة، وشركة البوتاس العربية، وشركة مناجم الفوسفات الأردنية، والاستثمارات الكبرى في قطاع توليد الكهرباء، والتي اسهمت إسهاماً مباشراً وفاعلاً في خدمة أولويات التنمية الوطنية لإنها ارتبطت باحتياجات استراتيجية محددة المعالم والاهداف.
كما تعكس المشاريع قيد التنفيذ ومن بينها مشروع الناقل الوطني للمياه، ومدينة عمره الجديدة، ومشروع السكك الحديدية الاردني، التنامي المطّرد في أهمية التخطيط طويل الأمد للبنية التحتية في بلد يواجه ضغوطاً متزايدة على منظومات المياه والطاقة والتطور الحضري، بسبب النمو السكاني المتزايد والتحولات الإقليمية المتسارعة.
عندما تُصمَّم المشاريع الكبرى وتُنفَّذ وفق أسس مهنية عالية، فإن أثرها يتجاوز مجرد إنشاء البنية التحتية، ليمتد إلى إحداث تحولات هيكلية في الأداء الاقتصادي والخدمي والبيئي. وتسهم في تحسين الخدمات العامة، وتوسيع القدرة الإنتاجية ودعم النمو الاقتصادي، وجذب الاستثمارات وتعزيز الثقة الاقتصادية، وتقوية سلاسل التوريد وتعميق الربط الإقليمي، بالإضافة الى رفع مستوى المرونة في القطاعات الحيوية مثل المياه والطاقة والنقل والتنمية الحضرية.
اردنياً، تكتسب هذه المنافع أهمية مضاعفة بالنظر إلى التأثير المباشر للقطاعات سابقة الذكر في الاستقرار الاقتصادي وجودة ومستوى الحياة للمواطنين. فعلى سبيل المثال، مشروع الناقل الوطني لتحلية المياه ونقلها من العقبة الى عمان لا يمثل مجرد مشروع تقني، بل جزءاً من استراتيجية وطنية أشمل ترمي إلى تعزيز أمن المياه وسيادته، والتكيف مع تغير المناخ، ورفع مستوى مرونة التزويد في محافظات المملكة المختلفة. البيئة الإقليمية الراهنة تهيئ للأردن فرصة عملية لإعادة النظر بطموح أكبر في كل من المشاريع الوطنية والمشاريع العابرة للحدود. فالتغيرات الجارية في أنماط التجارة الإقليمية، والاستثمارات في البنية التحتية، والتحول في قطاع الطاقة والنقل، وتحديات أمن المياه، جميعها تولِّد طلباً متنامياً على منظومات أكثر ترابطاً وتكاملاً في منطقة الشرق الأوسط، وبالأخص الاستثمارات والمشاريع البينية العربية. لاسيما، وان الأردن يتمتع بمقومات جغرافية ومؤسسية تؤهله للاستفادة من هذه التحولات.
وفي المقابل، تنطوي المشاريع الكبرى على جملة من المخاطر الحقيقية، اذ، تشير الخبرات والممارسات الدولية الى أن تجاوز الكلف، والتأخر في التنفيذ، وضعف التنسيق المؤسسي، والافتراضات غير الواقعية، والضغوط البيئية، تمثل تحديات متكررة في هذا النوع من المشاريع. وعليه، فإن نجاحها لا يرتبط بالطموح السياسي وحده، بل يعتمد في المقام الأول على جودة الإعداد والتخطيط والمتابعة، ورصانة الحوكمة، وتقييم المخاطر، والانضباط المؤسسي.
وتتمثل إحدى الخطوات ذات الأولوية في الأردن في إنشاء أو تعزيز منصة مؤسسية وطنية ذات بعد اقليمي مكرسة لتحديد المشاريع الاستراتيجية الكبرى وإعدادها وتنسيقها. ويمكن أن تتخذ هذه المنصة شكل وحدة متخصصة أو صندوق أو فريق عمل وطني يتولى ترجمة الأولويات الوطنية إلى مبادرات قابلة للتنفيذ وفق منهجية مؤسسية واضح، تضمن القدرة على الانتقال من اغتنام الفرص المتاحة إلى بناء محفظة ذات بعد مؤسسي أكثر عمقا وتخطيطا وعددا من المشاريع الجاهزة والقابلة للتطوير. ويقتضي ذلك توافر القدرة على بلورة الأفكار، وإجراء اختبارات الجدوى، والتنسيق مع الجهات المانحة وأصحاب المصلحة، وإعداد مقترحات موثوقة في قطاعات حيوية مثل المياه والكهرباء والنقل واللوجستيات والتنمية الحضرية.
ولا ينبغي أن يقتصر دور هذه الآلية على الصياغة الفنية للمشروعات، بل يتعين أن يشمل أيضاً تحليل السيناريوهات، وتصميم الشراكات، وتقييم خيارات التمويل، والتنسيق بين الوزارات والمستثمرين وشركاء التنمية الاقليميين. ومن شأن تفعيل مثل هذه الآلية أن يساعد الأردن على الانتقال إلى نموذج أكثر استراتيجية وانضباطاً، تُختار فيه الاستثمارات الكبرى وتُدار بما ينسجم مع الأهداف الوطنية طويلة الأجل.
وإذا ما اقترن هذا التوجه بوضوح استراتيجي وانضباط مؤسسي راسخ، فإن مثل هذه المشاريع يمكن أن تغدو ركيزة محورية في أجندة التنمية طويلة الأمد، بما يعزز المنعة و الصمود الاقتصادي والاستدامة والمكانة الإقليمية ورؤية التحديث الاقتصادي على حد سواء.
واجه قطاع السياحة الأردني مرحلة دقيقة نتيجة استمرار التوترات الإقليمية وما يرافقها من اضطراب في حركة الطيران، وتراجع الحجوزات، وارتفاع مستوى الحذر لدى المسافرين، ولا سيما القادمين من الأسواق الأوروبية والأميركية.
ورغم أن الأردن حافظ على استقراره وقدرته على استقبال الزوار، فإن الصورة العامة للمنطقة كثيراً ما تطغى على الواقع المحلي، وتدفع بعض السياح إلى إلغاء رحلاتهم أو تأجيلها.
وتشير البيانات المنشورة الى تراجع الدخل السياحي خلال النصف الأول من عام 2026 بنسبة 5.3% ليبلغ نحو 3.5 مليار دولار، مقارنة بحوالي 3.7 مليار دولار خلال النصف الأول من العام الماضي.
ويعزى ذلك بشكل رئيسي لانخفاض إنفاق الزوار من الولايات المتحدة وأوروبا وبعض الأسواق الأخرى، وفي المقابل، ارتفعت الإيرادات من السياح العرب بنسبة 6.5%، وسجل شهر حزيران نمواً بنسبة 7% مقارنة بنفس الشهر من العام السابق، مما يؤكد أن فرص التعافي ما تزال قائمة، وأن المشكلة لا تكمن في ضعف المنتج السياحي الأردني، بل في الحاجة إلى تنويع الأسواق وتعزيز القدرة على الاستجابة للصدمات.
ومن هنا، لم يعد كافياً التعامل مع كل أزمة بإجراءات مؤقتة أو حملات ترويجية محدودة، بل ينبغي إنشاء منظومة وطنية دائمة لإدارة الأزمات السياحية، تربط وزارة السياحة وهيئة تنشيط السياحة وشركات الطيران والفنادق ومكاتب السياحة والجهات المعنية الأخرى، وبحيث تعتمد هذه المنظومة على بيانات محدثة حول الحجوزات والإلغاءات وحركة الزوار، وأن توفر تواصلاً سريعاً ومهنياً مع منظمي الرحلات ووسائل الإعلام الدولية، بما يوضح استقرار الأردن ويميز بين أوضاعه الداخلية وما يجري في دول الجوار.
ونحتاج اليوم الى بناء قطاع سياحي أكثر مرونة عبر البحث عن أسواق جديدة والتوسع في الأسواق الآسيوية والإفريقية وأميركا اللاتينية، وزيادة الاهتمام بالسياحة العربية، وخصوصاً القادمة براً من دول الخليج، وكذلك تطوير السياحة العلاجية والدينية والبيئية وسياحة المغامرات والمؤتمرات، وتوزيع النشاط السياحي على مدار العام بين مختلف المحافظات، بدلاً من تركّزه في مواقع ومواسم محددة.
وتمثل السياحة الداخلية خط دفاع مهم، خاصة اذا توفرت برامج ميسرة وأسعار تناسب دخول الأسر، وتحسن النقل والربط بين المحافظات والمواقع السياحية، مع الاهتمام بتلبية حاجة قطاع السياحة إلى تمويل ميسر، وإمكانية تأجيل بعض الالتزامات خلال فترات التراجع، وبرامج تحافظ على العاملين المؤهلين وتمنع خروجهم من السوق.
إن استعادة ثقة السائح لا تقوم على الرسائل الإعلامية وحدها، بل على جودة الخدمات، وضبط الأسعار، وسهولة النقل، وسرعة الاستجابة، فالسياحة الأردنية لا تحتاج فقط إلى التعافي، بل إلى منظومة أكثر قدرة على توقع الصدمات وتقليل خسائرها وتسريع تجاوزها وبما يساهم في حماية المنشآت والوظائف، وضمان بقاء السياحة رافعة مستدامة للنمو.
الراي
اسواق جو – في الوقت الذي تترقب فيه الاسر الاردنية قرارات لجنة التسعير الشهرية؛ تظل الاسئلة الاكثر الحاحا كيف ستكون اسعار البنزين الشهر المقبل؟ وهل تستطيع الحكومة تخفيف العبء عن المواطنين في ظل ازمة طاقة عالمية تفرضها ظروف استثنائية؟ والى اين تتجه الاسعار في الاشهر القادمة؟.
يشهد العالم الان ازمة طاقة حقيقية فرضتها ظروف استثنائية مرتبطة بالاوضاع الجيوسياسية في مضيق هرمز. ورغم ان لا علاقة للاردن بهذه الازمة الا انه يعد من اكثر الدول تاثرا بتداعياتها لكونه مستوردا رئيسيا للطاقة النفطية، حيث التطورات في مناطق الانتاج الرئيسية في الخليج العربي التي تضم نحو 20 % من انتاج النفط العالمي.
الاوضاع الاستثنائية تلك، رفعت علاوة المخاطر، وكلف التامين والشحن والنقل الى مستويات قياسية انعكست مباشرة على اسعار النفط الخام، ثم على اسعار المشتقات النفطية، حيث ارتفع سعر برميل الخام من نحو 71 دولارا قبل 28/ 2/ 2026 بداية الحرب الاميركية الايرانية الاسرائيلية الى ما يزيد على 100 دولار خلال فترات التصعيد قبل ان تعاود الارتفاع مجددا بعد انخفاضها على وقع الهجمات الاميركية الايرانية المتبادلة، واعادة اغلاق مضيق هرمز، قبل ان تتراجع ثانية في الايام الاخيرة بعد وقف الهجمات الاميركية وان ظل المضيق مغلقا.
اذ وسط امال متجددة بالتوصل الى تسوية بين الولايات المتحدة وايران واصلت اسعار النفط تراجعها حيث انخفضت العقود الاجلة لخام برنت الى اقل من 86 دولارا، كما تراجع خام غرب تكساس الوسيط الاميركي الى 80.7 دولار : بعد ان انخفض كلا السعرين بنحو 8 % في جلسة سابقة بعد ان علقت الولايات المتحدة فجأة حملة الضربات الجوية على ايران مطلع الاسبوع.a
هنا، يبرز العامل الاميركي اليوم بوصفه احد اهم اسباب تقلب اسعار النفط والمشتقات النفطية، فالضربات الاميركية على ايران اصبحت وفق نهج الرئيس ترامب ذات طبيعة نمطية وكانها تستهدف ايران عسكريا وتتلاعب مع التضخم الاميركي نقديا.
فقد ساهم الاتفاق الاطاري الاميركي الايراني سابقا في انخفاض اسعار البنزين داخل السوق الاميركية، مما اسهم في تراجع التضخم من 4.2 % في ايار 2026 الى 3.5% في حزيران ،2026 ودفع الاحتياطي الفدرالي ورئيسه الجديد الى تثبيت اسعار الفائدة بدلا من رفعها.
ويبدو ان الرئيس ترامب يعيد استخدام النهج ذاته عبر تصعيد عسكري خلال فترات قصيرة يعقبها توقف مفاجئ يؤدي الى انخفاض اسعار النفط، وعودة اسعار الوقود في الولايات المتحدة الى مستوياتها الطبيعية بما يساعد على ضبط التضخم، واستقرار اسعار الفائدة، ما يعني ان الضربات على ايران ذات بعد اقتصادي نفطي يستهدف رفع الاسعار عالميا ومن ثم تهدئة تخفض الاسعار داخليا، دون اهتمام باثر ارتفاع اسعار النفط على الدول المستوردة للطاقة ومن بينها الاردن.
وعليه، ورغم التراجع الاخير في اسعار النفط ، فذلك لا يعني بالضرورة انخفاضا مباشرا في اسعار المشتقات النفطية محليا، لان لجنة تسعير المشتقات النفطية تعتمد على متوسط الاسعار العالمية طوال الشهر، ويتم احتساب ذلك بالاستناد بشكل رئيسي الى نشرة بلاتس العالمية لاسعار المشتقات في الاسواق المرجعية اضافة الى سعر خام برنت كمؤشر اساسي، اضافة للاخذ بالاعتبار كلف المصفاة والشركات المستوردة التي تمتلك مخزونات تم شراؤها باسعار مرتفعة، مما يجعل التكلفة الفعلية لا تنخفض مباشرة مع تراجع الاسعار العالمية.
الاهم ، الكلف الثابتة نسبيا مثل النقل والتخزين والتامين والضرائب والعمولات التي تمنع الانعكاس الفوري لاي انخفاض عالمي على المستهلك النهائي، فهي تمثل سعرا ثانيا قد يفوق في بعض الاحيان قيمة سعر لتر المشتقات النفطية نفسها.
اذن، حتى لو انخفض السعر العالمي للمشتقات الى الصفر، فلن تنخفض اسعار البيع المحلية بسبب تلك الكلف المجمعة كرقم مقطوع لكل نوع من المشتقات النفطية ليظل سعر لتر او كتان 95 نحو 57 قرشا، و90 نحو 37 قرشا، وسعر لتر السولار 16 قرشا، ولتر الكاز 16 قرشا، وهو ما يؤكد وجود حد ادنى لا يمكن تجاوزه لاسعار المشتقات النفطية في الاردن.
لذلك وبناء على التطورات في اسعار النفط والمشتقات النفطية، ومتوسط اسعار الشهر الجاري، فان التوقعات تذهب لاحتمال ارتفاع اسعار اوكتان 90 واوكتان 95 بنسبة تتراوح بين 3.5 و3 %، وارتفاع سعر السولار بنحو 5 %، حيث الخيارات امام الحكومة للتعامل مع الزيادة المتوقعة تتراوح بين توزيعها على اكثر من شهر من خلال تجزئتها على شهرين متتاليين، او تاجيل تطبيقها لهذا الشهر، او تحمل الحكومة جزءا منها بالتساوي مع المستهلكين، وهو خيار مستبعد في ظل المعطيات المالية الحالية والتجارب السابقة.
الدستور
