في زمنٍ أصبح فيه “الكلام أسرع من الرصاص”، و”اللي بتنشره الصبح بتشوف نتيجته قبل ما يجيك الليل”، صار من الضروري أن نعيد حساباتنا أمام هذا السلاح غير المرئي: خطاب الكراهية.
ليس مجرد حروف تُسكب على لوحة المفاتيح، بل شرارة تُشعل الفُرقة وتُذكي الخصام. الأمثلة تتحدث عن نفسها، من رواندا إلى نيوزيلندا، ومن مدننا العربية إلى أحياء تُفتت بالتفرقة كلما “فلان قال وفلان رد”؛ لأننا نُفسح للعدوى مكانًا كلما صمتنا.
يا جماعة الخير، خلونا نحكيها بصراحة: ما عدنا نحتمل مزيدًا من الانقسام والتشكيك. السوشال ميديا صارت “ديوان العصر” وإذا ما ضبطنا لسان هذا الديوان، فسنغرق في فوضى لا تُبقي ولا تذر.
في هذا اليوم العالمي، نوجه رسالة من القلب: خلي الكلمة الطيبة تسبق، و”خلي حديثك يعمّر لا يهدّ”. أنت مؤثّر حتى لو ما عندك متابعين بالملايين، لأن كل كلمة تطلع منك هي بذرة… يا تزهر حب، يا تنبت كراهية.
نحتاج قوانين، نعم. ونحتاج توعية، أكثر. لكن الأهم؟ أن نراجع أنفسنا، ونعلّم أولادنا أن الاختلاف مش تهديد، وأن الحوار مش ضعف، وأن الإنسانية هي الأصل، والباقي تفاصيل.
بسيطة جدًا: لا تكن وقودًا لنارٍ لا تُبقي ولا تذر، بل كن الماء الذي يطفئها.
في اليوم العالمي لمكافحة خطاب الكراهية…

د.عبدالله سرور الزعبي
إن قطاع المياه، والذي سبق وإن كتبت عنه اكثر من مقال، كان آخرها بعنوان «وضع مائي سيئ وصيف مقبل صعب» والمنشور بتاريخ 4/1/2025، وهو القطاع، الذي تعتبر ازمته من أخطر الأزمات الهيكلية في الدولة، ومع ذلك تختلف تصريحات المسؤولين حول نسبة العجز والفاقد المائي والمشاريع المنفذة للخروج من الازمة وعدم الاعلان عن الفاشل منها (سد الكرامة وسد وادي ابن حماد، بتكلفة مالية لهما حوالي 110 ملايين دينار)، وحجم الانفاق على القطاع والعجز في الميزانية التشغيلية، وكلفة انتاج المتر المكعب، والمشاريع الاستراتيجية كمشروع الناقل الوطني والمبالغ التي تم تأمينها لهذا المشروع الاستراتيجي (وهو الامر الذي دفعني للكتابة مرة أخرى، بعد التصريح الصادر بتاريخ 14/5/2025)، وحقوق الأردن في المياه المشتركة ونسبة التحصيل منها، وحصة الفرد الأردني من المياه.
فعلى سبيل المثال، تشير معطيات وزارة المياه الى ان كميات المياه المتاحة لكافة القطاعات هي حوالي 1093 مليون متر مكعب لكافة القطاعات (الشرب والمنزلية والزراعة والسياحة والصناعة وغيرها)، وعليه فإن حصة الفرد الأردني من اجمالي كميات المياه تكون 92.4 متر مكعب (عدد سكان الأردن، حسب صفحة دائرة الإحصاءات العامة تاريخ 29/5/2025 هو 11,824,319 نسمة). إلا أن كمية المياه المخصصة للأغراض المنزلية والتي تقدر بـ519 مليون متر مكعب (حسب وزارة المياه) فتكون 43.89 متر مكعب في السنة، بينما كانت التصريحات الرسمية، تقول بانها حوالي 90 مترا مكعبا في عام 2023، وكنت قد اشرت عندها وتحديداً بتاريخ 2023/8/22 الى ان حصة الفرد الأردني من مياه الشرب قد انخفضت إلى 61 مترا مكعبا في السنة، وتعرضت للنقد الى ان جاء تصريح معالي وزير المياه بتاريخ 22/8/2024 بان الأردن الافقر مائياً وان حصة الفرد هي بواقع 61 متر مكعب سنوياً، والقادم لن يكون أفضل، في ضل الموسم المطري الأخير.
اما الفاقد المائي، فان التصريحات المتعلقة به متضاربة ايضاً، فعلى سبيل المثال، في تصريح لمسؤول في وزارة المياه، يُقدّر الفاقد بنسبة 45 %، ثم يخرج تصريح لمسؤول آخر يقول إن النسبة لا تتجاوز 30 %، وبنفس الوقت تشير الخطة الاستراتيجية لوزارة المياه للأعوام 2008-2020 والتي كان احد اهدافها خفض الفاقد المائي من 42 % الى 28 %، وعلى الرغم من الإعلان بتاريخ 27/6/2010 بان سلطة المياه نفذت مشاريع بقيمة 350 مليون دينار منها 250 مليون لاستبدال شبكات المياه، وهي الخطة التي تم استبدالها بخطة استراتيجية اخرى للأعوام 2016-2025 والتي تهدف الى خفض الفاقد المائي الى 25 %. وعلى الرغم من المشاريع المنفذة وإنفاق ملايين الدنانير، إلا أن نسبة الفاقد المائي وصلت الى 53 % في عام 2021 (صفحة 14 من تقرير قطاع المياه حقائق وارقام)، يتبعه الإعلان بتاريخ 18/12/2022 بانه تم خفض نسبة الفاقد المائي الى 35 %، والاعلان عن مشاريع بقيمة 350 مليون دولار لخفض الفاقد المائي في جميع محافظات المملكة. ثم جاء الاعلان بتاريخ 7/6/2023 عن حزمة مشاريع بقيمة 474 مليون دينار، لخفض الفاقد المائي ومشاريع متعلقة بالصرف الصحي.
بعد كل ذلك تم الإعلان عن استراتيجية وطنية جديدة للمياه للأعوام 2023-2040، والتي أحد اهدافها خفض الفاقد المائي الى 25 %، وبواقع 2 % سنوياً، ليخرج الينا تصريح يشير الى انه تم تخفيض الفاقد المائي بنسبة 6 % لتصبح 46 %حسب المنشور بتاريخ 17/8/2024، متناسياً بانه سبق وان أعلنت وزارة المياه بانها خفضت الفاقد المائي الى نسبة 35 % وذلك بتاريخ 18/12/2022.
وهنا اليس من حقنا التساؤل عن أسباب هذا التناقض بالتصريحات المتعلقة بالفاقد المائي؟
اما فيما يتعلق بالناقل الوطني للمياه، والتي سبق ان تم الإعلان بانه سيتم تنفيذه بتكلفة ماليه تقدر 2.5 مليار دولار، وان المياه ستصل من خلاله لمختلف مناطق المملكة في عام 2027 (حسب ما هو منشور، بترا 14/12/2021)، ثم يأتي تصريح من معالي وزير التخطيط السابق تاريخ 31/3/2022 بالإعلان عن تأمين 1830 مليون دولار للمشروع، كما ويعلن بتاريخ 29/3/2023 بانه تم تامين 2400 مليون دولار، واعلان وزارة المياه بتاريخ 1/10/2023 عن تأمين 2700 مليون دولار للمشروع (كافة المبالغ المعلن عنها هي منح وقروض تنموية واستثمارية) الا ان المفاجأة كانت الإعلان الأخير الصادر عن وزارة المياه وبتاريخ 14/5/2025 وعلى قناة المملكة عن تأمين أكثر من مليار دولار لإنجاح مشروع الناقل الوطني؟ (وماذا عن التصريحات السابقة)، ومثل هذه التصريحات تربك المتابعين والمواطن الأردني، لا بل صاحب القرار وبشكل كبير.
أما عندما نتحدث عن التكلفة المالية للمشروع نجد أن هناك تضاربا ايضاً في التصريحات المنشورة في الصحافة والمواقع الإخبارية، حيث أشارت بعضها إلى أن التكلفة هي حوالي 2 مليار، وتصريح آخر أشار إلى أن التكلفة 2.5 مليار، وأخرى 2.7 مليار، وغيرها اشارت الى 3 مليارات، وأخيراً تصريح لمعالي الوزير بأن التكلفة تقدر بأكثر من 3.5 مليار دينار، وهناك حديث بأن التكلفة ارتفعت لأرقام أكبر من هذا الرقم.
إننا هنا لن نتحدث عن ارقام مديونية سلطة المياه وشركات التوزيع، حيث الأرقام متفاوتة وبشكل كبير، فسبق وأن أعلن عن رقم 1.5 مليار دينار، إلا ان تقارير مستقلة تشير الى ضعف هذا الرقم. كما ولن نتحدث عن تقديرات المخزون المائي، حيث سبق وأن صرّح وزير المياه بأن الأردن بحاجة إلى 11 مليار متر مكعب من المياه سنويًا لتحقيق الاكتفاء الذاتي (وهو التصريح الذي اتفق معه من حيث المعايير الدولية الطبيعية لحصة الفرد من المياه سنوياً، ولكي نكون على حد الفقر المائي العالمي، فإن الأردن يحتاج الى ما يقارب 6 مليارات متر مكعب)، وإن هناك عجزا مائيا كبيرا في الأردن (وهو الفرق بين المتاح حالياً والمقدر بحوالي 1.1 مليار متر مكعب وبين الاحتياجات للوصول الى حد الفقر المائي)، بينما أشار وزير سابق إلى وجود كميات من المياه الجوفية تكفي الأردن لعدة قرون؟، مما يبرز تبايناً في تقييم الموارد المائية، الامر الذي يربك المجتمع، ويعزز من انتشار الإشاعات التي تطول هذا القطاع.
إن مثل هذا التضارب بالتصريحات يفقد المجتمع الثقة في الأرقام الرسمية، ويربك خطط السياسات المائية طويلة الأمد، ومسؤولي القطاع في المستقبل، وثقة المؤسسات الدولية ويقلل من الفرص الاستثمارية.
في الجزء الثالث سنتحدث عن التصريحات المتعلقة بإنتاج الغاز من حقل الريشة.
* مركز عبر المتوسط للدراسات الاستراتيجية

د.نهلا عبدالقادر المومني
في عالم أمست الحقوق فيه رقمية والحريات تمارس أيضا في فضاء افتراضي واسع وعابر للحدود والقارات، وفي واقع متسارع، يفرض على واضعي التشريع وصانعي السياسات عوامل ومحددات مستحدثه، وسط هذا كله ما نزال عالقين في فجوة رقمية تشكل تحديا أمام عدالة رقمية شاملة، تتيح الفرص ذاتها للأفراد جميعا على قدم المساواة، وتمنح الفئات كافة بما فيها تلك المستضعفة او المهمشة ادوات تساندهم في ايصال اصواتهم لإحداث تغيير في واقعهم.
فجوة رقمية تشكل أحد تحديات عملية التحول الالكتروني في المجالات كافة، وتشكل عائقا ايضا امام عملية الشمول الرقمي التي باتت مطلبا اساسيا في عصر التكنولوجيا الناشئة والذكاء الاصطناعي.
ان فجوة رقمية قائمة او آخذة في الاتساع، هي بالضرورة أحد معيقات عملية التنمية المستدامة، هذه العملية المستمرة ذات الاهداف السبعة عشر والتي تشكل الرقمنة فيها ضرورة لازمة لتسريع وتيرتها وضمان شمولها للفئات كافة خاصة للمهمشة منها تحقيقا لغاياتها حتى لا يبقى أحد بالخلف.
واليوم وبقدر ما تشكل التكنولوجيا المستحدثة والذكاء الاصطناعي فرصة مهمة وأداة لمزيد من تعزيز حقوق الإنسان وحمايتها والتمتع بها، واعتبارها أداة من أدوات السعي نحو تحقيق المساواة، وهو الامر الذي اكدته خريطة الطريق من أجل التعاون الرقمي، ودللت على ذلك عندما اشارت الى أن جائحة كورونا كانت شاهدا على اسهام التكنولوجيا الرقمية في مواجهة هذا التهديد واستمرار التواصل بين الافراد، مبينة كيف أن التكنولوجيا المتقدمة قامت بتحليل آلاف المركبات من الأدوية لتحديد ما يمكن ترشيحه منها لصناعة العلاجات واللقاحات، وكذلك مكنت من مواصلة التعليم والأنشطة الاقتصادية وغيرها. بالرغم من ذلك، وعلى الجانب الآخر فإنها تشكل اداة لمزيد من التهميش والاقصاء خاصة في ظل التفاوت البيّن في قدرة الافراد على امتلاك هذه التكنولوجيا تبعا للظروف الاقتصادية وانتشار الفقر والامية الرقمية.
يضاف الى ذلك كله التحكم في مدخلات هذه التكنولوجيا الناشئة وخاصة الذكاء الاصطناعي، فأصبحنا امام خوارزميات غير عادلة في كثير من الاحيان، مما يعني على المدى البعيد مزيدا من اتساع الهوة في العدالة الاجتماعية بالنظر الى اتساع الهوة في غياب العدالة الرقمية.
في عصر الذكاء الاصطناعي تبدو عملية ردم الفجوة الرقمية أولوية لتحقيق الشمول الرقمي والسعي نحو عدالة رقمية واجتماعية وعدالة بالنتيجة تطال مناحي الحياة كافة، وأي حديث عن تنمية مستدامة في ظل فجوة رقمية متزايدة يشكل غيابا لحلقة مفصلية في خريطة طريق الوصول الى مجتمع تنموي مستدام قادر على احتواء الفئات كافة واستثمار قدراتها في مناخ من العدالة والمساواة.

مالك عثامنة
في كل عام، تطل ذكرى الاستقلال، فتفتح أمامنا بابًا للتأمل لا يقل أهمية عن أبواب الاحتفال.
هي ليست فقط محطة زمنية في الذاكرة الوطنية، بل فرصة لإعادة طرح السؤال الجوهري: ما الذي يعنيه أن تكون دولة مستقلة في القرن الحادي والعشرين؟
الاستقلال، بمفهومه العميق، لا يقتصر على مغادرة المستعمر ، بل يبدأ حين نتحرر من استعمار أخطر: الجهل والتبعية الفكرية والانغلاق الثقافي، ولأن بناء الدولة الحديثة لا يتحقق إلا ببناء الإنسان، فإن بوابته الكبرى تبدأ من التعليم، وتُستكمل بالثقافة.
التعليم هو القاطرة التي تجرّ خلفها كل عناصر التقدم، لا يمكن لأي أمة أن تستقل فعلا، إن لم تحرر عقل أبنائها من جمود التلقين إلى فضاء الإبداع، فالمدارس يجب أن تكون منصات لتوليد الأسئلة، لا قاعات لحفظ الإجابات الجاهزة، كما الجامعات التي يجب أن تعود إلى دورها الطبيعي كحاضنات للبحث والمعرفة، لا مجرد ممرات إلى الشهادات وسوق العمل.
المعلم، الذي لطالما كان عماد المجتمعات المتقدمة، لا بد أن يُستعاد كرمز وطني، يُمكّن لا يُرهق، ويُكافأ لا يُهمّش، فبدونه لا يمكن بناء جيل مستقل التفكير، مسؤول، وواعٍ لقضاياه، سواء كانت محلية أو إنسانية.
ولا بد أن يرتبط الإصلاح التعليمي برؤية وطنية تدمج بين مهارات العصر وقيم المجتمع، فالتعليم الذي لا ينتج وعيًا بالعدالة والحرية والانتماء، ليس إلا قشرة من التقدم تغيب عنها الروح، ويجب ألّا يكون التعليم متاحًا فقط، بل أن يكون عادلًا في جودته، وموصلًا لفرص متكافئة لجميع فئات المجتمع.
أما الثقافة، فهي ليست ترفًا ولا نشاطًا موسميًا يُستدعى في المناسبات، بل هي العمق الذي يمنح للاستقلال جذوره في الوعي، وحين تكون الثقافة قائمة على النقد والتعدد والانفتاح، فهي تسهم في ترسيخ دولة العقل لا دولة الشعار، والثقافة الجادة هي التي تطرح الأسئلة، تكسر القوالب، وتُخرج المجتمع من وهم الاكتفاء إلى فضاء التجدد.
ولعل أخطر ما يهدد الثقافة الوطنية هو اختزالها في المهرجانات والاحتفاليات الشكلية، دون مشروع فكري متماسك، ومن هنا فلا بد أن تُعاد صياغة العلاقة بين الثقافة والمواطنة، لتكون الثقافة أداة تفعيل للمجتمع، لا تزيين له، فالثقافة الحيّة لا تتشكل من فوق، بل تحتاج إلى تمكين الفاعلين الثقافيين، وحمايتهم من الإقصاء أو الاحتواء، وإطلاقهم في فضاءات الإبداع بلا حدود.
وفي ظل عالم سريع التحول، لم تعد أدوات الأمس تصلح لتحديات اليوم، فالرقابة على الفكر، وتدجين الثقافة، وتوجيه التعليم بوسائل تقليدية، لم تعد تؤتي ثمارها. فالمجتمع اليوم أكثر وعيًا، وأكثر اتصالا بالعالم، وأكثر تطلعا للكرامة المعرفية.
ولأن الاستقلال ليس مجرد ذكرى، بل مسؤولية، فإن تحويل هذه المناسبة إلى نقطة انطلاق سنوية لمشروع وطني هو ما يليق بها. وليكن عنوان هذا العام “الاستقلال يبدأ من التعليم والثقافة”. فبناء الإنسان، وعيا ومعرفة، هو وحده ما يضمن بقاء الدولة قوية، متوازنة، وعادلة.
عندها، يصبح الاحتفال بالاستقلال فعلا وطنيًا منتجا.

رامي خريسات
تشكل الشركات المساهمة العامة ركيزة أساسية في تعزيز النمو الاقتصادي وزيادة الناتج المحلي الإجمالي، لما تمتلكه من قدرة على خلق فرص عمل واسعة تسهم في الحد من البطالة. إلا أن التجربة المؤلمة التي مرت بها البورصة، خصوصًا بعد أزمة 2008 التي شهدت تصفية عشرات الشركات المساهمة حيث يصعب تقديم حصيلة رقمية نهائية، مما ألحق ضررًا كبيرًا بثقة المستثمرين.
قصتنا بدأت في 2008 حين دفع الحماس للنمو الاقتصادي توافد الطلبات العديدة لوزارة الصناعة والتجارة متضمنة دراسات جدوى ورقية، تبين لاحقاً أنها غير محقة على أرض الواقع، مما نجم عنه لاحقاً أن تم تصفية تلك الشركات المتعثرة.
النتيجة عاد الآلاف إلى صفوف البطالة، وتباطأ النمو الاقتصادي، إلى جانب تراجع الإيرادات المتأتية للخزينة العامة، فضلًا عن انتقال الأثر السلبي إلى القطاعين العقاري والتجاري. ومنذ ذلك الحين، توقف تأسيس شركات مساهمة جديدة، وجفت سوق الإدراجات والاكتتابات.
وهنا مربط الفرس، الاكتتابات التي تحتاج لتطوير في مفهومها ليقوم على أساس نجاح الشركات الخاصة على أكتاف مؤسسيها أولاً ثم تطرح للاكتتاب، بعد إثبات الربحية وتقييم محايد للأصول واستقرار في الأداء لعدة سنوات.
ومن المهم أيضًا التوجه لتشجيع الشركات الخاصة، بما في ذلك الشركات العائلية، وكذلك الشركات الحكومية الرابحة، على التحول إلى شركات مساهمة عامة عبر الطرح العام الأولي (IPO) وبعلاوة إصدار مستحقة، مع الحفاظ على حقوق المؤسسين في ملكية مؤثرة ومقاعد بمجلس الإدارة، لضمان استمرارية الرؤية والإدارة. هذا النموذج يعزز ثقة المستثمرين ويعتمد الأداء المثبت بدلًا من الاكتفاء بوعود ورقية.
وبالاستناد إلى تجارب الدول المتقدمة، من الأنسب أن تتولى وزارة الصناعة والتجارة إجراءات تأسيس واعلان تصفية الشركات فقط، في حين تُناط بهيئة الأوراق المالية صلاحيات ما بعد التأسيس، بما يشمل مراجعة دراسات الجدوى، ونشرات الإصدار وتحديد علاوتها، وتنظيم إجراءات الاكتتاب والتخصيص، والإفصاح، ومتابعة مكافآت الإدارة ومجالسها، إضافة إلى الرقابة على اجتماعات الهيئات العامة السنوية.
بمعنى آخر من المهم اتباع أحكام الرقابة الحصيفة أثناء ولادة الشركة، ومنها اعتماد آلية «بناء السجل» (Bookbuilding) وهي من أهم الأساليب العالمية لتحديد السعر الاسترشادي قبل الطرح، بناءً على حجم الطلب الحقيقي وقوى السوق وقيمة الشركة الجوهرية.
وكإجراءات احترازية إضافية مستقبلية، من الضروري أن تتضمن التشريعات إجراءات إنذار مبكر للشركات المتعثرة تبدأ قبل بلوغ الخسائر نسبة 50 % من رأس المال كما هو معمول به في عدد من الأسواق المتقدمة والناشئة، فهناك بعض الأسواق تطالب الشركات بالتحرك عند بلوغ الخسائر 25-30 % تشمل إجراءات تصاعدية أهمها الإفصاح الخطط التصحيحية الأولية.
لقد حان الوقت لتحديث قانوني الأوراق المالية والشركات، وخاصة فيما يخص تنظيم الشركات المساهمة العامة، وإدخال المقترحات سابقة الذكر المتماشية مع أفضل الممارسات الدولية. وللعلم الارتقاء بمنصة الاقتصاد الوطني يقوم على أربع أذرع رئيسة تشكل دعائم النهوض أهمها الحكومة بإجراءاتها التحفيزية الداعمة، والجهات الحكومية المعنية بتطبيق قوانين الاستثمار والشركات والأوراق المالية.
باختصار لكي تستعيد السوق الأولية نشاطها ودورها التنموي، من الضروري تطوير فلسفة الاكتتاب العام، ونحن على ثقة بأن الحكومة بما تملكه من إرادة تطوير وكفاءة ومجلس نواب متحمس، قادرة على قيادة هذا الإصلاح الضروري.

عدنان أحمد يوسف
استوقفتني مقالة أخي العزيز الخبير الاقتصادي الدكتور جاسم المناعي حول انخفاض أسعار النفط وتأثيره على اقتصادات المنطقة؛ حيث يتصاعد القلق من نشوب الحروب التجارية، وما تخلفه من تأثيرات كثيرة، من بينها تباطؤ التجارة العالمية والطلب على السلع الأساسية، بما في ذلك النفط.
أعجبت للغاية بتحدثه حول الاحتمالات المتوقع أن تواجهها دول المنطقة في حال استمرار تراجع أسعار النفط، والخيارات المتاحة أمامها للتعامل مع هذا الوضع، وأتفق معه بأن الاقتصاد العالمي يمر بحالة من عدم اليقين، مما يحدث حالة من عدم الوضوح في توقع التطورات المقبلة. وأود في هذه المقالة التركيز، بشكل خاص، على البدائل المتاحة أمام دول التعاون للتعامل مع هذه الأوضاع.
لمواجهة هذه التحديات، تسعى دول الخليج إلى تعزيز مصادر الإيرادات غير النفطية من خلال تنفيذ برامج تنموية وتنويع اقتصادي، مثل رؤية السعودية 2030. كما تعمل على تحسين كفاءة الإنفاق العام، وتطبيق إصلاحات مالية، مثل ضريبة القيمة المضافة، وترشيد الدعم الحكومي لبعض السلع والخدمات.
كما أن دول الخليج تمتلك احتياطيات مالية كبيرة وقدرة على التكيف مع تقلبات أسعار النفط. ومع استمرار الجهود لتنويع الاقتصاد وتعزيز القطاع غير النفطي، من المتوقع أن تتمكن هذه الدول من تحقيق نمو مستدام على المدى الطويل، وتقليل اعتمادها على النفط كمصدر رئيسي للإيرادات.
كما تمتلك دول الخليج مجموعة من البدائل الاستراتيجية لمواجهة آثار انخفاض أسعار النفط، وذلك ضمن إطار خططها للتحول الاقتصادي وتنويع مصادر الدخل.
ومن بين أبرز البدائل مواصلة تنفيذ برامج التنويع الاقتصادي وفقا للرؤى طويلة الأجل من خلال تطوير القطاعات غير النفطية، مثل السياحة، الصناعة، الخدمات اللوجستية، التكنولوجيا والطاقة المتجددة. كذلك تحفيز الاستثمار الأجنبي المباشر عبر تحسين بيئة الأعمال وإصلاح التشريعات، وتحفيز ريادة الأعمال والاقتصاد الرقمي من خلال دعم المشاريع الصغيرة والمتوسطة.
كذلك، من البدائل التي دشنتها بعض دول المجلس، ونقترح أن تنظر فيها بقية الدول، تنويع الإيرادات غير النفطية من خلال تنويع الضرائب الموجهة لدخل الشركات الكبيرة والناجحة وعلى الأراضي البيضاء ورسوم الخدمات الحكومية.
ومن البدائل المحورية ترشيد الإنفاق وإعادة هيكلة المالية العامة، من خلال ترشيد إنفاق وحجم الجهاز الحكومي وإعادة توجيه الإنفاق نحو القطاعات الأكثر إنتاجية، مثل التعليم والتكنولوجيا.
أيضا، الاستثمار في الطاقة المتجددة والنظيفة؛ حيث تعمل السعودية على مشروع “مدينة نيوم” التي تعتمد على الطاقة الشمسية والرياح. وتعمل الإمارات عبر “مصدر” و”مجمع محمد بن راشد للطاقة الشمسية” على تقليل الاعتماد على الوقود الأحفوري. كما تعمل البحرين على التوسع في استخدام الطاقة البديلة في قطاعات الصناعات والخدمات.
كما أن التحول الرقمي والتكنولوجي في دول الخليج يمثل أحد المحاور المركزية في استراتيجيات التنويع الاقتصادي، وهو ليس مجرد تحديث تقني بل تغيير هيكلي في طريقة إدارة الاقتصاد والخدمات الحكومية، ويؤثر بعمق على فرص العمل، الكفاءة والاستثمارات.
ومحور آخر لا يقل أهمية عن كل ما ذكرناه هو محور الموارد البشرية والكفاءة الانتاجية من إصلاح التعليم وربطه بسوق العمل وتمكين المرأة وزيادة مشاركتها الاقتصادية. كذلك، رفع نسب توطين الوظائف لتمكين المواطن والكفاءات الوطنية من أخذ كامل دورها في برامج التنمية.
وأخيرا، يجب أن نؤكد بشكل خاص على التكامل الاقتصادي الخليجي كسبيل للحماية من التقلبات الاقتصادية؛ حيث إن هذا التكامل يخلق كتلة اقتصادية متينة ومتراصة البنيان. لذلك، مطلوب الإسراع في إقامة مشاريع التكامل، وهي الاتحاد الجمركي والسوق الخليجية المشتركة والاتحاد النقدي وتسهيل حركة البضائع ورؤوس الأموال والاستثمار المشترك في مشاريع البنية التحتية والربط الكهربائي والنقل.

مصطفى الكاظمي
لم يعد مسموحاً التغنّي بالتاريخ. لقد غرق شعبنا العراقي، على وجه التحديد، بتاريخه حتى نسي مستقبله، فاقتصر حديثه عن أجداده، وغفل أنه يعيش اليوم تاريخه. من يفكّر في صناعة مستقبله يعيش اليوم تاريخه، فيجهد ليكون حاضره أفضل الممكن. هذا ما ألتمسه دائماً في لقاءاتي ونقاشاتي مع إخوتي قادة دول الخليج العربي، الذين يولون الأهمية القصوى لصناعة مستقبل دولهم وشعوبهم، مؤمنين بأن التاريخ يكتبه أبناء اليوم، لا أبناء الأمس، لأجل غدٍ على قدر الطموحات والآمال.
قد تكون مفارقة؛ ولكنها نتيجة طبيعية لإعادة النظر في العقلية الحاكمة على المقاربات المختلفة، وهذا ينعكس على السياسات والإجراءات المتبعة. وهذا يُترجم من خلال التطورات الجارية في المنطقة، من قممٍ وزياراتٍ ولقاءات وقرارات، وآخرها زيارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب بتفاصيلها التي تصبّ في سياقٍ واحد، واسمه المستقبل.
على خطٍّ موازٍ – في العراق – ما زالت أحاديثنا أسيرة الماضي؛ والماضي هنا ليس أحداثاً أو وقائع فحسب، بل هو امتدادٌ لعقلية تقارب سُبل تحقيق التنمية المطلوبة والمستدامة لشعبنا، وكيفية الارتقاء بطبيعة الخدمات المقدمة وأشكالها، والمنظومات الآيديولوجية التي تقيّد حدود التفكير والانطلاق نحو الآخر والاشتراك معه في بناء المستقبل.
ما يؤسفني اليوم أن أشقاء العراق، المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة ودولة قطر، يتحدثون عن استثمارات وشراكات تغيّر وجه المنطقة، وتساهم في الإسراع في القفزات النوعية على مستوى العالم، بخاصة في الجانب التكنولوجي والتقني، أما نحن، الذين نبتعد عنهم مئات الكيلومترات فقط، ما زلنا نبحث ونناقش كيفية تأمين الدولة لأدنى مستويات الخدمات المطلوبة، ونناقش حدود الدولة وسيادتها، أو الديمقراطية وكيفية تطبيقها، ونمتعض من الرأي والرأي الآخر، عدا عن انخراط البعض في مشاريع تجتاز الحدود سنكتبها تاريخاً في القريب العاجل.
هي دعوة صادقة للالتحاق بالمتغيّرات. لتحديد الأولويات، قبل فوات الأوان. فالقفزات لم تعد تقاس بالعقود، بل بالسنوات المعدودة والأشهر القليلة، والمعنيّون في العراق اليوم ملزمون بالعمل الجاد على المستوى الداخلي لتحقيق التنمية المطلوبة، والانفتاح على الأشقاء والجيران لتحقيق التكامل الاقتصادي من خلال الشراكات الاستراتيجية والمشاريع الحيوية المبنيّة على رؤية وتخطيط، لا على التنفيع والتخادم والانحياز.
منطقتنا تندفع – وبسرعة – نحو الاستقرار وتثبيت دعائمه، والانطلاق نحو بناء اقتصادات قد تكون بدائل حقيقية لاقتصادات أخرى خلال السنوات المقبلة، وهذا يطرح السؤال الآتي: أين العراق؟ هل المطلوب أن نبقى أسرى الماضي؟ أم نكون جزءاً من المستقبل؟ الجواب الطبيعي أن نكون مع الغد، ومع المستقبل.
هل هناك خريطة طريق؟ نعم، وهذا يحتاج إلى خطوط عامة، تتلخص بـ:
1- الإيمان بالدولة، قوىً سياسية وأحزاباً وشرائح اجتماعية مختلفة، من دون أي استثناء.
2- الابتعاد عن الآيديولوجيات والمشاريع السياسية التي تتجاوز الحدود، والإيمان والعمل على قاعدة العراق أولاً.
3- العمل بمبدأ الديمقراطية الحقيقية لا الديمقراطية التوافقية، التي تؤسس لبرلمان وحكومة يتحملان المسؤولية الكاملة، لا لحكومة وبرلمان معطّلين أو ليسا بمنتجين.
4- التخطيط ومن ثم التخطيط ومن ثم التخطيط؛ وذلك بعد صياغة رؤية وطنية متكاملة قانونية وسياسية واقتصادية واجتماعية، تأخذ في الاعتبار التهديدات والفرص والإمكانات والقدرات؛ وإن فشلنا في ذلك (كعراقيين)، فلنكلّف أو نتعاون مع مختصين دوليين لمساعدتنا في ذلك.
5- مكافحة الفساد المتجذّر ليس فقط على مستوى مؤسسات الدولة، فقد وصل إلى مفاصل عديدة على مستوى الوطن، وبأشكالٍ مختلفة.
6- العمل والعمل والعمل…
هذه العناوين العامة للانطلاق، والفرصة موجودة، وحسب علمي فإن الإخوة ينتظرون المبادرة الحقيقية من العراق، ويدهم ممدودة، وهذا يحتاج إلى إجراءات ملموسة، تشجّع الآخر على الاندفاع نحونا. وإلا كيف له أن يتفاعل معنا وخطاباتنا طائفية أو ابتزازية أو آيديولوجية عقيمة؟ كيف له أن يتقدم نحونا والسلاح المنفلت – على أنواعه – هو عنوان العراق والصفة المرافقة لاسمه؟ أم كيف نأمل من هذه الاقتصادات أن تشاركنا ونحن نتمسّك باقتصاد ريعي يعزّز البطالة ويضخّم القطاع العام من دون أي فائدة على حساب توسيع مساحات القطاع الخاص والاستثمار به وتوجيه الشباب والكفاءات إليه.
الفرصة موجودة، ولكنّ لها حدوداً وتوقيتاً. وليعلم الجميع ويميّز من يريد الخير للعراق ويعمل لأجله، ومن يرفع الشعارات ويعمل ضده فـ«الفرصة تمرّ مرّ السحاب، فانتهزوا فرص الخير».
* نقلا عن “الشرق الأوسط”
علي الحازمي
في الحقيقة مقالنا هذا ناتج عن دراسة قمنا بها خلال الأسابيع الماضية وركزت على التمكين والتكامل من منظور إدارة التخطيط الاستراتيجي ومن جانب أكاديمي ومهني. حيث في عالم اليوم، الذي يوصف بإيقاع عصري متسارع فيه المنافسة شديدة، أصبح التخطيط الاستراتيجي ضرورة ملحة وحتمية للمنظمات والأفراد على حد سواء. لم يعد التخطيط مجرد عملية شكلية، بل هو أداة حيوية لتحقيق الأهداف الاستراتيجية، وتحديد المسار، واقتناص الفرص المتاحة في البيئة المحيطة على مستوى محلي واقليمي ودولي عالمي. ومع ذلك، فإن التخطيط الاستراتيجي الناجح لا يقتصر على وضع الخطط والأهداف الطموحة كما يعتقد البعض، بل يتطلب أيضًا توفير البيئة المناسبة لتنفيذ هذه الخطط وتحقيقها على أرض الواقع. هنا يأتي الدور الحقيقي لمفهومي ” التمكين ” و” التكامل ” ليشكلا ركيزتين أساسيتين لأي تخطيط استراتيجي كفء وفعال.
ونود نوضح في مقالنا هذا بأن التمكين، بمفهومه الواسع والشامل، يعني منح الأفراد والفرق الصلاحيات والموارد اللازمة لاتخاذ القرارات وتحمل المسؤولية، مما يحفزهم على الإبداع والابتكار والمساهمة الفعالة في تحقيق الأهداف الاستراتيجية المشتركة. أما بالنسبة إلى التكامل، فيعني الربط والتنسيق بين مختلف الأنشطة والموارد والإدارات داخل المنظمة، لضمان تحقيق أقصى قدر من الكفاءة والفاعلية، وتجنب الازدواجية والتضارب في الجهود.
ونؤكد بأن التمكين والتكامل عنصران أساسيان في إدارة التخطيط الاستراتيجي، ولهما دور كبير في نجاح المنظمات، والان سوف نقوم بشرح مفصل لأهميتهما وكيفية تطبيقهما بمنظور أكاديمي ومهني حسب التالي:
أولاً: أهمية التمكين في التخطيط الاستراتيجي
· تحفيز الابتكار: عندما يشعر الموظفون بأنهم جزء من عملية التخطيط وصنع القرار، يصبحون أكثر إبداعًا وابتكارًا في إيجاد حلول للتحديات واقتراح أفكار جديدة.
· زيادة الالتزام: التمكين يعزز شعور الموظفين بالملكية تجاه الأهداف الاستراتيجية، مما يزيد من التزامهم بتحقيقها.
· تحسين الأداء: عندما يتم تمكين الموظفين، يصبحون أكثر قدرة على اتخاذ القرارات الصحيحة وتنفيذ المهام بكفاءة، مما يؤدي إلى تحسين الأداء العام للمؤسسة.
· تطوير القيادة: التمكين يساهم في تطوير مهارات القيادة لدى الموظفين، حيث يتعلمون كيفية تحمل المسؤولية واتخاذ القرارات والتأثير في الآخرين.
· تعزيز المرونة: المؤسسات التي تعتمد على التمكين تكون أكثر مرونة وقدرة على التكيف مع التغيرات في بيئة الأعمال، حيث يمكن للموظفين اتخاذ القرارات السريعة والمناسبة دون الحاجة إلى الرجوع إلى الإدارة العليا في كل مرة.
ثانياً: أهمية التكامل في التخطيط الاستراتيجي
· تحقيق التوافق: التكامل يضمن توافق جميع الأنشطة والجهود في المؤسسة مع الأهداف الاستراتيجية، مما يقلل من التضارب والتكرار في العمل.
· تحسين الكفاءة: التكامل يساعد على تحسين الكفاءة من خلال تنسيق العمل بين مختلف الأقسام والوحدات في المؤسسة، مما يقلل من الهدر في الموارد والوقت.
· تعزيز التعاون: التكامل يشجع على التعاون والتواصل بين مختلف الأقسام والوحدات في المؤسسة، مما يساعد على تبادل المعرفة والخبرات وحل المشكلات بشكل جماعي.
· تحسين اتخاذ القرارات: التكامل يوفر للإدارة العليا صورة شاملة وواضحة عن الوضع الحالي للمؤسسة، مما يساعدها على اتخاذ القرارات الصحيحة والمستنيرة.
· تحقيق الميزة التنافسية: المؤسسات التي تعتمد على التكامل تكون أكثر قدرة على تحقيق الميزة التنافسية من خلال تقديم منتجات وخدمات عالية الجودة تلبي احتياجات العملاء بشكل أفضل.
ثالثاً: كيفية تطبيق التمكين والتكامل بفعالية
· تحديد الأهداف الاستراتيجية بوضوح: يجب على المؤسسة تحديد أهدافها الاستراتيجية بوضوح وتوصيلها إلى جميع الموظفين.
· تفويض السلطة والمسؤولية: يجب على الإدارة العليا تفويض السلطة والمسؤولية إلى الموظفين وتمكينهم من اتخاذ القرارات وتنفيذ المهام.
· توفير التدريب والتطوير: يجب على المؤسسة توفير التدريب والتطوير اللازمين للموظفين لمساعدتهم على اكتساب المهارات والمعرفة اللازمة لأداء مهامهم بفعالية.
· تشجيع التواصل والتعاون: يجب على المؤسسة تشجيع التواصل والتعاون بين مختلف الأقسام والوحدات من خلال إنشاء فرق عمل مشتركة وتنظيم فعاليات اجتماعية.
· استخدام التكنولوجيا: يمكن للمؤسسة استخدام التكنولوجيا لتسهيل التواصل والتعاون وتبادل المعلومات بين الموظفين.
· قياس الأداء وتقديم التغذية الراجعة: يجب على المؤسسة قياس أداء الموظفين وتقديم التغذية الراجعة لهم بشكل منتظم لمساعدتهم على تحسين أدائهم.
· خلق ثقافة تنظيمية داعمة: يجب على المؤسسة خلق ثقافة تنظيمية داعمة للتمكين والتكامل، حيث يشعر الموظفون بالتقدير والاحترام والثقة.
بتطبيق هذه الخطوات والنقاط أعلاه، يمكن للمنظمات تحقيق أهدافها الاستراتيجية والتغلب على التحديات التي تواجهها في بيئة الأعمال المتغيرة.
وأما الان سوف نأخذ بعض الأمثلة والنماذج العملية والتي توضح كيف يمكن للتمكين والتكامل أن يساهما في تحسين الأداء، وتعزيز الابتكار، وتحقيق الميزة التنافسية المستدامة، وهي كالتالي:
أولا: شركة Zappos
· التمكين: تعتمد Zappos على نظام “Holacracy” الذي يوزع السلطة وصنع القرار على فرق ذاتية التنظيم. يتم تدريب الموظفين على اتخاذ القرارات بأنفسهم وحل المشكلات بشكل مستقل.
· التكامل: تشجع Zappos التواصل والتعاون بين الفرق المختلفة من خلال منصات داخلية وأنشطة اجتماعية. يتم تبادل المعرفة والخبرات بين الموظفين لضمان تحقيق الأهداف المشتركة.
· النتائج: أداء متميز في خدمة العملاء، ومعدلات رضا وظيفي عالية، وقدرة على التكيف السريع مع تغيرات السوق.
ثانيًا: شركة Toyota
· التمكين: تعتمد Toyota على نظام “Kaizen” الذي يشجع الموظفين على تقديم اقتراحات للتحسين المستمر. يتم تمكين الموظفين من تحديد المشكلات واقتراح الحلول وتنفيذها.
· التكامل: تعتمد Toyota على نظام “Lean Manufacturing” الذي يركز على تبسيط العمليات وتقليل الهدر. يتم دمج العمليات المختلفة لضمان تدفق سلس للمواد والمعلومات.
· النتائج: كفاءة عالية في الإنتاج، وجودة عالية للمنتجات، وقدرة على الابتكار المستمر.
ثالثًا: شركة Google
· التمكين: تشجع Google الموظفين على قضاء 20% من وقتهم في العمل على مشاريع شخصية. يتم تمكين الموظفين من استكشاف أفكار جديدة وتطوير مهاراتهم.
· التكامل: تعتمد Google على نظام “Open Innovation” الذي يشجع التعاون مع الشركات الناشئة والجامعات والمجتمع المفتوح. يتم دمج الأفكار والتقنيات الجديدة في منتجات Google.
· النتائج: ابتكارات رائدة في مجال التكنولوجيا، ومنتجات وخدمات تحظى بشعبية واسعة، وقدرة على جذب أفضل المواهب.
رابعًا:. نموذج Spotify
· التمكين: فرق مستقلة (Squads) مسؤولة عن جوانب محددة من المنتج. تتمتع هذه الفرق بحرية اتخاذ القرارات وتنفيذها.
· التكامل: “Tribes” تجمع الفرق ذات الصلة لتبادل المعرفة وتنسيق الجهود. “Guilds” تجمع الأفراد ذوي الاهتمامات المشتركة لتبادل الخبرات وتطوير المهارات.
· النتائج: سرعة في تطوير المنتجات، وقدرة على التكيف مع احتياجات المستخدمين، وابتكار مستمر في مجال الموسيقى.
خامساً: نموذج W. L. Gore & Associates
· التمكين: لا يوجد تسلسل هرمي تقليدي، والموظفون (الزملاء) يختارون المشاريع التي يعملون عليها. يتم تشجيع المبادرة الفردية والمسؤولية الذاتية.
· التكامل: يتم تشجيع التواصل المباشر بين الزملاء، ويتم تبادل المعرفة والخبرات من خلال شبكة داخلية. يتم تشكيل فرق مخصصة للمشاريع المختلفة.
· النتائج: ابتكارات رائدة في مجال المواد المتقدمة، ومنتجات عالية الجودة، وقدرة على جذب أفضل المواهب.
أما الآن سوف نأخذ شركة أرامكو السعودية كمثال متقدم ومتطور وبشكل منفرد على مفهوم التمكين والتكامل. حيث تعتبر شركة أرامكو السعودية مثالًا ونموذج رائد يحتذى به على كيفية تطبيق التمكين والتكامل في التخطيط الاستراتيجي لتحقيق النجاح. تقوم أرامكو بتمكين موظفيها من خلال توفير التدريب والتطوير المستمر، وتشجيع الابتكار والمبادرة، ومنحهم صلاحيات اتخاذ القرارات. هذا التمكين عزز من كفاءة العمليات ورفع من قدرة الشركة على التكيف مع التغيرات في سوق الطاقة. بالإضافة إلى ذلك، تعتمد أرامكو على التكامل بين مختلف أقسامها ووحداتها لتحقيق أهدافها الاستراتيجية، من خلال العمل المشترك. يتم ذلك من خلال تنسيق الجهود، وتبادل المعلومات والمعرفة، والعمل المشترك لتحقيق رؤية الشركة. هذا التكامل يضمن أن جميع الأجزاء تعمل معًا بكفاءة وفعالية لتحقيق الأهداف المشتركة.
على سبيل المثال، في مجال الاستدامة، تعمل أرامكو على تمكين فرقها الهندسية والبحثية لتطوير تقنيات جديدة تقلل من الانبعاثات الكربونية. وفي الوقت نفسه، يتم التكامل بين هذه الجهود وبين استراتيجيات الشركة الأوسع للاستثمار في الطاقة المتجددة وتحسين كفاءة استهلاك الطاقة. يظهر لنا مثال أرامكو السعودية كيف يمكن للتمكين والتكامل أن يكونا عنصرين حاسمين في تحقيق النجاح الاستراتيجي للمنظمات الكبرى، من خلال تعزيز الابتكار، وتحسين الكفاءة، وضمان تحقيق الأهداف المشتركة، والعمل بروح الفريق الواحد.
هذه مجرد أمثلة وددنا أن نتطرق لها في مقالنا هذا، وهناك العديد من المنظمات الأخرى التي تستخدم التمكين والتكامل لتحقيق النجاح. يمكن تطبيق هذه المفاهيم في مختلف الصناعات والمنظمات، بغض النظر عن حجمها أو طبيعة عملها. ونستنتج في مقالنا هذا أن التمكين والتكامل يساهمان في زيادة الإنتاجية والكفاءة وتقليل التكاليف. كذلك تعزيز الابتكار من خلال تشجيع الإبداع وتوليد الأفكار الجديدة. بالإضافة إلى تحقيق الميزة التنافسية المستدامة من خلال بناء ثقافة تنظيمية قوية وقادرة على التكيف مع التغيرات.
ونؤكد في مقالنا هذا بأن التمكين والتكامل حجر الزاوية في التخطيط الاستراتيجي الكفء والفعال. ومن خلال تمكين الموظفين، وتعزيز التعاون، ومواءمة الأهداف الاستراتيجية، يمكن للمنظمات إطلاق العنان لإمكاناتها الكاملة والكامنة وتحقيق النجاح المستدام. إن تبني هذه المبادئ لا يعزز الأداء فحسب كما يعتقد البعض، بل يعزز أيضًا ثقافة الابتكار والمرونة والقدرة على التكيف، مما يمكّن المنظمات من الازدهار في بيئة أعمال ديناميكية وتنافسية بشكل متزايد. وبينما تتنقل المنظمات في تعقيدات المشهد الحديث، يصبح من الضروري أكثر من أي وقت مضى إعطاء الأولوية للتمكين والتكامل كمحفزات أساسية للنمو والقدرة التنافسية. ومن خلال القيام بذلك، يمكن للمنظمات أن تضع نفسها في مكانة متقدمة ومتطورة لتحقيق النجاح على المدى الطويل وخلق قيمة ذات مغزى لأصحاب المصلحة.
م. موسى الساكت
زيار
ة جلالة الملك عبدالله الثاني إلى الولايات المتحدة، ولقاؤه في ولاية تكساس مع ممثلي مؤسسات حكومية ورؤساء شركات، لم تأت من فراغ. بل تؤكد مجددًا على إدراك القيادة لأهمية السوق الأميركي، ليس فقط كشريك إستراتيجي سياسي وأمني، بل كشريك اقتصادي يمكن أن يشكل نقطة تحول للصادرات الأردنية.
هناك أكثر من 4 مليار دولار من الفرص التصديرية الأردنية غير المستغلة إلى السوق الأميركي، وهي فرص موزعة على قطاعات كالأغذية، والمنتجات الكيماوية، والملابس، والمستلزمات الطبية، وغيرها.
المشكلة ليست في ضعف المنتج الأردني، بل في غياب إستراتيجية تسويقية فعالة، ونقص الترويج، والأهم ضعف ما يسمى التفاهم المؤسسي مع السوق الأميركي.
زيارة جلالة الملك تُشكّل فرصة نادرة لإعادة التموضع الاقتصادي، خاصة وأن الرسالة الملكية كانت واضحة: الأردن يريد شراكة اقتصادية قائمة على المصالح المشتركة، لا على المساعدات. ما نحتاجه الآن هو تحويل هذه الرؤية إلى أرقام فعلية على الأرض.
لكي نستفيد من هذه الفرص، لا بد من وجود فريق متخصص يعمل على تطوير خارطة طريق تصديرية للسوق الأميركي، ويعزز الحضور الأردني في المعارض والفعاليات التجارية هناك، ويستثمر في العلاقات مع الموزعين وسلاسل التوريد. كما يجب أن تُمنح الشركات الصغيرة والمتوسطة الأدوات والمحفزات لتكون جزءًا من هذا التوجه.
الزيارة الملكية مهّدت الطريق، فهل نتحرك نحن؟ أم نكتفي بمراقبة الفرص؟
جميع الحقوق محفوظة اسواق جو aswaqjo