تقارير وتحليلات
أسواق جو
لويس فيليب لوبيز-كالفا، ديون فيلمر، هايشان فو*
هل عدم المساواة الاقتصادية مهم بالنسبة للتنمية؟ هذا السؤال طرحناه على طاولة النقاش في فعالية عُقدت مؤخراً ضمت نخبة من الخبراء والممارسين الدوليين. وكان من بينهم إندرميت غيل، رئيس الخبراء الاقتصاديين بمجموعة البنك الدولي، الذي أجاب قائلاً: “كيف لا؟ إذا نظرنا إلى جوانب عدم المساواة – مثل عدم تكافؤ الفرص وعدم المساواة في الدخل والثروة والسلطة – فسنجده بالغ الأهمية. وقد يلحق ضرراً بالغاً بالتنمية، إذا كان مرتفعاً للغاية أو بلغ مستوى لا يمكن السيطرة عليه. ولكن السؤال الحقيقي هو: ما العمل حيال ذلك؟ وهل غالباً ما يكون الدواء أصعب من الداء؟”
ويمكن أن يؤدي ارتفاع مستوى عدم المساواة الاقتصادية في بلدٍ ما إلى الحد من قدرة مواطنيه على ارتقاء السلم الاجتماعي والاقتصادي، ومن ثم إبطاء التقدم نحو تحقيق النمو واسع النطاق والقضاء التام على الفقر. ومن ناحية أخرى، يمكن أن يؤدي خفض المستويات المرتفعة من عدم المساواة إلى دفع عجلة التنمية الاقتصادية، وتعزيز رأس المال البشري، وتسريع وتيرة الحد من الفقر.
ونعلم أن معالجة عدم المساواة الاقتصادية أمر أساسي لتعزيز الرخاء المشترك وتحقيق الأهداف الإنمائية الرئيسة. ولكن متى يصبح مستوى عدم المساواة مرتفعاً للغاية؟ وما هي الحلول الفعالة على مستوى السياسات؟
طريقة رصد البنك الدولي لعدم المساواة الاقتصادية
في سعينا للتصدي الفعال لعدم المساواة الاقتصادية، فإننا نحتاج أولاً إلى قياسه بدقة. وتقدم منصة البنك الدولي المعنية بالفقر وعدم المساواة تقديرات مؤشر جيني – وهو مقياس لكيفية توزيع الدخل أو الاستهلاك على نحو متساو (أو غير متساو) بين السكان – لما يبلغ 172 بلداً تغطي نحو 98 % من السكان على مستوى العالم. وتسهم هذه الأداة القيّمة في تقييم مستوى عدم المساواة الاقتصادية في هذه البلدان. وأحد أسباب اختيارنا لمؤشر جيني هو تاريخه الطويل من الاستخدام والمعرفة به لدى شريحة واسعة من الجمهور.
وتشكل البيانات المستقاة من هذه المنصة الأساسَ لمؤشر عالمي جديد أطلقناه في عام 2024 في إطار بطاقة قياس الأداء المؤسسي لمجموعة البنك الدولي وهو: عدد البلدان التي تعاني من ارتفاع مستوى عدم المساواة، والتي تُعرف بأنها تلك التي تتجاوز 40 درجة على مؤشر جيني. وتظهر أحدث البيانات أن أكثر من واحدٍ من كل أربعة أشخاص يعيشون في بلدان تعاني من ارتفاع مستوى عدم المساواة، وأن هذه البلدان تتركز بشكل رئيس في منطقة إفريقيا جنوب الصحراء ومنطقة أميركا اللاتينية والبحر الكاريبي.
التحديات المتعلقة برصد عدم المساواة الاقتصادية
مؤشرنا، على الرغم من فائدته، ليس سوى واحدة من وسائل متعددة لقياس عدم المساواة الاقتصادية، ولكل وسيلة حدودها. ففي حالة منصة الفقر وعدم المساواة، على سبيل المثال، تعتمد التقديرات على بيانات المسوحات الأسرية التي غالباً ما تحتوي على تمثيل ضعيف للفئات الأشد فقراً في توزيع الدخل بسبب القصور في الإفصاح عنها أو عدم الاستجابة والمشاركة في هذه المسوحات.
ويتفاوت معدل تواتر البيانات أيضاً، حيث تقوم بعض البلدان بتحديث تقديراتها سنوياً، بينما تقوم بلدان أخرى بتحديث تقديراتها بمعدل أقل تواتراً. وعادة ما تقوم بلدان أميركا اللاتينية والعديد من البلدان مرتفعة الدخل باستخدام البيانات الخاصة بالدخل المتاح للإنفاق، في حين تعتمد بلدان أخرى – معظمها من البلدان منخفضة الدخل والشريحة الدنيا من البلدان متوسطة الدخل – على بيانات الإنفاق الاستهلاكي، ويرجع ذلك أساساً إلى توافر هذه البيانات.
وهناك عوامل أخرى يمكن أن تجعل من الصعب المقارنة الدقيقة بين تقديرات عدم المساواة بين البلدان. وتقوم بعض البلدان بمراعاة فروق الأسعار بين المناطق الريفية والحضرية عند حساب الدخل أو الاستهلاك الحقيقي للأسر؛ والبعض الآخر لا يفعل ذلك. كما قد تنشأ مشكلات في قابلية المقارنة مع مرور الوقت، حيث تقوم البلدان بتغيير تصميم المسوحات الاستقصائية الأسرية والمنهجية التي تقوم عليها.
وفي السنوات الأخيرة، بُذلت جهود لسد مثل هذه الفجوات، مثل الجمع بين مسوحات الأسر والسجلات الضريبية أو غيرها من البيانات الإدارية. ولكن البيانات المتعلقة بضرائب الدخل الشخصي الشاملة غالباً ما تكون محدودة في البلدان غير البلدان مرتفعة الدخل.
الاستثمار في تحسين البيانات لتعزيز وضع السياسات
من شأن توافر بيانات أكثر دقة وإحكاماً في توقيتها أن يسهم في تحسين كيفية قياس ورصد عدم المساواة الاقتصادية، وهو أمر بالغ الأهمية لوضع سياسات أفضل.
ويتعاون البنك الدولي بصورة جدية مع البلدان لتحسين جودة البيانات المرتبطة برصد مستويات المعيشة لديها. ويشمل هذا التعاون إقامة شراكات قوية مع الأنظمة الإحصائية الوطنية، وتوسيع نطاق استخدام البيانات الضريبية والإدارية لسد فجوات البيانات، واستخدام أساليب مبتكرة لتحسين مستوى رصد توزيع الدخل والثروة.
على سبيل المثال، وفي إطار العملية الحادية والعشرين لتجديد موارد المؤسسة الدولية للتنمية، وهي صندوق مجموعة البنك الدولي المخصص لمساعدة البلدان منخفضة الدخل، فإننا ملتزمون بمساعدة 30 بلداً من البلدان المؤهلة للاقتراض من المؤسسة على الاستثمار في مسوحات الأسر، وتمكينها من تصميم سياسات أفضل تستند إلى الشواهد والأدلة.
إن رسالة البنك الدولي المتمثلة في القضاء على الفقر وتعزيز الرخاء المشترك على كوكب صالح للعيش تتصور عالماً لا يقتصر على نموٍ قوي فحسب، بل واسع النطاق أيضاً. وهذا يعني شمول جميع الأفراد من جميع مستويات الدخل على نحو منهجي، وخاصةً الواقعين منهم في أدنى سلم التوزيع.
ومن أجل تحقيق هذه الأهداف، علينا فهم الأسباب التي تؤدي إلى عدم المساواة الاقتصادية. ويتطلب هذا الأمر توافر بياناتٍ أفضل، وشراكات أقوى، وحواراً مفتوحاً. ومع أن التحديات لا تزال قائمة، سيظل التزامنا بوضع السياسات القائمة على الشواهد والأدلة والتعاون هو المُوجِّه لجهودنا لنضمن أن يعود النمو بالنفع على الجميع وألا يتخلف أحد عن الركب.
* خبراء في البنك الدولي
أسواق جو
تيموثي ديستيفانو، نك جونستون، ريتشارد نيلر، جوناثان تيميس*
نعيش في عالم زاخر بالبيانات، لكن تحويل هذه الوفرة إلى نمو اقتصادي وتوفير الوظائف ما يزال يشكل تحدياً كبيراً.
وقد برزت الحوسبة السحابية كأداة فعَّالة لتحقيق هذا التحول، لا سيما في الاقتصادات النامية. وجرت العادة أن تواجه الشركات في هذه البلدان معوقات تحول دون حصولها على قوة الحوسبة الآلية، ويرجع ذلك أساساً إلى ارتفاع التكاليف الأولية لشراء الخوادم وإنشاء البنية التحتية لتكنولوجيا المعلومات.
وتعمل خدمات الحوسبة السحابية على تغيير هذه الديناميكية من خلال السماح للشركات باستئجار موارد الحوسبة القابلة للتوسع عند الطلب.
وبالإضافة إلى ذلك، تعمل الحوسبة السحابية كأساس للجيل القادم من التطورات التكنولوجية مثل أدوات تحليل البيانات الضخمة والذكاء الاصطناعي، التي لديها القدرة على تعزيز الإنتاجية، وتمكين نماذج الأعمال المبتكرة، ودفع عجلة النمو الاقتصادي.
وهناك تحدٍ على صعيد السياسات، حيث أُطلِقتْ العديد من المبادرات الحكومية الرامية إلى تشجيع اعتماد التكنولوجيا – لا سيما الإعفاءات الضريبية والمنح الخاصة بالاستثمارات الرأسمالية – في عصر تهيمن عليه الأجهزة والمكونات المادية لتكنولوجيا المعلومات مثل أجهزة الكمبيوتر والخوادم.
واليوم، يقدم عدد كبير من البلدان شكلاً من أشكال الحوافز الرأسمالية وكثير منها يستهدف استثمارات تكنولوجيا المعلومات على وجه التحديد. وقد وضعت هذه الحوافز بطريقة تستهدف تشجيع الشركات على شراء الأجهزة والمعدات اللازمة. ولكن ماذا يحدث عندما تتحول الريادة في المجال التكنولوجي من امتلاك الأجهزة إلى استئجارها عبر السحابة؟
وتظهر الشواهد والأدلة الحديثة سياسات الحوافز الرأسمالية وكيف يمكنها التأثير على الاستثمارات في مجال تكنولوجيا المعلومات واعتماد الحوسبة السحابية والذكاء الاصطناعي وأدوات تحليل البيانات الضخمة.
وعلى الرغم من أن هذه السياسات تتمتع بسجلٍ حافلٍ في تحفيز الاستثمار في الأجهزة والمكونات المادية مثل الآلات وأجهزة تكنولوجيا المعلومات، فإنها قد لا تكون فعالة في ظل المشهد الرقمي الحالي.
ويمكن للحوافز الرأسمالية الإسهام في معالجة عيوب السوق التي تجعل من الصعب على الشركات، وخاصة الشركات الناشئة والشركات الصغيرة، الحصول على التمويل. على سبيل المثال، تبين أن الشركات المؤهلة للحصول على حوافز رأسمالية تعمد إلى زيادة استثماراتها في الأجهزة والمكونات المادية والبرمجيات بشكل ملحوظ مقارنةً بالشركات غير المؤهلة.
وعادة ما تقوم هذه الحوافز بدعم الاستثمارات في الأجهزة والمكونات المادية لتكنولوجيا المعلومات، وليس للإنفاق على الخدمات السحابية. وعندما تعمل الاستثمارات في الحوسبة السحابية وتكنولوجيا المعلومات كبدائل جزئية، فإن الحوافز الرأسمالية قد تدفع الشركات عن غير قصد نحو شراء الأجهزة والمكونات المادية والابتعاد عن اعتماد حلول الحوسبة السحابية.
وتشير الشواهد والأدلة إلى أنه على الرغم من أن الحوافز الرأسمالية تعزز الاستثمار في تكنولوجيا المعلومات، فإنها قد تؤدي إلى إبطاء اعتماد الحوسبة السحابية بهامشٍ ملحوظ.
ويتضح هذا التأثير بشكل أكبر على الشركات الصغيرة ومتوسطة الحجم التي غالباً ما تحقق أكبر قدر من الاستفادة من مرونة الحوسبة السحابية وقابليتها للتوسع.
وللتباطؤ في اعتماد الحوسبة السحابية آثار واسعة النطاق، فنظراً لأن الخدمات السحابية توفر الأساس الحسابي لأدوات تحليل البيانات الضخمة والذكاء الاصطناعي، فقد يؤدي أي تأخير في انتشار الحوسبة السحابية إلى إعاقة استخدام هذه التقنيات المتقدمة وتطبيقها. وتشير الشواهد والأدلة إلى أن الحوافز الرأسمالية يمكن أن تؤدي إلى إبطاء اعتماد أدوات تحليل البيانات الضخمة والذكاء الاصطناعي، مما يؤخر انتشارها بأكثر من عام في المتوسط.
وهناك أيضاً آثار على سوق العمل، حيث تؤدي هذه السياسة إلى إضعاف الطلب على المتخصصين في أدوات تحليل البيانات: تشير الشواهد إلى أن العاملين في وظائف تحليل البيانات يمكن أن يشهدوا انخفاضاً في أجورهم في الشركات المؤهلة للحصول على الحوافز الرأسمالية، مقارنة بنظرائهم في الشركات غير المؤهلة. والجدير بالذكر أنه لا يوجد تأثير يُذكر على الفئات الأخرى من العمال، مثل الموظفين الذي يقومون بإدخال البيانات وليس تحليلها.
وبالتالي، ففي حين لا يبدو أن هذه السياسة تؤثر على الطلب على الأيدي العاملة بشكل عام، إلا أنها تبطئ الطلب على المتخصصين في تحليل البيانات.
ومع سعى الحكومات إلى تسريع وتيرة التحول الرقمي، تسلط هذه النتائج الضوء على نقطة بالغة الأهمية، ألا وهي أن الحوافز المصممة لعالم رأس المال المادي قد تعوق عن غير قصد انتشارَ أحدث التقنيات القائمة على الخدمات مثل الحوسبة السحابية.
وكانت المبررات الأصلية للحوافز الرأسمالية تتمثل في معالجة التكاليف الثابتة للاستثمارات الرأسمالية وإخفاقات الأسواق المالية التي تعوق نشاط الشركات الصغيرة والناشئة. بيد أن ظهور الحوسبة السحابية أدى إلى تقليل بعض الحاجة إلى مثل هذه الحوافز من خلال خفض التكاليف الثابتة لتكنولوجيا المعلومات التي تتحملها الشركات. وتشير الشواهد والأدلة إلى أن السياسات المصممة لبيئة أعمال تهيمن عليها أجهزة الكمبيوتر والخوادم والبنية التحتية المادية قد تحتاج إلى إعادة تقييمها في ضوء نماذج الأعمال التي تعتمد بشكل متزايد على البيانات والخدمات الرقمية.
وعلى الرغم من أن الحوافز الرأسمالية أدت فيما مضى دوراً حيوياً في دعم اعتماد التكنولوجيا، فقد لا تتلاءم الآن بشكل كامل مع واقع الاقتصاد الرقمي سريع التطور. ويجب على واضعي السياسات النظر في تكييف هذه الحوافز لتحسين دعم اعتماد تقنيات الحوسبة السحابية والبيانات الضخمة والذكاء الاصطناعي والتي تُعد ضرورية لتحقيق النمو والقدرة التنافسية في المستقبل.
* خبراء في البنك الدولي
بلومبرغ
ما يزال ديار خال يتذكر بجلاء لحظة وصوله إلى ألمانيا في 16 ديسمبر 2014، وكان ذلك بعد السادسة مساءً ببضع دقائق. كانت تلك اللحظة بمثابة نهاية فترة ضياع طويلة منذ فراره من الحرب الأهلية في سوريا في سن الثانية عشرة، تلتها ثلاث سنوات من العمل لساعات طويلة في وظائف شاقة في تركيا.
في ذلك الوقت، كان لا يعلم سوى أن ألمانيا هي موطن ”مرسيدس-بنز“، لكن بعد مضي أكثر من عقد بقليل بات يتحدث الألمانية بطلاقة، ويعيش في مدينة مانهايم الصناعية، ويُوظّف 15 شخصاً بدوام كامل في شركته الناشئة التي تُطوّر تطبيقاً يهدف إلى مساعدة المهاجرين على التغلّب على البيروقراطية الألمانية. إنها قصة نجاح غالباً ما يتجاهلها الجدل المحتدم حول الهجرة في ألمانيا.
السعي لموظفين جدد يدفع الشركات للترحيب باللاجئين
حصل أكثر من 83000 سوري على الجنسية الألمانية العام الماضي، وهي أكبر مجموعة بفارق كبير. وبات نحو ثلثي اللاجئين الذين وصلوا بين عامي 2013 و2019 يشغلون وظائف الآن، وهذا معدل توظيف يقل 9 نقاط مئوية فقط عن المتوسط الوطني، وفقاً لمعهد أبحاث التوظيف.
عندما بدأت الأزمة، كان يمكن اعتبار انخراط نصف اللاجئين في العمل نجاحاً، نظراً للعوائق الكبيرة أمام الاندماج، كما بيّن هربرت بروكر، رئيس دراسات الهجرة في المعهد الذي تموله الدولة، أضاف: “هناك تكاليف باهظة في البداية”، ولكن مع بدء اللاجئين العمل، لم يعودوا يشكلون عبئاً على المالية العامة. الكأس بات ممتلئاً ولا يوصف بأنه نصف فارغ”.
دور قابل للتعاظم
في الواقع، يمكن للمهاجرين أن يستمروا بإعادة ملء الكأس، حسب مارتن فيردينغ، عضو المجلس الألماني للخبراء الاقتصاديين، الذي يقيّم سياسات الحكومة. ويقدّر أنه في ظل المستوى الحالي للهجرة، سيساهم كل وافد جديد بمبلغ 7100 يورو (حوالي 8300 دولار) في ميزانية الدولة سنوياً في العقود المقبلة- أي حوالي 3 مليارات يورو سنوياً.
يعود ذلك أساساً إلى أن الهجرة تُضيف دافعي ضرائب شباب إلى القوى العاملة، ما يُوزّع نفقات المعاشات التقاعدية على عدد أكبر من الناس. قال فيردينغ: “الجدل يشهد استقطاباً كبيراً. من المنظور الديموغرافي، نحن نعتمد على الهجرة”.
تُعدّ ألمانيا بؤرة أزمة الهجرة في أوروبا منذ رحّبت المستشارة السابقة أنغيلا ميركل قبل عقد من الزمن بالسوريين وغيرهم من الفارين من الصراع. وقد أثار ذلك ردود فعل عنيفة ما تزال تتردد في جميع أنحاء المنطقة، حيث يستغلّ الشعبويون اليمينيون المتطرفون القلق لقلب النظام السياسي رأساً على عقب من إيطاليا إلى المملكة المتحدة.

بلغ خال من العمر 26 عاماً، وله شقيق يعمل شقيقه طبيباً في دوسلدورف وشقيقة ستباشر عما قريب العمل كمُدرّسة في شتوتغارت. قال: “في أيامي الأولى، كان الوضع أكثر ترحيباً”. لكن مع إلقاء اللوم على الأجانب في مشكلات مثل ارتفاع الإنفاق على الرعاية الاجتماعية ونقص المساكن، يقول: “أحياناً لا أشعر بالرغبة بأن أقوم بدوري”.
شيخوخة ألمانيا
فيما تزيد نسبة الشيوخ بين سكانها، تحتاج ألمانيا إلى الهجرة للحفاظ على قوتها العاملة، بواقع 400 ألف شخص جديد سنوياً، أو ما يفوق سكان بون، وفقاً لمركز ”دي إي فيه“ (DIW) للأبحاث. لكن بدلاً من الاستفادة من إمكانات طالبي اللجوء، منعت الدولة في البداية عملهم فحرمت نفسها من مهاراتهم وخبراتهم.
كما ارتكبت السلطات الألمانية أخطاءً أخرى، مثل تسكين اللاجئين في الأرياف. وبرغم توفر السكن ورخص ثمنه، إلا أنه يُعقّد عملية الاندماج، إذ غالباً ما تشهد هذه المناطق ارتفاعاً في معدلات البطالة.
لكن حتى في هذه المناطق، نجد قصص نجاح مثل قصة ريان الشبل ابن الأقلية الدرزية السورية الثلاثيني، الذي فرّ خشية التجنيد الإجباري في جيش بشار الأسد في عام 2015.
بعد عامين من وصوله إلى ألمانيا، بدأ تدريبه في الحكومة المحلية لمدينة ألتينغستيت، وهي بلدة يبلغ عدد سكانها حوالي 8000 نسمة وتقع في الغابة السوداء، وحصل على الجنسية الألمانية في 2022. في العام التالي، انتُخب رئيساً لبلدية أوستلسهايم، وهي بلدة صغيرة مجاورة، وحصل على 55% من الأصوات.
قال الشبل وهو يعتريه القلق إزاء هجمات على أقاربه في سوريا حديثاً: “بالطبع، قد تفكر في العودة في وقت ما. لكن مع مرور الوقت، اتضح أن الأمر لن يكون سهلاً… الآن أشعر وكأنني في وطني هنا”.
غالباً ما يعاني اللاجئون لدى وصولهم بسبب تعرضهم لصدمات نفسية، وقلة من يتحدثون الألمانية بينهم، وافتقارهم إلى مهارات العمل. كان هذا حال خال، الذي فرّ من سوريا إلى تركيا وقضى سنوات مراهقته المبكرة يعمل لإعالة أسرته. عندما وصل إلى ألمانيا، واجه صعوبة في مواصلة دراسته وعانى من الاكتئاب.
أصبح في نهاية المطاف أول لاجئ يشارك في تدريب مهني لدى شركة ”روبرت بوش“ لتصنيع مكونات منتجات صناعية. ثم في عام 2020، بدأ دراسة الأمن السيبراني في مانهايم، وفي عام 2022 أسس تطبيقه “نيوستارترز” للمهاجرين. قال: “لو استطعت التحدث إلى السيد ميرتس، لقلت له: من فضلك لا تُركز كثيراً على الهجرة. الاندماج هو الأهم”.
لكن الدعم المالي الحكومي لتعليم اللغات وغيره من المساعدات للوافدين الجدد يتعرض لضغوط متزايدة مع خفض الساسة للإنفاق الاجتماعي. تقول جمعية “يوهانيتر”، وهي جمعية خيرية مسيحية تقدم مساعدات إنسانية في ألمانيا وحول العالم، إن المواقف حيال هذه القضية تشدّدت. تقول آن إرنست، التي تعمل في إدارة الأزمات مع المجموعة: “كان الدعم هائلاً” في 2015، لكن الآن، أصبح المواطنون العاديون أقل استعداداً للتبرع بوقتهم وأموالهم.
حاول المستشار فريدريش ميرتس تهدئة المشاعر المعادية للهجرة من خلال وعده بكبح الهجرة غير النظامية. وقد شدّد الرقابة على الحدود، مانعاً دخول اللاجئين برغم وجود أمر قضائي بوقف هذه الممارسة. واستجابت بولندا بفرض ضوابطها الخاصة، فوترت التضامن الأوروبي. وفي يوليو، قال وزير الداخلية ألكسندر دوبريندت للمشرعين الألمان: “نحن نحول موجة الهجرة إلى انعطافة إلى الوراء”.
أصرّ ميرتس على أن هذه الاستراتيجية ستُضعف من صعود حزب البديل من أجل ألمانيا. وقد أصبح هذا الحزب اليميني المتطرف المناهض للهجرة ثاني أقوى كتلة في البوندستاغ، ويُضيّق الفجوة مع الكتلة المحافظة الحاكمة.
لكن هناك شكوك جدية حول فعالية هذه الإجراءات، سواء في الحد من الهجرة أو في إضعاف حزب البديل لألمانيا، الذي تُظهر استطلاعات الرأي أنه يحظى بدعم ربع الناخبين الألمان.

تقول شهامة بطرس، التي فرت من دمشق إلى برلين منذ نحو 10 أعوام، إن مثل هذه المواقف تُضخّم الانطباعات السلبية عن الهجرة وتُنفّر القاطنين هنا. أضافت المرأة، التي تعمل بدوام كامل كمديرة في منظمة مسيحية تُساعد الأطفال والمراهقين الذين يواجهون صعوبات: “لا أفهم هذه العقلية. عندما يطلقون عبارات من قبيل: أخرجوا اللاجئين، ماذا يمكنني أن أفعل؟ أنا لم أرتكب أي خطأ”.
عندما وصلت بطرس مع ابنتيها وزوجها، لم يكن أيٌّ منهم يتحدث الألمانية. تدرس ابنتها الكبرى الآن الطب في هامبورغ، بينما ستبدأ الصغرى دراستها الجامعية في بيليفيلد في خريف هذا العام. تقول المرأة الخمسينية: “إنهما مستعدتان للعب دورٍ في هذا المجتمع. لم يكن البدء من الصفر سهلاً، لكن هدفي كان منح أطفالي كل فرصة ممكنة”.
أسواق جو
لم تسفر قمة ألاسكا، التي راقبها العالم يوم الجمعة 15 أغسطس/ آب بين الرئيسين الأميركي دونالد ترامب والروسي فلاديمير بوتين عن أي اتفاق فعلي معلن لإنهاء الحرب في أوكرانيا، لكن الزعيمين كررا القول إن المحادثات جيدة وبناءة، مما يؤشر إلى بعض المكتسبات التي تمهد الطريق نحو اجتماعات أكثر عمقاً للملفات الصاخبة.
التقى ترامب وبوتين يوم الجمعة في أنكوريج، في أول لقاء مباشر بين الزعيمين الأميركي والروسي منذ بدء الحرب في أوكرانيا مطلع عام 2022.
لم يخرج الرئيسان باتفاق يتلونه على العالم الذي جلس منتظراً ما ستؤدي إليه المباحثات بين الدولتين التين تخوضان حرباً باردة منذ سنوات.
اللقاء الذي استمر نحو ثلاث ساعات، أذاب جليد العلاقات بالشكل، فالرئيس الروسي وطأ للمرة الأولى منذ سنوات أرضاً أميركية بعد مقاطعة غربية وسط صراع على النفوذ والسيطرة في عالم متعدد الأقطاب.
ووفق فاينانشال تايمز يوم الأحد 16 أغسطس/ آب، أبرز ما جاء في اللقاء إبلاغ بوتين ترامب أنه مستعد لتخفيف بعض المطالب الإقليمية في أوكرانيا مقابل حصول روسيا على السيطرة الكاملة على إقليم دونيتسك.
أما ما يمكن استخلاصه مما جرى في جلستهما المغلقة، التي انتهت دون وقف إطلاق النار الذي كان ترامب يُصرّ على ضرورة التوصل إلى اتفاق سلام، فهو ستة نقاط رئيسية من القمة في أنكوريج، وفق نيويورك تايمز، التي رأت أن الزعيم الروسي حصد بعض المكاسب وغادر وهو على علاقة ودية مع نظيره الأميركي.
ما يمك استنتاجه أولاً، هو أنه بعد لقاء دام قرابة 3 ساعات، غادر ترامب وبوتين ألاسكا من دون الإعلان عن أي اتفاق أو تحديد مجالات محددة يتحقق فيها تقدم.
بحسب نيويورك تايمز، رغم أن بوتين قال إن الزعيمين توصلا إلى اتفاق “لتمهيد الطريق نحو السلام في أوكرانيا”، أوضح ترامب أن هناك مجالات لا تزال موضع خلاف.
وذكرت أن كلا الرئيسين ألمح بشكل غامض إلى إحراز تقدم، لكنهما لم يقدما أي توضيحات بشأن القضايا التي ناقشاها أو ما تم الاتفاق عليه، كما لم يحدد ترامب نقاط الخلاف المتبقية.
مكاسب بوتين
في المقابل حصد بوتين مكسباً حتى قبل وصوله إلى الولايات المتحدة، فبعد سنوات من العزلة الغربية، عاد إلى الأراضي الأميركية لأول مرة منذ عقد، واستُقبل بمقاتلات أميركية، وسجادة حمراء، وركب “الوحش”، السيارة الرئاسية المصفحة الخاصة بترامب.
مكسب بوتين الثاني، هو إنهائه اللقاءمن دون تقديم تنازلات كبيرة، محتفظاً بعلاقة ودية مع ترامب. وذلك بعد تكرار الرئيس الأميركي انزعاجه من بوتين، معتبراً إياه عقبة أمام وقف إطلاق النار والتوصل إلى اتفاق سلام لإنهاء الحرب في أوكرانيا.
لكن يوم أمس الجمعة لم يُبدِ ترامب أي علامة على الإحباط من نظيره الروسي، رغم اعترافه بعدم التوصل إلى اتفاق، فبدا مرتاحاً بل أعطى اللقاء علامة 10/10 في تصريحاته فوكس نيوز بعد اللقاء.
الود بين ترامب وبوتين
وفق ملاحظة نيويورك تايمز، الاجتماع عقد على أرض أميركية، لكن ترامب سمح لبوتين بأن يتحدث أولاً في ظهورهما المشترك. واستغل الزعيم الروسي الفرصة لعرض وجهة نظره حول الصراع في أوكرانيا وما وصفها بالأسباب الجذرية للحرب.
ولم يكرر ترامب إصراره السابق على أن يكون وقف إطلاق النار الفوري هو نتيجة الاجتماع، حيث بدا ترامب هادئاً ومقتنعاً على غير عادته في الاطلالات الصحافية، التي يتحدث فيها بجرأة وأحياناً يتجاوز الأصول الدبلوماسية ما لم يعجبه شيء.
مكسب ترامب
ترامب لم يخرج بالكثير من المكاسب من اللقاء، لكنه حصل على أمرين مهمين له، وفق الصحيفة.
الأول: يتمثل في استغلال اللقاء لتجديد هجومه على التحقيقات المتعلقة بتواطؤ حملته مع الروس في انتخابات 2016، والتي وصفها مرة أخرى بأنها “خدعة”.
والثاني: إشادة بوتين به، حيث أكد شيئاً لطالما تحدث عنه ترامب، وهو أن الحرب الروسية على أوكرانيا في مطلع 2022 لم تكن لتحدث لو كان ترامب في السلطة آنذاك.
ترامب وزيارة روسيا
حين بدأت التحضيرات السريعة للقمة في ألاسكا، تساءل البعض عمّا إذا كان ترامب سيقوم بزيارة رمزية للبلد المجاور، نظراً لقرب الولاية من روسيا (أقل من 96 كيلومتراً)،.
هذا الأمر لم يحدث، لكن أحد المقربين من ترامب أشار قبل أيام إلى أن زيارة له لموسكو قد تكون ممكنة لاحقاً. ولهذا ربما لم يكن الأمر مجرد مزحة حين اقترح بوتين في اللحظات الأخيرة أن يعقدا اجتماعهما القادم في العاصمة الروسية.
وبدا ترامب متقبلاً للموضوع، وقال مبتسماً ورافعاً حاجبيه: “هذه فكرة مثيرة، لا أدري، سأتعرض لبعض الضغوط بسببها. لكن أعتقد أنها قد تحدث”.
غياب زيلينسكي
الرجل المعني أكثر بقمة ألاسكا، الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، غاب عن المشهد بقي يشاهد القمة عبر التلفاز مع بقية العالم مثل سائر المشاهدين.
فلم يدع زيلينسكي إلى القمة رغم أن ترامب اتصل به وبقادة حلف الشمال الأطلسي الناتو بعد مغادرته ألاسكا لإطلاعهم على تفاصيل الاجتماع.
لكن من دون أي اتفاق ملموس، يبقى زيلينسكي وبلاده غارقين في حرب منهكة مع روسيا، ومن دون الضمانات القوية بالدعم العسكري الأميركي التي كانوا يحصلون عليها في عهد إدارة بايدن، بحسب خلاصة نيويورك تايمز.
الجانب الاقتصادي
في تحليل آخر يلامس الجانب الاقتصادي، يرى المجلس الأطلسي Atlantic Council أن القمة مكسب رمزي واقتصادي لموسكو، لأنها أعطت شرعية ضمنية لدور روسيا كمحاور في ملفات الطاقة والعقوبات.
في المقابل، يرى المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية ECFR أن اختيار ألاسكا يضع القطب الشمالي في صلب المعادلة الاقتصادية المقبلة، حيث تتقاطع الطاقة الأحفورية مع المعادن الاستراتيجية.
أما مجلة بوليتيكو Politico الأميركية فتشير إلى أنه حتى من دون اتفاق، خرج بوتين رابحاً بالاعتراف الضمني بأهمية روسيا في معادلة الطاقة العالمية.
وفي السياق اعتبرت صحيفة واشنطن بوست، إن ترامب أراد استخدام اللقاء للضغط نحو اتفاق يخفّف القيود على بعض الصادرات الروسية مقابل ترتيبات أمنية، وهو ما قد ينعكس على أسعار النفط والغاز في الأسواق العالمية.
متى تكون إستراتيجية السُلّم مناسبة؟
سداد الديون
الادخار لهدف محدد بتاريخ معين
تأمين تدفق نقدي ثابت
أسئلة يجب طرحها
يتميز بنك اليابان بنهج فريد في قياس التضخم، يختلف عن الممارسات المتبعة في معظم البنوك المركزية الكبرى حول العالم. فبدلاً من الاعتماد بشكل أساسي على مؤشر أسعار المستهلكين الإجمالي، كما تفعل العديد من الدول، يتبنى بنك اليابان إطاراً أكثر شمولاً يأخذ في الاعتبار مجموعة واسعة من المؤشرات والتحليلات.
هذا النهج المتعدد الأوجه يسمح للبنك بالتمييز بين التقلبات المؤقتة في الأسعار والاتجاهات التضخمية المستدامة، ما يمكنه من اتخاذ قرارات سياسة نقدية أكثر دقة وتوازناً، ومن جملة التناغم بين هذه المقاييس يمكن للبنك اتخاذ قرارات سياسية نقدية متوازنة وتعزيز الاستقرار الاقتصادي بعيد الأجل.
بلومبرغ
واجه صُناع السياسات في أوروبا العديد من المفاجآت منذ عودة دونالد ترمب إلى البيت الأبيض، وكانت واحدة من أكبر هذه المفاجآت هي احتمالية أن ينافس اليورو الدولار الأميركي القوي.
ارتفعت قيمة اليورو وسط تأثر المستثمرين بالصدمات التجارية القادمة من واشنطن. وأصبح الآن مجموعة من صُناع السياسات المتحمسين يدفعون العملة الموحدة لتصبح بديلاً حقيقياً للدولار الأميركي باعتبارها أحد الأعمدة الأساسية للنظام المالي العالمي.
وفي مايو، صرحت كريستين لاغارد، رئيسة البنك المركزي الأوروبي، أن الشكوك حول دور الدولار “تٌهيئ الفرصة أمام لحظة ‘اليورو العالمية'”.
ثم وضعت لاغارد خطة لاغتنام هذه الفرصة. كما هو المعتاد في الاتحاد الأوروبي، أُدرج الموضوع على جدول أعمال قمة عُقدت في يونيو، حيث أبدى القادة موافقتهم، قبل أن يعيدوا تفاصيل التنفيذ إلى المسؤولين في بروكسل وفرانكفورت.
لكن لينافس اليورو الدولار بشكل حقيقي، سيتعين على منطقة اليورو التغلب على خلافات داخلية وانقسامات متعددة. إن تعزيز التكامل بين أسواق رأس المال لدول التكتل سيجعلها أكثر عمقاً وسيولة، مما سيوفر حوافز أكبر للمستثمرين للاحتفاظ بالأصول المقومة باليورو. بالإضافة إلى ذلك، قد يؤدي إصدار الديون الحكومية بشكل مشترك إلى توفير بديل لسندات الخزانة الأميركية للمستثمرين الذين يبحثون عن أصول منخفضة المخاطر.
مع ذلك، عانت مثل هذه المشاريع من صعوبة في البدء على مدار عقود، ولا يزال الشك يحيط فيما إذا كانت هذه المرة ستكون مختلفة.
مساهمة اليورو في النظام العالمي
يقول غونترام وولف، أستاذ في كلية سولفاي للاقتصاد والإدارة في بروكسل، والذي قدم استشارات متكررة لوزراء مالية منطقة اليورو: “أنا متفائل وأعتقد أن أوروبا ستتخذ خطوات في هذا الاتجاه. لكن، من وجهة نظري الواقعية، فإن هذه الخطوات لن تكون كبيرة بما يكفي لجعل اليورو منافساً حقيقياً للدولار الأميركي”.
كان التكامل الإقليمي هو الدافع الرئيسي لإنشاء عملة موحدة، إلا أن وراء ذلك تكمن غيرة فرنسا من “الامتياز الباهظ” الذي يتمتع به الدولار، وهو مصطلح صاغه وزير المالية الفرنسي في الستينيات، فاليري جيسكار ديستان (الذي أصبح لاحقاً رئيساً للبلاد).
كما أكدت لاغارد، التي كانت أيضاً وزيرة مالية سابقة في فرنسا، على المزايا الخاصة لامتلاك عملة مهيمنة على المستوى العالمي أثناء خطابها في مايو. وتشمل هذه المزايا انخفاض تكاليف الاقتراض للحكومات والشركات، إضافة إلى الحماية من تقلبات أسعار الصرف والعقوبات.
يتذكر أوتمار إيسينغ، أحد القائمين على إصدار اليورو في بداياته، كيف ظلت الطموحات الفرنسية حاضرة عندما أصبح أول كبير اقتصاديين في البنك المركزي الأوروبي عام 1998. لكنه عارض آنذاك الترويج النشط لما يسمى بتدويل العملة، قائلاً: “كان هناك خطر في ذلك الوقت من إثقال كاهل البنك المركزي الأوروبي واليورو بطموحات سياسية”.
مع ذلك، ازدادت أهمية اليورو إلى أن اندلعت الأزمة المالية العالمية وما تبعها، حيث بدأ اليورو وقتها في التراجع مجدداً.
وأظهر تقرير حديث من البنك المركزي الأوروبي أن الاستخدام الدولي للعملة بقي ثابتاً عند 19% من المعاملات في 2024، مع حصة 20% في احتياطيات النقد الأجنبي. وهذه الأرقام تُمثل تقريباً ثُلث أرقام الدولار.
تأثير سياسات ترمب على اليورو
تسببت تدابير ترمب الجمركية وهجماته على بنك الاحتياطي الفيدرالي في تغير الأوضاع. فلم تعد السندات الأميركية تُعتبر الملاذ الآمن كما كانت في السابق، حيث ذكر استراتيجيون في استطلاع حديث أجراه بنك الاستثمار الفرنسي “ناتيكسيس” (Natixis) أن “الاضطراب في سوق الخزانة” يُعد أكبر خطر يهدد الأسواق المالية.
في الوقت نفسه، مع تحول ألمانيا نحو سياسة مالية أكثر مرونة، ما أثار آمالًا في النمو، بدأ الاهتمام باليورو في الارتفاع.
يقول فريدريك دوكروزيت، رئيس قسم أبحاث الاقتصاد الكلي لدى “بيكيت ويلث مانجمنت” (Pictet Wealth Management): “عندما يبدأ العملاء وزملاء العمل، من النمسا وألمانيا وسويسرا، بالقلق الشديد بشأن الدولار ويتجهون نحو التأييد لأوروبا، فإنك تعرف أن هناك تغييراً قد حدث”.
تحذر لاغارد من الاستهانة بصعود اليورو، فقد قالت في خطابها: “علينا أن نستفيد من هذه الفرصة”. وأضافت أن البنك المركزي الأوروبي يقوم بدوره من خلال العمل على إنشاء يورو رقمي، مشددة على ضرورة تحرك القادة السياسيين في أوروبا أيضاً لتحقيق هذا الهدف.
وأكدت على ثلاثة أسس حاسمة لتصبح العملة أكثر هيمنة، وهي: الالتزام الراسخ بالتجارة الحرة بدعم من القوة العسكرية، وتعميق أسواق رأس المال، والحفاظ على سيادة القانون.
في العديد من المجالات، يمتلك الاتحاد الأوروبي الكثير ليقدمه. فالتجارة الحرة الداخلية موجودة بالفعل، وباعتباره مُصدراً صافياً، فإنه يدعم التجارة المفتوحة. كما أن الالتزام بسيادة القانون يعد من الشروط الأساسية للعضوية.
كما كانت خطوات أوروبا لإعادة تسليح نفسها، بتشجيع من ترمب، ذات مغزى. لكن الاتحاد تأخر في مجال التمويل.
تقول لينا كوميليفا، كبيرة الاقتصاديين في “جي بلس إيكونوميكس” (G Plus Economics)، إن “أكبر العوائق أمام قيادة اليورو، في ظل بيئة دولية مجزأة وطلب عالمي متزايد من المستثمرين على الملاذات الآمنة البديلة للدولار، هي تجزئة السوق الأوروبية نفسها ونقص السيولة في أسواق الديون المقومة باليورو”.
عوائق تعرقل أسواق رأس المال الأوروبية
تُشكل أسواق السندات داخل الاتحاد الأوروبي مجتمعةً ثلث حجم السوق الأميركية، كما أن رأس المال الاستثماري يتأخر بشكل كبير أيضاً. ومن شأن سوق رأس مال موحد أن يوفر للشركات مصدر تمويل إضافي، بجانب القروض المصرفية السائدة، ويسمح باستثمارات عابرة للحدود بأسعار معقولة وآمنة، كما يمكن أن يجذب رأس المال الأجنبي.
لكن “المصالح الوطنية”، كما أشارت لاغارد في نوفمبر الماضي، تشكل عقبة كبيرة. لذا، يجب توحيد قواعد الرقابة على الأسواق وأنظمة الضرائب وقوانين الإفلاس. وأوضحت لاغارد أن أكثر من 100 محاولة للتقدم في أسواق رأس المال قد باءت بالفشل منذ عام 2015. ولا يوجد سبب واحد لذلك، بل إن الدول الصغيرة ذات المراكز المالية الكبرى مثل أيرلندا ولوكسمبورغ لها مصالح واضحة تسعى لحمايتها، بالإضافة إلى وجود عدد كبير من جماعات الضغط التي تعمل أيضاً.
فعلى سبيل المثال، ترغب بنوك “سباركايسن” الألمانية، والتي تعمل في الغالب كمؤسسات ادخار محلية، في حماية أعمال الإقراض الخاصة بها من التحولات نحو تمويل أسواق رأس المال، الذي غالباً ما تهيمن عليه البنوك الكبيرة.
ويقول يوهانس ليندنر، المدير المشارك في مركز “جاك ديلورز”، وهو مركز أبحاث مقره برلين: “هذه مسألة صعبة الحل، لأن القضايا الوطنية والأوروبية متشابكة، وهناك العديد من المصالح المختلفة التي تلعب دوراً في هذا”.
من جانبه، يقول مسؤول كبير في منطقة اليورو، تحدث بشرط عدم الكشف عن هويته، إن إحدى الأفكار الجذرية التي طرحتها لاغارد، تتمثل في تجاوز التنسيق بين القواعد للدول الأعضاء الـ27 في الاتحاد الأوروبي من خلال إنشاء ولاية قضائية افتراضية رقم 28 يمكن للشركات اختيار الانضمام إليها، قد تحدث “تغييراً جذرياً”. لكنه أضاف أن هذه الفكرة ليست مدرجة على الأجندة السياسية.
التحديات المالية أمام هيمنة اليورو
يُعد التمويل المشترك للسندات الحكومية مسألة مثيرة للجدل، ويرجع ذلك بشكل رئيسي إلى أن الدول الغنية مثل ألمانيا لا ترغب في تمويل نظرائها المثقلين بالديون مثل إيطاليا. وهذا يجعل المستثمرين يقيمون كل مُصدر وطني على حدة، مع وجود بعض سندات اليورو فقط التي تُعتبر أصولاً فائقة الأمان.
وأشارت لاغارد مؤخراً إلى أن السندات السيادية التي تحمل تصنيفاً لا يقل عن “أيه أيه” (AA) تشكل أقل من 50% من الناتج المحلي الإجمالي في أوروبا، مقارنةً بأكثر من 100% في الولايات المتحدة.
إيزابيل شنابل، زميلة لاغارد في المجلس التنفيذي للبنك المركزي الأوروبي، تعتقد أن تنمية سوق السندات الأوروبية شرطاً أساسياً حتى يلعب اليورو دوراً أكبر على الساحة العالمية. ودعت إلى إحياء النقاش حول زيادة تمويل الاتحاد الأوروبي للسلع العامة المشتركة مثل الدفاع. ويستند ذلك إلى سابقة أنشأها الاتحاد الأوروبي في عام 2020 لإنشاء صندوق تعافي مشترك بقيمة 750 مليار يورو (870 مليار دولار) للمساعدة في إصلاح الأضرار الناجمة عن الجائحة.
قد يأتي الزخم السياسي أيضاً من خطة الاتحاد الأوروبي لإعادة تسليح أوروبا، التي تهدف إلى تعبئة ما يصل إلى 800 مليار يورو للاستثمار العسكري.
يقول ماسيميليانو كاستيلي، رئيس الأسواق السيادية العالمية لدى “يو بي إس أسيت مانجمنت” (UBS Asset Management): “إذا زاد إصدار السندات على المستوى الأوروبي بدلاً من المستوى الوطني، فإن ذلك سيخلق سوقاً أكثر سيولة لليورو وللسندات الحكومية لمنطقة اليورو، لكن هذا لا يزال مجرد سيناريو، لأن أوروبا غالباً ما تعد، ثم تخل بوعودها”.
وفي هذا الصدد، يبدي إيسينغ استياءه من فكرة الديون المشتركة، بما يتماشى مع الفكر المالي الألماني المحافظ. ولا يزال يشكك في سعي البنك المركزي الأوروبي لتعزيز دور اليورو عالمياً. ويقول إن “قرار استخدام اليورو كعملة دولية يعود إلى الأجانب أو البنوك المركزية أو الجهات الفاعلة الخاصة”.
واختتم: “بالنسبة للبنك المركزي الأوروبي، من المهم إقناع المستثمرين الدوليين بإمكانية الاعتماد على استقرار اليورو إلى أجل غير مسمى”.
أما إذا تجاوزت الدول حد الـ13846 دولاراً فتتحول إلى قائمة الاقتصادات مرتفعة الدخل، ولكن من المتوقع أن تواجه الصين تحديات عديدة لتجاوز هذا الحد، في ما يطلق عليه «شرك الطبقة المتوسطة».
بيانات سلبية
شرك الطبقة المتوسطة
طريق الخروج
التوزيع الإقليمي
شهدت العلاقات التجارية بين الولايات المتحدة والهند تصعيداً كبيراً بعد أن قرر الرئيس الأميركي دونالد ترمب رفع الرسوم الجمركية على البضائع الهندية إلى 50%، متجاوزاً بذلك المعدلات المفروضة على شركاء تجاريين آخرين مثل كوريا الجنوبية والاتحاد الأوروبي واليابان.
يمثل هذا التصعيد تحولاً لافتاً في العلاقة الودية التي كانت تربط ترمب ورئيس وزراء الهند ناريندرا مودي، والتي كان العالم يظن بسببها أن نيودلهي ستحصل على أول أو ثاني صفقة تجارية بالكثير وسط إطلاق العديد من التصريحات الدافئة من الطرفين.
في التقرير التالي نحاول استعراض الأسباب المحتملة وراء تصاعد الخلافات بين أكبر اقتصاد في العالم والخامس من حيث الحجم، وتأثير ذلك على الاقتصادين الهندي والأميركي، والمحاولات التي تبذلها نيودلهي لمعالجة الموقف.
شرارة الخلاف التجاري
ساهمت عدة عوامل تشمل سوء التقدير السياسي والفشل في قراءة الإشارات والتوترات المتراكمة بين الهند والولايات المتحدة في انهيار اتفاق تجاري بين أكبر وخامس أكبر اقتصاد في العالم، رغم التقدم الكبير في المفاوضات، حسبما نقلت “رويترز” عن مسؤولين من الجانبين الهندي والأميركي في يونيو الماضي.
فبعد خمس جولات من المفاوضات التجارية، كان المسؤولون الهنود واثقين جداً من إبرام اتفاقية مُرضية مع الولايات المتحدة. مع ذلك، فرض ترمب رسوماً جمركية مرتفعة للغاية (50%) على البضائع الهندية، بسبب استمرارها في شراء الطاقة الروسية، حيث تحصل الهند على نحو 37% من وارداتها النفطية من روسيا. وتُباع تلك الشحنات بخصم عن أسعار السوق.
من جانبه، صرح مودي بأن بلاده تُستهدف بشكل غير عادل من قبل الولايات المتحدة، مدافعاً عن استهلاك النفط الروسي باعتباره “ضرورياً” لدعم الاقتصاد الهندي.
اقرأ أيضاً: بعد رسوم ترمب.. هل تلجأ الهند إلى استيراد النفط من الشرق الأوسط بدلاً من روسيا؟
الهند وفخ الثقة الزائدة
كانت الهند تعتقد أنها قدمت تنازلات كبيرة بالفعل بعد زيارات وزيري التجارة ونائب الرئيس الأميركي، مثل إلغاء الرسوم على 40% من الصادرات الأميركية الصناعية وخفض تدريجي للرسوم على السيارات والكحول.
كما وافق مودي على مضاعفة التجارة الثنائية إلى 500 مليار دولار بحلول 2030، مع التزام بشراء طاقة ودفاع أميركية بقيمة 25 مليار دولار.
لكن على ما يبدو فقد بالغت الهند في الثقة بعد تصريحات ترمب عن اتفاق وشيك، مما أدى إلى تشددها خصوصاً في ملفي الزراعة ومنتجات الألبان.
قال مصدر مقيم في واشنطن مطلع على المحادثات: “كان ترمب يريد إعلاناً ضخماً يجذب الانتباه مع توسعة الوصول إلى السوق، واستثمارات، ومشتريات كبيرة”. واعترف مسؤول هندي بأن نيودلهي لم تكن مستعدة لمضاهاة ما قدمه الآخرون، وفق “رويترز”.
فيما صرح مارك لينسكوت، الممثل التجاري الأميركي السابق “في مرحلة ما، كان الجانبان قريبين جداً من توقيع الاتفاق” وأضاف: “العنصر المفقود كان وجود خط اتصال مباشر بين الرئيس ترمب ورئيس الوزراء مودي”.
نيران صديقة بين ترمب ومودي
اتهم ترمب حكومة مودي برفض تسهيل وصول السلع الأميركية إلى السوق الهندية، وانتقد انضمام الهند إلى مجموعة “بريكس” للاقتصادات النامية. وكانت الهند مترددة في فتح أسواقها أمام المنتجات الزراعية الأميركية على وجه الخصوص، بهدف حماية قطاعي الزراعة والألبان.
من جانبه، قال مودي في أول تصريح بعد فرض الرسوم “إنه لن يساوم على مصالح مزارعي البلاد حتى لو اضطر لدفع ثمن باهظ. وبالنسبة لنا، رفاهية مزارعينا هي الأسمى”، وفق صحيفة ” إيكونوميك تايمز أوف إنديا”.
وأضاف رداً على قائمة رغبات ترمب: “الهند لن تساوم أبداً على صحة مزارعيها وقطاع الألبان وصيادي الأسماك. وأعلم شخصياً أنني سأدفع ثمناً باهظاً بسبب ذلك”.
كما كثف ترمب هجماته ضد الهند في الأيام الأخيرة، واصفاً اقتصادها بـ”الميت”، وحواجزها الجمركية بـ”البغيضة”، وشعبها بأنه غير مبالٍ بمعاناة الأوكرانيين. وفي منشور على منصة “إكس” كتب ترمب بوضوح: “لا أهتم بما تفعله الهند مع روسيا… يمكنهما هدم اقتصادهما المتهالك معاً”.
دانيال لام، رئيس قسم استراتيجيات الأسهم في “ستاندرد تشارترد ويلث سوليوشن”، قال خلال مشاركته في موضوع حلقة “تقرير آسيا” على قناة “الشرق” مؤخراً ، إن ترمب يهدف من خلال قراره هذا إبعاد الهند عن روسيا أو أي تحالفات يعتبرها معادية مثل مجموعة دول “بريكس”، لكنه يرى أن من الصعب على الهند التخلي عن السلع الروسية أو اتباع نهج يخالف سياستها الوسطية التي لطالما تبنتها.
تقارب مع خصوم واشنطن
يُعتبر التقارب الهندي الروسي الصيني أكبر خطر يواجه الولايات المتحدة حالياً في ظل الحرب التجارية، حيث أصبحت الهند وروسيا أكثر قرباً من موسكو بسبب سياسات ترمب التجارية، ويعتزم مودي القيام بزيارة الرئيس الصيني شي جين بينغ نهاية أغسطس الجاري.
كما وجه مودي دعوة إلى الرئيس الروسي فلاديمير بوتين لزيارة بلاده لحضور القمة السنوية الهندية- الروسية في وقت لاحق من العام الجاري في الهند.
وفي أعقاب إعلان الرسوم الأميركية، وقّعت الهند اتفاقات مع روسيا لتعزيز التعاون في مجالات علوم وتكنولوجيا الفضاء، والمعادن النادرة، والألمنيوم، والأسمدة، والنقل بالسكك الحديدية، وغيرها من القطاعات. وفي اليوم التالي، التقى مستشار الأمن القومي الهندي أجيت دوفال مع بوتين على هامش اجتماع مستشاري الأمن القومي لدول “بريكس” في مدينة سان بطرسبورغ.
وإلى جانب هذا المثلث، تحدث مودي كذلك مع الرئيس البرازيلي لويس إيناسيو لولا دا سيلفا -الذي وقع ترمب أمراً تنفيذياً بفرض 50% رسوم على بلاده- لبحث فرض التعريفات الجمركية الأحادية ضد بلديهما، وجدد خطط تعزيز العلاقات التجارية.
على الجانب الآخر، علقت الهند خططاً لشراء أسلحة وطائرات أميركية جديدة وفقاً لثلاثة مسؤولين تحدثوا إلى “رويترز”. وأفاد مسؤولان بأن الهند كانت تعتزم إرسال وزير الدفاع راجنات سينغ إلى واشنطن في الأسابيع المقبلة للاتفاق على عقود أسلحة، ولكن الرحلة أُلغيت.
“رويترز” نقلت عن أحد المسؤولين قوله إنه من الممكن المضي في المشتريات الدفاعية بمجرد أن تتضح الرؤية بشأن الرسوم الجمركية واتجاه العلاقات الثنائية، لكن “ليس بالسرعة التي كان من المتوقع أن تكون عليها”.
ضربة أميركية للاقتصاد الهندي
رسوم ترمب على صادرات الهند البالغة 50% ستلحق ضرراً أكبر باقتصاد البلاد الذي يعاني أصلاً من تباطؤ، كما قد تؤدي إلى انكماش الناتج المحلي الإجمالي بما يصل إلى نقطة مئوية واحدة، وفق تقديرات محللين. ومن شأنها أن تجعل صادرات العديد من الصناعات إلى الولايات المتحدة غير قادرة على المنافسة.
اقرأ أيضاً : محللون: رسوم ترمب بنسبة 50% قد تخفض نمو الهند 1%
تفيد تقديرات “بلومبرغ إيكونوميكس” بأن الرسوم التراكمية، التي باتت أعلى ليس فقط من تلك المفروضة على منافسي الهند في التصدير مثل فيتنام، بل أيضاً من تلك المفروضة على الصين، يمكن أن تخفض الصادرات إلى الولايات المتحدة بنسبة تصل إلى 60%، مما قد يؤدي إلى تراجع الناتج المحلي الإجمالي بما يقرب من نقطة مئوية.
يقدّر البنك المركزي الهندي نمو الاقتصاد بنسبة 6.5% في السنة المالية 2026، وهي نفس النسبة المسجلة في العام السابق، وأقل بكثير من متوسط النمو البالغ 8% الذي كان يُسجل في السنوات التي سبقت ذلك.
كتب المحللان تشيتنا كومار وآدم فارار أن “الأثر الكلي على الناتج المحلي الإجمالي قد يكون أعلى ليصل إلى 1.1% على المدى المتوسط”، بمجرد الإعلان عن الرسوم على قطاعات مثل الأدوية والإلكترونيات.
ويُذكر أن الولايات المتحدة هي أكبر شريك تجاري للهند، وبلغ حجم التبادل التجاري الثنائي بينهما 129 مليار دولار في عام 2024، بفائض قدره 45.7 مليار دولار لصالح الهند، وفقاً لبيانات التجارة الحكومية الأميركية.
رحلة البحث عن بدائل
قال دامو رافي، أمين العلاقات الاقتصادية في وزارة الخارجية الهندية، إن بلاده ستبحث عن فرص بديلة في حال أصبحت الولايات المتحدة “بيئة تصدير صعبة”، مشيراً إلى جنوب آسيا وأفريقيا وأميركا اللاتينية كأسواق محتملة. أضاف: “من الطبيعي جداً أن تبحث الدول عن بدائل عندما تواجه حواجز جمركية مرتفعة في أي منطقة من العالم”.
كما يتوقع المحللون أن تقدم الحكومة والبنك المركزي الهندي دعماً سياسياً لتحفيز النمو. وتغطي الرسوم الجديدة ثلثي صادرات الهند إلى الولايات المتحدة، والتي تبلغ قيمتها 58 مليار دولار، وفقاً لتقديرات “مورغان ستانلي”.
وتوقع مصرف الاستثمار العالمي أن يخفض المركزي الهندي أسعار الفائدة مرتين على التوالي بمقدار ربع نقطة مئوية لكل منهما، كما أن الحكومة الاتحادية من المرجح أن توقف سياسة ضبط أوضاع المالية العامة مؤقتاً، وقد تزيد من الإنفاق الرأسمالي لدعم الطلب المحلي.
كما يفكر مسؤولو نيودلهي في تقديم تنازلات تجارية للولايات المتحدة. تعتبر الهند المهلة البالغة 21 يوماً قبل تنفيذ الرسوم فرصة للحفاظ على قنوات التفاوض مفتوحة، ولا تخطط لاتخاذ رد انتقامي حالياً. تضع الهند على رأس أولوياتها التوصل إلى اتفاق تجاري ثنائي، وتقيّم إمكانية تقديم تنازلات خاصة في قطاعات الزراعة ومنتجات الألبان لتلبية المطالب الأميركية مع تقليل الأثر على المنتجين المحليين، “وفق بلومبرع”.
مستقبل العلاقات على المحك
في حين يحاول ترمب اختبار مدى قدرة مودي على المحافظة على حياده الاستراتيجي، والابتعاد عن روسيا، يرى خبراء أميركيون أن الضرر الذي أصاب العلاقات الثنائية عميق، وقد يدفع الهند نحو إعادة التفكير في حيادها الاستراتيجي. الأخطر من ذلك أن ترمب أعلن عن توقيع اتفاقية مع باكستان لتطوير احتياطياتها النفطية، ما يُعتبر تهديداً لمكانة الهند الإقليمية.
توصلت باكستان (إلى اتفاق) يفرض عليها رسوماً جمركية بنسبة 19%، وهي أقل بشكل ملحوظ عن نسبة 29% التي فرضها ترمب في البداية، وأدنى بفارق كبير عن دول جنوب آسيا الأخرى، مثل الهند وبنغلاديش. يناقش الجانبان زيادة قدرة وصول المنتجات الأميركية إلى السوق، وخفض الحواجز غير الجمركية، وما يُطلق عليها اسم “قواعد المنشأ”.
يتوقع لام أن الهند ستواصل مفاوضاتها مع الولايات المتحدة لتتوصل إلى حل ما في نهاية المطاف، لكنه استبعد أن تتخلى عن طرف لصالح آخر، أو أن تتنازل عن استراتيجيتها المتوازنة في علاقاتها الدولية.
واختتم أن الهند ربما يتعين عليها زيادة توسيع دائرة شركائها التجاريين، ورفع مستويات الاستهلاك المحلي، تماماً كما تفعل الصين.
