تقارير وتحليلات
أعلنت هيئة البيئة بأبوظبي، بالتعاون مع شركائها الاستراتيجيين، تحقيق تقدم كبير في تنفيذ المرحلة الأولى من خطة أبوظبي لتحقيق أهداف «المئوية البيئية 2071»، حيث تم إنجاز نحو 95 في المئة من الخطة بحلول نهاية عام 2024.
وتأتي هذه الخطوة لترسيخ رؤية أبوظبي المستقبلية نحو بيئة أكثر ازدهاراً واستدامة، بحسب ما ذكرت وكالة الأنباء الإماراتية (وام).
يأتي هذا التقدم في العام الثاني من الخطة الممتدة من عام 2023 حتى 2025، لتقود أجندة الاستدامة البيئية، بهدف تحقيق التطلعات الطموحة للإمارة لتكون الأفضل عالمياً في العمل «البيئي» و«المناخي» بحلول عام 2071.
إنجازات وشراكات دولية
وأحرزت حكومة أبوظبي 359 إنجازاً و63 نتيجة تجاوزت المستهدفات ضمن المرحلة الأولى من خطة المئوية البيئية، بمشاركة عدد من الجهات الحكومية، أبرزها دوائر البلديات والطاقة والثقافة والتمكين الحكومي وهيئة الزراعة ومركز الصحة العامة، إلى جانب شراكات دولية في أكثر من 24 دولة.
وأكدت شيخة المزروعي، المدير التنفيذي لقطاع التخطيط والسياسات البيئية المتكاملة في هيئة البيئة – أبوظبي، أن هذا الإنجاز الكبير الذي تجاوز التوقعات هو نتيجة التعاون بين الجهات الحكومية التي تضع الاستدامة في صميم أولوياتها، مشيرة إلى أن هذه النتائج تعكس روح العمل الجماعي والثقة في الشراكات، وهو ما يدفعهم لتحقيق أهداف خطة مئوية أبوظبي البيئية 2071.
المسار الأول: إمارة حيوية مزدهرة بالطبيعة
حقق المسار الأول نسبة إنجاز بلغت 88 في المئة، وشملت أبرز المشاريع:
تنفيذ خطة متكاملة لتنمية استزراع الأحياء المائية
إطلاق أول خريطة هيدروجيولوجية على مستوى الدولة لتقييم موارد المياه الجوفية
وضع خطة للتنمية الزراعية المستدامة
تطوير نظام شامل لمراقبة جودة الهواء
إصدار دليل لاستخدام الدراجات الهوائية والكهربائية بأمان
تحديث تعليمات البنية التحتية لوسائل التنقل الخفيف
إعداد خطة أبحاث لرصد جودة الهواء الداخلي في القطاعات المهمة
المسار الثاني: قوة خضراء تتصدى للتغيّر المناخي
حقق هذا المسار إنجازاً تجاوز الهدف بنسبة 102 في المئة، ومن أبرز إنجازاته:
إعداد خطة للتكيف مع آثار التغيّر المناخي للفترة 2025–2050 بمشاركة 41 جهة
وضع معايير للزراعة الذكية بهدف تحقيق الأمن الغذائي
تطوير إطار سياسات الطاقة يضم 93 مبادرة حتى 2035
تجهيز البنية التحتية لشحن الحافلات الكهربائية والهيدروجينية
تشغيل أولى الحافلات الكهربائية الفائزة بجائزة عالمية للابتكار في الاستدامة
إعداد خطة استدامة للقطاع البحري
تطوير إستراتيجية كفاءة الطاقة والمياه حتى عام 2030
المسار الثالث: ممكنات بيئية لقيادة المستقبل
حقق هذا المسار نسبة إنجاز 97 في المئة، ومن أبرز مبادراته:
إطلاق سياسة «السماء المظلمة» للحد من التلوث الضوئي
إشراك المجتمع في ابتكار حلول لمشكلات جودة الهواء والضوضاء
تنظيم المؤتمر العالمي الثاني عشر للتعليم البيئي (WEEC) لتعزيز التعاون الدولي
إطلاق الدورة السابعة من مبادرة «المدارس المستدامة»
تدشين مركز أبحاث الاستدامة البحرية
إطلاق «سكون» أكبر تاكسي مائي في العالم باستخدام الطباعة ثلاثية الأبعاد
تطوير نظام ذكي لرصد جودة التربة باستخدام الذكاء الاصطناعي وتقنيات الاستشعار
تواصل هيئة البيئة – أبوظبي جهودها مع الشركاء المحليين والدوليين لتعزيز مكانة الإمارة كقائد في العمل البيئي والمناخي، مؤكدة التزامها بأهداف خطة مئوية أبوظبي البيئية 2071، والعمل حالياً على تنفيذ المرحلة الثانية لتحقيق مستقبل أكثر استدامة وازدهاراً للأجيال القادمة.
صندوق النقد يرفع توقعاته لنمو الاقتصاد العالمي إلى 3% وسط استمرار التحديات التجارية
رفع صندوق النقد الدولي توقعاته لنمو الاقتصاد العالمي من 2.8% إلى 3% للعام الحالي، ومن 3% إلى 3.1% للعام المقبل، في ظل تراجع طفيف في التوترات التجارية وتحسّن بعض المؤشرات الاقتصادية الأساسية، إلا أن استمرار مستويات الرسوم الجمركية المرتفعة يبقي على حالة من عدم اليقين ويهدد زخم النمو.
جاء ذلك في الكلمة الافتتاحية التي ألقاها كبير الخبراء الاقتصاديين ومدير البحرث في صندوق النقد الدولي، بيير-أوليفييه غورينشاس، خلال تقديمه تحديث آفاق الاقتصاد العالمي لشهر تموز 2025.
وأوضح غورينشاس أن معظم المناطق حول العالم تشهد تحسينات طفيفة في معدلات النمو، مدفوعة بعوامل عدة أبرزها تراجع التضخم العالمي، وتحسّن الأوضاع المالية، وضعف الدولار بنسبة 8% منذ مطلع العام.
وعلى الرغم من هذه التطورات الإيجابية، شدّد التقرير على أن الرسوم الجمركية لا تزال عند مستويات مرتفعة تاريخيا. إذ شهدت الولايات المتحدة في نيسان تصعيداً غير مسبوق في الرسوم الجمركية على شركائها التجاريين، قبل أن تتراجع جزئيا وتبدأ تجميدا مؤقتا لهذه الرسوم اعتباراً من أيار، ما خفّض المعدل الفعلي من 24% إلى 17%. إلا أن البيئة التجارية لا تزال هشّة، بحسب صندوق النقد.
وحذّر الصندوق من أن انتهاء فترة التجميد في 1 آب قد يعيد الرسوم إلى مستويات أعلى، الأمر الذي من شأنه أن يؤدي إلى تراجع الناتج العالمي بنسبة 0.3% في عام 2026، وفقاً لنماذج المحاكاة الاقتصادية المعتمدة لدى الصندوق.
وأضاف غورينشاس أن استمرار عدم اليقين في البيئة التجارية قد يُثقل كاهل الاستثمار والنشاط الاقتصادي خلال الأشهر المقبلة، خاصة إذا لم يتحقق الطلب المتوقع على السلع التي تم تصديرها بكثافة خلال الربع الأول. كما حذّر من أن المخاطر الجيوسياسية لا تزال قائمة، وتزيد من احتمالات حدوث اضطرابات إضافية في سلاسل التوريد.
وأشار كذلك إلى أن معدلات النمو العالمية لا تزال دون المتوسط الذي سبق جائحة كوفيد-19، مع تراجع متوقع في نسبة التجارة إلى الناتج العالمي من 57% عام 2024 إلى 53% بحلول 2030.
وفي المقابل، تواصل الضغوط التضخمية بالتصاعد تدريجياً داخل الولايات المتحدة، في وقت ترتفع فيه أسعار الواردات أو تبقى مستقرة، ما يشير إلى أن تكلفة الرسوم الجمركية تُحمّل حالياً لتجار التجزئة الأمريكيين، وقد تنتقل قريباً إلى المستهلكين.
كما سلّط التقرير الضوء على هشاشة الأوضاع المالية العامة في عدد كبير من الدول، نتيجة مزيج من الديون العامة المرتفعة والعجوزات المستمرة، ما يجعلها أكثر عرضة للتأثر بأي تشديد في الأوضاع المالية، لا سيما في حال تعرّض مبدأ استقلالية البنوك المركزية للتهديد، وهو ما وصفه غورينشاس بـ«الركيزة الأساسية للاستقرار الاقتصادي والمالي».
وفي توصياته، دعا صندوق النقد الدولي إلى العمل على استعادة الاستقرار في السياسات التجارية لتقليص حالة عدم اليقين، وتسوية الخلافات ضمن أطر واضحة وقابلة للتنبؤ. كما شدد على ضرورة حماية استقلالية البنوك المركزية، وتوسيع الحيّز المالي من خلال سياسات ضبط تدريجية وموثوقة، وتنفيذ إصلاحات هيكلية تعزز الإنتاجية على المدى الطويل.
وأكد الصندوق أن الحفاظ على استقرار السياسات، واستعادة الثقة في النظام التجاري العالمي، يمثلان أساسًا ضروريًا لدعم الاقتصاد العالمي، مشيرًا إلى أن النجاح في تفادي ركود عالمي واسع حتى الآن يعود إلى مرونة الاستجابات المالية والنقدية خلال العامين الماضيين.
وفيما يتواصل مسار انخفاض التضخم العالمي، لا يزال بعيدًا عن أهداف الاستقرار في عدد من الاقتصادات الكبرى، وفق التقرير.
ففي الولايات المتحدة، من المتوقع أن يبقى التضخم أعلى من الهدف البالغ 2% حتى نهاية 2026، بسبب تأثير الرسوم الجمركية وتراجع الدولار. أما في منطقة اليورو، فساهمت قوة اليورو وتدابير مالية استثنائية في تخفيف الضغوط التضخمية. بالمقابل، تم تعديل التضخم الأساسي في الصين صعودًا بشكل طفيف إلى 0.5% في 2025.
رغم التحسن الظاهري في التوقعات، حذر الصندوق من جملة مخاطر قد تعرقل المسار الاقتصادي العالمي، أبرزها تصاعد التوترات الجيوسياسية في الشرق الأوسط وأوكرانيا، مما قد يرفع أسعار السلع الأساسية ويُعقّد سلاسل التوريد.
ومن المخاطر أيضا؛ تزايد مستويات الدين والعجز في دول متقدمة كفرنسا والولايات المتحدة، ما قد يتسبب في تقلبات حادة في الأسواق المالية، استمرار الضبابية التجارية، والتي تهدد الاستثمارات في الدول المعتمدة على التصدير، وهشاشة الوضع المالي في عدد من الأسواق الناشئة التي تواجه حيزًا ضيقًا للتحرك المالي والنقدي.
أعاد اختراق تطبيق المواعدة «Tea» الجدل العالمي حول مدى أمان البيانات الشخصية على الإنترنت، خصوصاً مع تسريب آلاف الصور والمعلومات الحساسة لمستخدمات ظنّوا أن المنصة تضمن لهن الحماية.
لكن هذه الحادثة ليست الأولى من نوعها، فقد شهد العالم على مدى السنوات الماضية عدداً من أكبر اختراقات البيانات في التاريخ، أثرت على ملايين المستخدمين وكشفت عن ثغرات خطيرة في أنظمة الأمان لدى كبرى الشركات والمنصات.
ا هو تطبيق Tea؟ وكيف انتشر؟
شهد تطبيق «Tea» المخصص للنساء، الذي يتيح لهن التحقق من خلفيات الرجال ومشاركة تجاربهن، اختراقاً أمنياً كبيراً أدى إلى تسريب 72 ألف صورة، بينها صور بطاقات هوية، و59 ألف منشور وتعليق ورسالة خاصة تعود لأكثر من عامين.
الشركة المطوِّرة للتطبيق، الذي يستخدمه أكثر من 1.6 مليون مستخدمة، أكدت حدوث «وصول غير مصرح به»، وأوضحت أن الخرق طال مستخدمات انضممن قبل فبراير 2024.
وشهد التطبيق طفرة في الاستخدام هذا الأسبوع، بعد أن أثار جدلاً واسعاً على وسائل التواصل الاجتماعي حول السلامة والخصوصية في المواعدة.
ووصل عدد طلبات التسجيل في بضعة أيام إلى أكثر من مليوني مستخدمة، وتصدر قوائم التحميل في متاجر التطبيقات مثل أبل ستور وغوغل بلاي.
وأكدت الشركة أنها تعمل مع خبراء لحماية بيانات المستخدمات، قائلة: «نتخذ كل الخطوات الممكنة لحماية هذا المجتمع.. الآن وإلى الأبد».
أكبر 5 اختراقات بيانات في التاريخ
في أعقاب فضيحة تطبيق Tea التي طالت آلاف المستخدمين، نستعرض في ما يلي أكبر 5 اختراقات بيانات في التاريخ، من حيث الحجم والتأثير:
قاعدة البيانات الصينية (يونيو 2025)
في يونيو 2025، شهد العالم واحداً من أضخم تسريبات البيانات في تاريخه، حيث تم الكشف عن اختراق شمل 30 قاعدة بيانات مختلفة، وفقاً لتقرير نشرته مجلة فوربس.
وشمل التسريب أسماء المستخدمين وكلمات المرور لأكثر من 16 مليار حساب حول العالم، تعود إلى مواقع وتطبيقات كبرى مثل «فيسبوك»، «أبل»، و«إكس» (تويتر سابقاً).
ياهو (2013-2016)
في واحدة من أخطر حوادث تسريب البيانات، كشفت شركة «ياهو» عام 2016 عن تسلل إلكتروني طال أكثر من 3 مليارات حساب، جرى بين عامي 2013 و2014.
نفذ الهجوم قراصنة يُعتقد أنهم من روسيا، مستغلين ثغرات أمنية وملفات تعريف ارتباط مسروقة.
وتمكّن القراصنة من الوصول إلى معلومات حساسة مثل الأسماء، وعناوين البريد الإلكتروني، وأرقام الهواتف، وتواريخ الميلاد، وكلمات المرور المشفّرة، وحتى إجابات أسئلة الأمان.
شبكة Real Estate Wealth Network (2023)
في ديسمبر 2023، تعرضت شبكة «Real Estate Wealth Network» لاختراق ضخم نتيجة خطأ في إعداد قاعدة بياناتها، ما أدى إلى تسريب نحو 1.5 مليار سجل حساس.
شملت البيانات المُسربة معلومات تفصيلية عن العقارات، وسجلات مالية، ومعلومات شخصية لمشاهير بارزين، إضافة إلى أرقام التعريف الضريبي وأحكام قضائية.
وبلغ حجم القاعدة المكشوفة نحو 1.16 تيرابايت، وكانت غير محمية بأي كلمة مرور أو نظام تحقق.
بيانات آدهار (2018)
في يناير 2018، تعرّضت قاعدة بيانات «آدهار» الهندية، التي تحتوي على معلومات أكثر من 1.1 مليار مواطن، لاختراق كبير كشف بيانات شخصية وبيومترية حساسة مثل الأسماء، العناوين، الأرقام البنكية، وبصمات الأصابع.
الاختراق تم عبر موقع حكومي غير محمي، وتم بيع البيانات المسروقة مقابل 7 دولارات فقط، فيما تأخرت السلطات بإغلاق الثغرة حتى مارس من العام نفسه.
علي بابا (2019)
في نوفمبر 2019، تم جمع بيانات مستخدمي موقع التسوق الصيني «علي بابا – تاوباو» عبر أدوات برمجية أنشأها مطور يعمل لدى جهة تسويق تابعة، وذلك خلال فترة استمرت 8 أشهر.
شمل التسريب نحو 1.1 مليار معلومة مثل أسماء المستخدمين وأرقام الهواتف.
ورغم أن البيانات لم تُبَع في السوق السوداء، فإن المطور ورب عمله حُكم عليهما بالسجن ثلاث سنوات.
من جهتها، أكدت شركة «تاوباو» أنها تتخذ إجراءات صارمة ضد أي نشاط غير مصرح به، وأنها تعمل على حماية خصوصية المستخدمين بالتعاون مع الجهات الأمنية.
كل خرق من هذه الحوادث الخمس يذكرنا بأن معلوماتنا الشخصية قد تكون على المحك في أي لحظة، وأن الأمان الرقمي أصبح أمراً ضرورياً لا يمكن تجاهله.
إنتل 2025: انحناءة ما قبل الانهيار أم انسحاب تكتيكي أمام عمالقة التصنيع؟
اعداد جمال المحاميد
الرئيس التنفيذي لشركة بالميرا لحلول التكنولوجيا
بعد سنوات من الأزمات المتلاحقة التي عصفت بشركة «بوينغ» على مدى السنوات السبع الماضية، يبدو أن الشركة بدأت تستقر تحت قيادة الرئيس التنفيذي كيلي أورتبرغ.
أورتبرغ، المهندس والمخضرم في قطاع الطيران، عاد من التقاعد العام الماضي بطلب من «بوينغ» لإنقاذ الشركة المثقلة بالمشكلات. ومن المقرّر أن يعرض هذا الأسبوع تقدّماً ملموساً تحقق منذ تولّيه المنصب قبل عام، وذلك بالتزامن مع إعلان نتائج الشركة الفصلية وتقديم توقعاتها يوم الثلاثاء.
وحتى الآن، يبدو أن المستثمرين يرحّبون بما يرونه. فقد ارتفعت أسهم الشركة بأكثر من 30% منذ بداية العام.
ويتوقع محللو وول ستريت أن تنخفض خسائر «بوينغ» في الربع الثاني إلى النصف مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي. وكان أورتبرغ قد أبلغ المستثمرين في مايو أيار أن الشركة تتوقع تحقيق تدفقات نقدية إيجابية في النصف الثاني من العام. كما ارتفع إنتاج الشركة من الطائرات، وبلغ عدد الطائرات التي سلّمتها أعلى مستوى له منذ 18 شهراً.
إنه تحوّل كبير لشركة «بوينغ»، التي فشل الرؤساء التنفيذيون السابقون فيها مراراً في تحقيق أهداف تسليم الطائرات، والحصول على الشهادات التنظيمية، وتحقيق الأهداف المالية، وإحداث تغييرات في ثقافة العمل، ما أثار استياء المستثمرين والعملاء على حد سواء، بينما كانت منافستها «إيرباص» تواصل التقدّم.
وقال ريتشارد أبولافيا، المدير التنفيذي لشركة «أيرودايناميك أدفايزوري» للاستشارات في قطاع الطيران: «ثمة اتفاق عام على أن ثقافة الشركة بدأت تتغير بعد عقود من الجروح الذاتية».
ويتوقع المحللون أن تسجل «بوينغ» أول أرباح سنوية لها منذ عام 2018 في العام المقبل.
وقال دوغلاس هارند، كبير محللي قطاع الطيران والدفاع في شركة «بيرنشتاين»: «عندما تسلّم أورتبرغ المنصب، لم أكن متفائلاً كما أنا اليوم».
كانت التحديات كبيرة أمام أورتبرغ منذ البداية، لكنها تضاعفت مع وصوله إلى الشركة.
ففي ظل نزيف السيولة النقدية، أعلن أورتبرغ عن إجراءات تقشفية صارمة، شملت تسريح 10% من موظفي الشركة. وقد أضرب عمّال التصنيع، الذين يشكلون العمود الفقري لإنتاج الطائرات، عن العمل لمدة سبعة أسابيع، إلى أن توصّلت الشركة إلى اتفاق عمل جديد مع نقابتهم. كما أشرف أورتبرغ على جمع تمويل رأسمالي تجاوز 20 مليار دولار في الخريف الماضي، وأقال رئيس وحدة الدفاع، وباع شركة الملاحة الجوية «جيبسن» التابعة لبوينغ.
وكان أورتبرغ قد اشترى منزلاً في منطقة سياتل، حيث تتم صناعة معظم طائرات بوينغ، بعد فترة وجيزة من توليه المنصب في أغسطس آب الماضي، وهو ما اعتبره محللو قطاع الطيران مؤشراً إيجابياً على التزامه.
وقال ريتشارد أبولافيا: «إنه يحضر بنفسه. أن تحضر، وأن تتحدث مع الناس – هذا بحد ذاته فارق».
وقد امتنعت شركة بوينغ عن إتاحة أورتبرغ لإجراء مقابلة صحفية.

كان قادة بوينغ يأملون أن يكون عام 2024 عام التحول المنتظر. لكن بعد خمسة أيام فقط من بدايته، انفصل غطاء باب طوارئ من طائرة «بوينغ 737 ماكس 9» شبه جديدة أثناء صعودها من مطار بورتلاند، ما كاد يؤدي إلى كارثة جوية.
هذا الحادث أعاد الشركة إلى دوامة الإخفاقات، وأدى إلى تباطؤ في الإنتاج، وتجديد التدقيق من إدارة الطيران الفدرالية، وخسائر مالية بمليارات الدولارات.
وقد تبين لاحقاً أن البراغي الأساسية لم تكن مثبّتة على الطائرة قبل تسليمها إلى شركة «ألاسكا إيرلاينز»؛ في حادثة اعتُبرت الأحدث في سلسلة من المشكلات التصنيعية التي تعاني منها بوينغ، والتي تتطلب في كل مرة إعادة إصلاح شاقة وتستنزف الوقت والموارد.
وكانت بوينغ لا تزال تعاني من تبعات حادثَي تحطم مميتين لطراز «ماكس» في عامي 2018 و2019، واللذَين شوهّا سمعة أكبر مصدر في أميركا. وفي مايو أيار، توصلت الشركة إلى اتفاق مع وزارة العدل الأميركية لتجنب الملاحقة القضائية في إطار قضية تتعلق باتهامات جنائية سابقة مرتبطة بتلك الحوادث، وهي صفقة وُوجهت بانتقادات شديدة من عائلات الضحايا.
وعلى مدى سنوات، لم يتردد كبار مسؤولي شركات الطيران العالمية في انتقاد بوينغ علناً بسبب التأخيرات وسوء الإدارة. ففي مايو أيار 2022، قال الرئيس التنفيذي لشركة «رايان إير»، مايكل أوليري، للمستثمرين إن الإدارة بحاجة إلى «إعادة تشغيل أو ركلة في المؤخرة».
لكن نبرة أوليري تغيّرت في الأسبوع الماضي.
فقد صرّح خلال مكالمة أرباح قائلاً: «ما زلت أعتقد أن كيلي أورتبرغ وستيفاني بوب (الرئيسة التنفيذية لوحدة الطائرات التجارية في بوينغ) يقومان بعمل رائع. لا شك أن جودة الإنتاج، سواء في هياكل الطائرات في ويتشيتا أو الطائرات الجاهزة في سياتل، قد تحسّنت بشكل ملحوظ».
عام التحول المنتظر يتحول إلى كابوس
كان قادة بوينغ يأملون أن يكون عام 2024 عام التحول المنتظر. لكن بعد خمسة أيام فقط من بدايته، انفصل غطاء باب طوارئ من طائرة «بوينغ 737 ماكس 9» شبه جديدة أثناء صعودها من مطار بورتلاند، ما كاد يؤدي إلى كارثة جوية.
هذا الحادث أعاد الشركة إلى دوامة الإخفاقات، وأدى إلى تباطؤ في الإنتاج، وتجديد التدقيق من إدارة الطيران الفدرالية، وخسائر مالية بمليارات الدولارات.
وقد تبين لاحقاً أن البراغي الأساسية لم تكن مثبّتة على الطائرة قبل تسليمها إلى شركة «ألاسكا إيرلاينز»؛ في حادثة اعتُبرت الأحدث في سلسلة من المشكلات التصنيعية التي تعاني منها بوينغ، والتي تتطلب في كل مرة إعادة إصلاح شاقة وتستنزف الوقت والموارد.
وكانت بوينغ لا تزال تعاني من تبعات حادثَي تحطم مميتين لطراز «ماكس» في عامي 2018 و2019، واللذَين شوهّا سمعة أكبر مصدر في أميركا وفي مايو أيار، توصلت الشركة إلى اتفاق مع وزارة العدل الأميركية لتجنب الملاحقة القضائية في إطار قضية تتعلق باتهامات جنائية سابقة مرتبطة بتلك الحوادث، وهي صفقة وُوجهت بانتقادات شديدة من عائلات الضحايا.
وعلى مدى سنوات، لم يتردد كبار مسؤولي شركات الطيران العالمية في انتقاد بوينغ علناً بسبب التأخيرات وسوء الإدارة. ففي مايو أيار 2022، قال الرئيس التنفيذي لشركة «رايان إير»، مايكل أوليري، للمستثمرين إن الإدارة بحاجة إلى «إعادة تشغيل أو ركلة في المؤخرة».
لكن نبرة أوليري تغيّرت في الأسبوع الماضي.
فقد صرّح خلال مكالمة أرباح قائلاً: «ما زلت أعتقد أن كيلي أورتبرغ وستيفاني بوب (الرئيسة التنفيذية لوحدة الطائرات التجارية في بوينغ) يقومان بعمل رائع. لا شك أن جودة الإنتاج، سواء في هياكل الطائرات في ويتشيتا أو الطائرات الجاهزة في سياتل، قد تحسّنت بشكل ملحوظ».
لا تزال أمام بوينغ، بقيادة كيلي أورتبرغ، تحديات كبيرة يجب معالجتها.
فقد فرضت إدارة الطيران الفدرالية سقفاً لإنتاج طائرات «737 ماكس» عند 38 طائرة شهرياً، وهو المعدل الذي بلغته الشركة حالياً. وإذا أرادت بوينغ تجاوز هذا الحد والوصول إلى هدفها البالغ 42 طائرة شهرياً، فستحتاج إلى موافقة رسمية من الهيئة التنظيمية.
وكان أورتبرغ قد صرّح هذا العام بأن الشركة تسير بخطى ثابتة نحو الاستقرار بما يسمح لها بتجاوز هذا المعدل لاحقاً. ويُعدّ رفع وتيرة الإنتاج أمراً محورياً، إذ لا تحصل الشركات المصنعة على مستحقاتها إلا عند تسليم الطائرات فعلياً.
ع اقتراب الأول من أغسطس (آب) 2025، الموعد النهائي لأحدث تعليق للرسوم الجمركية المتبادلة التي فرضها الرئيس دونالد ترمب على واردات شركاء الولايات المتحدة التجاريين، يترقب العالم بقلق شديد ما ستحمله الأيام المقبلة. فهل تنجح المفاوضات الثنائية الجارية في تجنب فرض رسوم جمركية مشددة قد تعصف بالأسواق العالمية؟
في الثاني من أبريل (نيسان) 2025، فرض ترمب رسوماً «متبادلة» على واردات السلع من جميع الشركاء التجاريين للولايات المتحدة، مما أدخل العلاقات التجارية الثنائية في حالة من الارتباك. هذه الرسوم، التي فُرضت بموجب قانون سلطات الطوارئ الاقتصادية الدولية، حددت رسوماً أساسية بنسبة 10 في المائة على جميع الواردات إلى الولايات المتحدة من جميع الدول تقريباً، بالإضافة إلى رسوم متبادلة أعلى ومحددة لكل دولة، تُحسب بناءً على العجز التجاري الثنائي، وفق تقرير لشركة «هولاند آند نايت» الأميركية للمحاماة.
وفي التاسع من أبريل، أعلنت إدارة ترمب وقفاً لمدة 90 يوماً لجميع الرسوم المتبادلة الخاصة بكل دولة تقريباً، مما خفّض هذه الرسوم إلى الخط الأساسي البالغ 10 في المائة، بينما تفاوضت مع شركائها التجاريين على اتفاقيات تجارية ثنائية جديدة. وكان من المقرر أن تنتهي فترة الوقف هذه في البداية في التاسع من يوليو (تموز) 2025، ولكن تم تمديدها حتى الأول من أغسطس 2025، مما وفّر وقتاً إضافياً لإنهاء الصفقات مع الشركاء الرئيسيين.

نموذج-مطبوع-بتقنية-الطباعة-ثلاثية-الأبعاد-لترمب-وعلم-ماليزيا-وكلمة-رسوم-جمركية-
وبدءاً من السابع من يوليو، أصدر ترمب رسائل رسمية لأكثر من 20 دولة تحدد معدلات الرسوم التي ستدخل حيز التنفيذ في الأول من أغسطس، في حال عدم التوصل إلى اتفاق ثنائي.
وعلى الرغم من أن معظم الرسائل عكست المعدلات التي أُعلن عنها في البداية في الثاني من أبريل، فإن دولاً كثيرة تلقت مستويات رسوم معدلة. على سبيل المثال، تلقت البرازيل معدل رسوم متبادلة بنسبة 50 في المائة، مستشهدة ليس فقط بالحواجز التجارية ولكن أيضاً بالمخاوف السياسية المتعلقة بمعاملة الرئيس السابق جايير بولسونارو. كما تم تحديد معدل متبادل بنسبة 35 في المائة لكندا، مع الإشارة إلى قضايا التجارة الزراعية طويلة الأمد، ونقص إنفاذ قوانين الفنتانيل عبر الحدود.

موظف يوزع عدداً إضافياً من صحيفة «يوميوري شيمبون» يفيد بأن ترمب أعلن عن إطار عمل تجاري مع اليابان في 23 يوليو (أ.ب)
خريطة طريق قبل الموعد النهائي
كُلفت وزارتا الخزانة والتجارة الأميركيتان ومكتب الممثل التجاري الأميركي بقيادة مفاوضات تجارية ثنائية محددة. وقد أحرزت هذه المفاوضات تقدماً مع كثير من الشركاء التجاريين، على الرغم من عدم الكشف عن تفاصيل كثيرة.
فيما يلي أبرز التحديثات حول المفاوضات الجارية مع 18 دولة حتى 22 يوليو:
- الصين: توصل الطرفان إلى اتفاق أولي في 26 يونيو (حزيران)، يتضمن تخفيف الصين قيود صادرات المعادن النادرة ورفع الولايات المتحدة بعض ضوابط التصدير. ومع ذلك، لا تزال القضايا الكبيرة مثل العجز التجاري الأميركي مع الصين ومزاعم الممارسات التجارية غير العادلة دون حل. لم يتم توقيع الاتفاق رسمياً بعد، ويستمر الجانبان في الاجتماع والتفاوض على الشروط الرئيسية وسط ازدياد الشكوك حول التنفيذ والالتزامات طويلة الأجل. من المتوقع أن يلتقي وزير الخزانة سكوت بيسنت مع مسؤولين صينيين يوم الاثنين لمناقشة تمديد الموعد النهائي لزيادة الرسوم في 12 أغسطس.
- إندونيسيا: تم تأكيد اتفاق في 15 يوليو 2025، حيث لن تواجه الصادرات الأميركية إلى إندونيسيا أي رسوم، بينما ستواجه السلع الإندونيسية التي تدخل الولايات المتحدة تعريفة بنسبة 19 في المائة.
- فيتنام: أعلنت الولايات المتحدة من جانب واحد عن اتفاق تجاري جديد مع فيتنام في 2 يوليو، يتضمن تعريفة بنسبة 20 في المائة على معظم الواردات الفيتنامية ووصولاً كاملاً للسوق للسلع الأميركية، ولكنه يتضمن أيضاً رسوماً بنسبة 40 في المائة على السلع «التي يتم شحنها بشكل غير قانوني». ولم يؤكد المسؤولون الفيتناميون شروط هذه الصفقة.
- المملكة المتحدة: تم توقيع اتفاق تجاري في قمة «مجموعة السبع»، ودخل حيز التنفيذ في 30 يونيو، مما أدى إلى خفض الرسوم على الصادرات البريطانية، بما في ذلك السيارات ومنتجات الفضاء. وحصلت الولايات المتحدة على زيادة في الوصول إلى السوق لصادراتها إلى المملكة المتحدة، خصوصاً الصادرات الزراعية.
- الهند: تضاءلت بشكل كبير فرص التوصل إلى اتفاق تجاري مؤقت بين الولايات المتحدة والهند قبل الموعد النهائي في الأول من أغسطس، مع الإشارة إلى خلافات مستمرة حول تخفيض الرسوم والوصول إلى الأسواق.
- كندا: تم استئناف المفاوضات بعد سحب كندا ضريبة الخدمات الرقمية. ومع ذلك، من المرجح أن تكون النتيجة بعيدة عن التعريفة الصفرية، وتستعد الولايات المتحدة لفرض تعريفة شاملة بنسبة 35 في المائة على السلع الكندية إذا فشلت المفاوضات.
- اليابان: لا تزال اليابان منخرطة في مفاوضات مع الولايات المتحدة، بهدف تجنب رسوم بنسبة 25 في المائة على الصادرات قبل الموعد النهائي في الأول من أغسطس، على الرغم من بطء التقدم والقضايا الرئيسية التي لم يتم حلها.
- الفلبين: من المتوقع أن يزور الرئيس الفلبيني فرديناند ماركوس جونيور الولايات المتحدة هذا الأسبوع للتفاوض على صفقة ثنائية قبل أن تدخل تعريفة بنسبة 20 في المائة على الصادرات الفلبينية حيز التنفيذ في الأول من أغسطس.
- تايوان: لم تُدرج تايوان في قائمة الرسوم الأميركية المقرر فرضها في الأول من أغسطس، وتستمر المحادثات التجارية بسلاسة على الرغم من القضايا العالقة حول رسوم لحوم الخنزير ولحم البقر والسيارات.
- الاتحاد الأوروبي: يسعى الاتحاد الأوروبي جاهداً إلى إنهاء صفقة تجارية أولية مع الولايات المتحدة قبل الأول من أغسطس. على الرغم من تسارع المحادثات، لا تزال هناك قضايا عالقة حول المطالب الأميركية بشأن الزراعة وجهود الاتحاد الأوروبي لحماية صناعة السيارات من رسوم الاستيراد الباهظة. وحذر الاتحاد الأوروبي من الانتقام إذا نفذ ترمب تهديده بفرض رسوم بنسبة 30 في المائة على الواردات الأوروبية بدءاً من الأول من أغسطس.
- باكستان: قام وزير المالية الباكستاني محمد أورنكزيب بزيارة واشنطن العاصمة خلال الأسبوع الذي يبدأ في 14 يوليو، بهدف تأمين إطار تجاري واستثماري ثنائي مع الولايات المتحدة.
- سويسرا: وافق المسؤولون السويسريون على مسودة اتفاق إطار تجاري مع الولايات المتحدة ويواصلون المفاوضات. ومع ذلك، لا يزال الغموض يكتنف الموقف، وتبقى رسوم بنسبة 31 في المائة مطروحة إذا لم يتم توقيع الصفقة قبل الأول من أغسطس.
- المكسيك: تعهدت المكسيك بمواصلة المفاوضات مع الولايات المتحدة بعد تهديد الرئيس ترمب بفرض رسوم بنسبة 30 في المائة بدءاً من الأول من أغسطس.
- كوريا الجنوبية: تحاول كوريا الجنوبية التوصل إلى اتفاق تجاري مبدئي مع الولايات المتحدة قبل أن تدخل رسوم بنسبة 25 في المائة حيز التنفيذ في الأول من أغسطس. وقد أشار وزير التجارة يو هان – كو إلى تنازلات محتملة بشأن الزراعة مقابل الإعفاء على السيارات والصلب.
- تايلاند: قدمت تايلاند اقتراحاً تجارياً منقحاً في 6 يوليو 2025. وعلى الرغم من عدم التوصل إلى اتفاق، صرّح وزير الخارجية التايلاندي ماريس سانغيامبونجسا بأن الرسوم الأميركية المقترحة بنسبة 36 في المائة ليست نهائية، ويمكن أن تستمر المفاوضات إلى ما بعد الموعد النهائي في الأول من أغسطس.
- البرازيل: لم تدخل البرازيل بعد في محادثات تجارية رسمية مع الولايات المتحدة بشأن رسومها المهددة بنسبة 50 في المائة، وقد عبرت عن استعدادها للانتقام من أي رسوم مفروضة. ومع ذلك، أعرب الجانبان عن انفتاحهما على المفاوضات.
- كمبوديا: يدرس المسؤولون الكمبوديون تقديم تنازلات، بما في ذلك زيادة الواردات الأميركية وتوسيع الوصول إلى الأسواق، لتأمين نتيجة أكثر ملاءمة قبل دخول التعريفة الأميركية المعلنة بنسبة 36 في المائة على جميع الصادرات الكمبودية حيز التنفيذ في الأول من أغسطس.
ماليزيا: تتفاوض ماليزيا مع الولايات المتحدة لخفض رسوم بنسبة 25 في المائة على صادراتها، لكن وزير التجارة تنغكو زافرول عزيز يقول إن البلاد لن تتجاوز «الخطوط الحمراء» التي تتضمن السيادة الوطنية.

العلم الأميركي على سيارة في وكالة «نيسان» بتوستين بكاليفورنيا (رويترز)
- يمثل الأول من أغسطس 2025 الموعد النهائي للمرة الثانية التي تعلن فيها إدارة ترمب عن تأجيل الرسوم لإتاحة وقت إضافي للمفاوضات. ويبقى السؤال: هل يستمر هذا النمط، أم أن الإدارة ستنفذ الرسوم في الأول من أغسطس 2025 كما هو مخطط؟
منتدى الاستراتيجيات: هيكل صادرات الأردن يتسم بدرجة عالية من التركّز السلعي
- نتدى الاستراتيجيات الأردني: الفجوة بين الصناعة الوطنية والتكنولوجيا المتقدمة، تعيق بناء قدرات إنتاجية قائمة على الابتكار والمعرفة
- منتدى الاستراتيجيات: 3 مجموعات سلعية تُشكّل 40% من إجمالي الصادرات
- منتدى الاستراتيجيات: الصادرات تتركّز في ثماني مجموعات سلعية معظمها منتجات أولية بنسبة 15% ومنخفضة التعقيد التكنولوجي بنسبة 42.9% وسلع رأسمالية بنسبة 5%
- منتدى الاستراتيجيات: تدني حصة القيمة المضافة يعكس ضعف المحتوى التكنولوجي والمعرفي في القاعدة الإنتاجية
- منتدى الاستراتيجيات: 75 من أصل 99 نشاطًا صناعيًا تسجل قيمة مضافة دون 50% من إجمالي الإنتاج القائم
- منتدى الاستراتيجيات: بُنية الاقتصاد الأردني شهدت تراجعًا مستمرًّا في درجة التعقيد الاقتصادي خلال العقدين الماضيين
- منتدى الاستراتيجيات: إضافة 17 منتجًا تصديرياً فقط منذ 2008 تكشف ضعف تنويع القاعدة الإنتاجية للأردن
أصدر منتدى الاستراتيجيات الأردني ورقة سياسات بعنوان “مؤشر التعقيد الاقتصادي: فرصة لتعظيم المحتوى التكنولوجي والمعرفي في القاعدة الإنتاجية للصادرات الأردنية”، سلّط فيها الضوء على أهمية مؤشر التعقيد الاقتصادي للأردن، وتحليل أداء الأردن على المؤشر، وتقديم توصيات عملية موجّهة لرفع قدرة الاقتصاد الوطني على توليد منتجات أكثر تعقيدًا وذات قيمة مضافة أعلى.
وأوضح المنتدى أن أهمية مؤشر التعقيد الاقتصادي تبرز، ليس فقط كمؤشر وصفي، بل كأداة تحليلية تسمح بتشخيص مكامن الضعف في الهياكل الإنتاجية، وتحديد القطاعات التي يمكن أن تشكّل رافعة للنمو، وذلك بالاستفادة من المعرفة التراكمية حول العملية الإنتاجية، وتوسيع القاعدة التصديرية لتشمل منتجات أكثر تنوعًا وتعقيدًا.
واستعرض المنتدى أهم المؤشرات التي تؤكد ضرورة زيادة مستوى التعقيد الاقتصادي في القاعدة الإنتاجية لصادرات الأردن، والتي تمثلت في: تشكيل العجز التجاري المزمن سمةً هيكلية ثابتة على مدار السنوات الماضية، ببلوغه 9.7 مليار دينار في عام 2024، وتشكيله ربع حجم الاقتصاد الوطني سنويًا خلال الأعوام الأربع الأخيرة.
وأشار المنتدى إلى هيكل الصادرات الأردنية، والذي يتسم بدرجة عالية من التركّز السلعي؛ حيث شكّلت ثلاث مجموعات سلعية فقط، وهي: الألبسة، والأسمدة، والمنتجات الكيماوية مجتمعةً نحو 40% من إجمالي الصادرات الوطنية. كما يُلاحظ أن ما يقرب من 68% من الصادرات تتركّز في ثماني مجموعات سلعية، معظمها منتجات أولية (بنسبة 15%)، ومنخفضة التعقيد التكنولوجي (سلع استهلاكية بنسبة 42.9%)، وسلع رأسمالية بما نسبته 5% فقط.
وفي ذات السياق، بيّن أن الأردن يعاني من قصور واضح في تبني التكنولوجيا الحديثة في العملية التصنيعية، فبالنظر إلى نسبة الصادرات ذات التكنولوجيا العالية، نجد أنها لم تتجاوز نسبة 1.7% من إجمالي صادرات الأردن الصناعية، مما يضعه في مرتبة متأخرة مقارنةً بعدد كبير من الدول النامية والمتقدمة على حد سواء. حيث بلغت نسبة الصادرات ذات التكنولوجيا العالية 71.8% في هونغ كونغ، و56% في سنغافورة. فيما تتفوق دول عربية على الأردن، كالإمارات بنسبة 9.3%، وتونس بنسبة 7.4%، ولبنان بنسبة 7.2%.
وأوضح المنتدى تدنّي حصة القيمة المضافة من الإنتاج القائم في معظم القطاعات الصناعية، بما في ذلك القطاعات التي تمثل صادراتها النسبة الكبرى من إجمالي الصادرات الوطنية. مشيرًا إلى أن نسبة القيمة المضافة لـ75 نشاطًا صناعيًا من أصل 99 نشاطًا صناعيًا (وفق تصنيف ISIC) كانت أقل من 50% من إجمالي الإنتاج القائم لكل نشاط. فيما بلغت نسبة القيمة المضافة من الإنتاج القائم للصناعة الأردنية ككل 40.1%. مُشيرًا إلى أن النشاط الصناعي، على الرغم من مساهمته الظاهرة في التصدير، فإنه لا يُولّد قيمة مضافة مرتفعة، الأمر الذي يحدّ من مساهمته في تحفيز النمو الاقتصادي الحقيقي، وخلق فرص عمل مجزية.

وأشار منتدى الاستراتيجيات في ورقته إلى أن العديد من الأطر والسياسات الصناعية والاتفاقيات التجارية في العالم تعتبر أن نسبة القيمة المضافة المحلية في المنتج هي المعيار الأساسي لتحديد مدى أهلية السلع للاستفادة من الإعفاءات الجمركية أو التسهيلات التجارية. وتتراوح النسب المطلوبة عادةً بين 40% كحد أدنى لتصل إلى نحو 60% في بعض الحالات، من القيمة الإجمالية للمنتج في العديد من دول العالم، وفق منظمة التجارة العالمية.
وتُبرز جميع المؤشرات السابقة مجموعة من التحديات البنيوية في القاعدة الإنتاجية الأردنية، ويأتي في مقدمة تلك المؤشرات العجز التجاري المزمن والمتزايد، الذي يُعزى بدرجة كبيرة إلى الاعتماد المفرط على المستوردات لتلبية احتياجات السوق المحلي، وضعف التنافسية، ومحدودية القيمة المضافة المتضمنة في الصادرات.
كما تُعمّق هذه الاختلالات درجة التركّز السلعي المرتفعة في الصادرات، مما يُقوّض مرونة الاقتصاد الأردني في مواجهة الصدمات الخارجية، ويكشف عن ضعف القاعدة المعرفية والتكنولوجية اللازمة للانتقال نحو صناعات أكثر تنوعًا وتعقيدًا. كما تُسلّط النسبة المتدنية لصادرات التكنولوجيا العالية الضوء على الفجوة الواسعة بين الصناعة الوطنية والتكنولوجيا المتقدمة، مما يُعيق بناء قدرات إنتاجية قائمة على الابتكار والمعرفة.
وحول مؤشر التعقيد الاقتصادي بنسخته العاشرة – الصادر عن مختبر النمو التابع لجامعة هارفارد – ذكر المنتدى بأن المؤشر يُعنى بقياس درجة المعرفة الإنتاجية المتضمنة في هيكل صادرات الدول، ويعتمد على تحليل تشابكي للعلاقات بين البلدان والمنتجات، بالتركيز على بُعدي التنوع والانتشار.
ولفت المنتدى النظر إلى أن الأردن قد جاء في المرتبة 45 عالميًا من بين 145 دولة، والثانية عربيًا بعد الإمارات، بدرجة تعقيد بلغت 0.44 نقطة. فيما تصدّرت كل من سنغافورة، وسويسرا، واليابان، وتايوان، وكوريا الجنوبية قائمة الدول الأكثر تعقيدًا بحسب تصنيف مؤشر التعقيد الاقتصادي لعام 2023.
وأشار المنتدى إلى التراجع الملحوظ في أداء الأردن على المؤشر خلال العقدين الماضيين، حيث انخفض من 0.86 نقطة في عام 2001، إلى 0.55 في عام 2015، ثم إلى 0.44 نقطة في عام 2023. وهو ما أدى إلى انخفاض كبير في مرتبة الأردن عالميًا على المؤشر من المرتبة 26 عام 2001، إلى المرتبة 45 عام 2023.
وبيّن المنتدى من خلال تحليله لنتائج المؤشر حول توزيع المنتجات الأردنية المُصدَّرة، بحسب درجة التعقيد الاقتصادي، أن غالبيتها تندرج ضمن فئة المنتجات ذات التعقيد “المنخفض إلى المنخفض جدًّا”. في المقابل، هناك عدد محدود من المنتجات ذات درجة تعقيد “متوسطة”، بينما تكاد تغيب المنتجات “عالية التعقيد” عن محفظة الصادرات الوطنية.
وذكر المنتدى بأن هذه النتائج تُفسر أسباب استمرار التباطؤ في تنويع القاعدة الإنتاجية. فمنذ عام 2008، لم يُضف إلى محفظة الأردن التصديرية سوى 17 منتجًا جديدًا فقط. كما كان الأثر الاقتصادي لهذه المنتجات محدودًا؛ حيث لم تتجاوز مساهمتها في نصيب الفرد من الناتج القومي الإجمالي 14 دولارًا فقط بحلول عام 2023. علاوة على أن درجة التعقيد لـ4 منتجات فقط من تلك المنتجات الجديدة المصدّرة لم تتجاوز درجة “التعقيد المتوسطة”.
وبنظرة إيجابية، تشير نتائج تقرير أطلس مؤشر التعقيد الاقتصادي إلى أن القاعدة الإنتاجية في الأردن تُعَدّ أكثر تعقيدًا من مثيلاتها من الدول ذات الدخل المتوسط – المنخفض. مما يعكس وجود قاعدة معرفية وإنتاجية كامنة، ولكنها غير مستغلة، لا بد من البناء عليها. ففي ضوء استمرار محدودية التكنولوجيا المستخدمة في القطاعات الإنتاجية الحالية، وتواضع درجة التنويع، يتوقع مختبر النمو في هارفارد ألّا يتجاوز معدل النمو الاقتصادي في الأردن بالمتوسط نسبة 1.7% سنويًا خلال العقد المقبل. مما قد يضعه في النصف الأدنى من دول العالم، من حيث التوسع في الناتج المحلي الإجمالي.
وأشار المنتدى إلى أن هذا التوقع يُعدّ دون مستوى الطموح الذي نسعى إليه من خلال رؤية التحديث الاقتصادي (معدل نمو سنوي 5.6% بالمتوسط) خلال الفترة ذاتها، مما يُسلّط الضوء على ضرورة التحوّل نحو اقتصاد أكثر تعقيدًا وإنتاجية كشرط حتمي لتحقيق أهداف الرؤية، وبالأخص محور الصناعات عالية القيمة.
بالمحصلة، أظهرت نتائج الورقة أن بُنية الاقتصاد الأردني قد شهدت خلال العقدين الماضيين تراجعًا مستمرًا في درجة التعقيد الاقتصادي نتيجة محدودية القاعدة الإنتاجية، وضعف التنويع في السلع والأسواق، وانخفاض القيمة المضافة للصادرات. مما يعني صعوبة تحقيق نموّ مستدام وفق الطموح المنشود، في حال استمرت العملية الإنتاجية والتصديرية على ذات النهج.
وللمضي قدمًا، يوصي منتدى الاستراتيجيات الأردني بضرورة تبنّي إستراتيجية صناعية موجهة نحو تنويع الإنتاج والصادرات، تعتمد على إمكانات المعرفة الإنتاجية الحالية، مع استكشاف فضاءات منتجات جديدة ذات قيمة مضافة عالية. ولا يقتصر الأمر على إنتاج سلع جديدة، بل يستوجب التدرّج نحو منتجات أكثر تعقيدًا، ترتبط بالقدرات القائمة، وتُمهّد الطريق لنمو مستقبلي مستدام.
وشدد المنتدى على أهمية تحفيز الاستثمار في الأنشطة القريبة من القاعدة الإنتاجية الحالية، التي تتمتع بدرجة أعلى من التعقيد، وذلك بإنشاء برامج متخصصة لتشجيع “التحول الصناعي التدريجي”، تهدف إلى تقديم منح أو قروض ميسّرة للمصانع الصغيرة والمتوسطة لتطوير منتجات جديدة ترتبط معرفيًا بمنتجاتها القائمة، مع إعطاء أولوية للقطاعات الواعدة، مثل: الصناعات الكيماوية، والأدوية، وتجهيز الأغذية، وكذلك المنتجات المحلية البديلة للمستوردات.
ودعا المنتدى إلى ضرورة تقديم المساندة الفنية في مجالات نقل التكنولوجيا، وتحديث خطوط الإنتاج، بالتعاون مع مراكز الأبحاث الوطنية، مثل “المركز الأردني للتصميم والتطوير (JODDB)”.
كما نوّه المنتدى إلى أهمية تأسيس وحدة لتحليل سلاسل القيمة المضافة ضمن وزارة الصناعة أو أي جهة معنية أخرى، بالتعاون مع دائرة الإحصاءات العامة، وبالاستناد إلى نتائج تحليل جداول المدخلات والمخرجات، من أجل تحديد الروابط الإنتاجية للقطاعات ذات الأولوية، واستخدام النتائج في توجيه السياسات القطاعية نحو المنتجات التي تمتلك روابط إنتاجية واسعة، وتُتيح تنويعًا سلعيًا مستقبليًا.
وأوصى المنتدى بضرورة تبني مبادرات متخصصة في المهارات “من أجل زيادة التعقيد”؛ بهدف تطوير رأس المال البشري، بما يتوافق مع متطلبات الصناعات المعقدة؛ ولا سيما المهارات التقنية والإدارية والمعرفية. ويتحقق ذلك بالشراكة الفاعلة ما بين وزارة العمل، ومؤسسة التدريب المهني، والقطاع الصناعي، ومجالس المهارات القطاعية؛ بهدف تصميم وتنفيذ برامج تدريبية قصيرة ومكثفة تُركّز على المهارات المطلوبة في القطاعات ذات التعقيد المرتفع، مثل: الإلكترونيات، والتصنيع المتقدم، والتجميع الهندسي.
وشدد المنتدى على أهمية تشجيع انتقال الشركات الصغيرة والمتوسطة نحو القطاعات والمنتجات الأكثر تعقيدًا، وتسهيل ذلك بتحسين بيئة الأعمال لدعم الصناعات ذات القيمة المضافة، وذلك من خلال تبسيط الإجراءات التنظيمية والإدارية، ودعم التكامل الصناعي المحلي، وتحفيز البحث والتطوير (R&D)، بإقامة شراكات فاعلة بين الصناعة والجامعات ومراكز الأبحاث، مع ضرورة وضع نموذج استرشادي لتوضيح العلاقة حول حقوق الملكية الفكرية.
كما لا بد من العمل على تيسير إجراءات التصدير والتوسع نحو أسواق جديدة، من خلال تحسين خدمات التخليص الجمركي. وأيضًا إطلاق “برامج تدريب متخصصة في التصدير” تستهدف الشركات الناشئة والصغيرة، وذلك بهدف تعزيز قدرات تلك الشركات على دخول الأسواق الخارجية.
وفي ختام الورقة، أشار منتدى الاستراتيجيات الأردني إلى أهمية اعتماد نهج استراتيجي لزيادة مستويات التعقيد الاقتصادي في القاعدة الإنتاجية والتصديرية للمملكة، وبما يعزز من فرص التنويع والانخراط في سلاسل القيمة العالمية. وفي هذا السياق، أوصى المنتدى بتبني ما يُعرف بـ”نهج القفزات الطويلة” (Long Jumps Approach)، الذي يرتكز على تحديد المنتجات التصديرية ذات الدرجة العالية من التعقيد، والقريبة نسبيًا من الإمكانات الإنتاجية الحالية، والتي تتيح في الوقت ذاته مكاسب كبيرة على صعيد القيمة المضافة والنمو المستقبلي والمستدام.
وتُظهر نتائج التحليل أن المحفظة التصديرية المقترحة، التي تستند إلى نهج القفزات بعيدة المدى، تشمل 50 منتجًا رئيسًا موزعة على قطاعات اقتصادية متنوعة، أبرزها: القطاع الكيميائي (مثل اللقاحات، والمواد اللاصقة، والراتنجات)، وقطاع الآلات والمعدات الصناعية (بما في ذلك المضخات، والأفران، وأدوات تشكيل المعادن)، إلى جانب قطاع المعادن والمنتجات الهندسية، والصناعات البلاستيكية والمطاطية، والصناعات النسيجية التقنية، وقطاع المركبات وقطع الغيار، بالإضافة إلى منتجات زراعية وغذائية مختارة. ويعكس هذا التنوع في القطاعات والمنتجات السعي إلى توسيع وتنويع القاعدة الإنتاجية نحو مجالات أكثر تعقيدًا وربحية على المدى المتوسط والبعيد.
في تطور لافت في العلاقات النفطية بين العراق وتركيا، أعلنت أنقرة، اليوم الاثنين الماضي إنهاء العمل باتفاقيات خط أنابيب النفط مع العراق، اعتباراً من يوليو 2026.
القرار، الذي صدر بمرسوم رئاسي ونُشر في الجريدة الرسمية التركية، قد يكون بداية لمرحلة جديدة في مسار خط “كركوك–جيهان، الذي كان لسنوات بمثابة شريان حيوي لصادرات النفط العراقي نحو البحر المتوسط.
هذا الإعلان يطرح تساؤلات كبيرة حول تداعياته السياسية والاقتصادية، ويضع العراق أمام تحديات جدية في البحث عن بدائل استراتيجية. ويرى وزير النفط العراقي الأسبق، إبراهيم بحر العلوم، في تصريحات خاصة لـ”الشرق” بعد إعلان القرار أن “إلغاء الاتفاقية من طرف واحد يثير إشكالات قانونية، لكن يُتوقع أن يخضع الملف لمفاوضات جديدة بين بغداد وأنقرة، خاصة بعد تحسن العلاقات مؤخراً”.
في هذا التقرير، نعود إلى أبرز محطات هذا الخط، ونناقش ما قد يحمله المستقبل من خيارات.
ما هو خط أنابيب “كركوك–جيهان”؟ وكيف بدأ؟
يُعد خط أنابيب كركوك–جيهان أحد خطوط تصدير النفط العراقي الأساسية، حيث ينقل الخام من الحقول النفطية في شمال العراق، خاصة في إقليم كردستان وكركوك، إلى ميناء جيهان التركي على البحر المتوسط. تم توقيع الاتفاقية الأصلية بين العراق وتركيا في 27 أغسطس 1973، ودخل الخط حيز التشغيل الفعلي في عام 1977، وكان هدفه تمكين العراق من تصدير نفطه للأسواق العالمية عبر المتوسط، بعيداً عن مضيق هرمز.
في البداية، كانت الحكومة العراقية المركزية تمتلك وتُشغل الخط بالكامل، لكن بعد سقوط نظام صدام حسين في 2003، بدأ إقليم كردستان بتطوير بنيته التحتية النفطية الخاصة، وربط بعض الحقول بخط جيهان عبر أنابيب جديدة أنشأها الإقليم، ما مكنه من تصدير النفط بشكل شبه مستقل عن بغداد.
أثار هذا التوجه خلافات قانونية وسياسية بين الحكومة المركزية وحكومة الإقليم، وأدى إلى توترات قانونية مع بغداد، التي رفضت هذا التوجه باعتباره انتهاكاً للسيادة الوطنية.

أهمية هذا الخط اقتصادياً وسياسياً
اقتصادياً، شكل هذا الخط منفذاً حيوياً لنحو 450 ألف برميل يومياً من نفط كردستان، إضافة إلى نحو 75 إلى 100 ألف برميل من نفط كركوك. وهو ما يمثل أكثر من 10% من صادرات العراق النفطية، ويوفر نحو 80% من ميزانية إقليم كردستان.
سياسياً، شكل الخط ورقة ضغط بيد أربيل، فيما اعتبرته بغداد خرقاً دستورياً، لا سيما أن إيرادات التصدير لم تكن تُدار مركزياً. ولأجل ذلك، أبطلت وزارة النفط العراقية اتفاقيتين بين شركتي طاقة أميركية وحكومة الإقليم مؤكدة أن أي اتفاقيات استثمارية يجب أن تتم عبرها.
لماذا توقف الضخ عبر الأنبوب في مارس 2023؟
توقف الضخ بعد صدور حكم تحكيم دولي من غرفة التجارة الدولية في باريس، قضى بأن تركيا خالفت اتفاق 1973 عبر سماحها لإقليم كردستان بتصدير النفط دون موافقة بغداد بين 2014 و2018. أُلزمت أنقرة بدفع تعويضات قدرها 1.5 مليار دولار، فبادرت إلى وقف تدفق النفط فوراً، بحجة إجراء مراجعة فنية للأنبوب. لكن مراقبين رأوا أن السبب الحقيقي كان تصعيداً قانونياً وسياسياً، ما أدى إلى خسائر عراقية تُقدر بـ19 مليار دولار حتى فبراير 2025.
ويرى الخبير النفطي العراقي والمدير العام السابق في وزارة النفط العراقية، شريف محسن، الذي تحدث إلى الشرق، أنه “كان من الأفضل ألا يُقدِم العراق على رفع دعوى قضائية ضد تركيا من الأساس، وكان الأجدى دراسة العواقب قبل اتخاذ هذا القرار”.
وأضاف: “لم يتم تقييم مصالحنا المشتركة مع أنقرة بشكل دقيق. صحيح أن العراق ربح 1.5 مليار دولار، لكن هذا المبلغ يعادل تشغيل أحد الأنابيب لأقل من شهر”.
ووفق محسن، الذي عمل ثلاث سنوات ممثلاً نفطياً للعراق في تركيا ومشرفاً على الأنبوب من الجانب العراقي، كان يمكن تحقيق نتيجة أفضل عبر التفاوض بدلاً من التقاضي. وتابع: “أعرف جيداً كيف يمكن كسب الأتراك كأصدقاء أو تحويلهم إلى خصوم”.
دلالة إعلان تركيا الانسحاب من الاتفاقية النفطية
القرار التركي شمل إنهاء العمل بكل الاتفاقيات والبروتوكولات المرتبطة بخط الأنابيب، بما في ذلك اتفاقية 1973، بروتوكول 1976، مذكرة التفاهم 1981، الاتفاقية التكميلية 1986، واتفاقية التعديل المبرمة في 2011. ويعني ذلك أن تركيا لن تكون ملزمة قانونياً بنقل النفط العراقي عبر أراضيها اعتباراً من يوليو 2026، ما لم يتم توقيع اتفاقية جديدة.
وبحسب مصادر رسمية تحدثت إلى بلومبرغ، فإن أنقرة ترى أن الشروط الحالية غير مُجزية، وتطمح إلى اتفاق جديد يعزز عوائدها ويمنحها مرونة أكبر في إدارة الخط.
ووفقاً لشخص فضل عدم الكشف عن هويته في شركة “بوتاش” التركية -التي تشغل خط الأنابيب- تحدث إلى الشرق، فإن “أنبوب كركوك-جيهان متوقف عن العمل منذ ثلاث سنوات، ومع ذلك تتحمل الميزانية التركية تكاليف تشغيله، بما يشمل الحراسة والمضخات والمهندسين والإداريين والمشرفين. كان من المفترض أن تُغطى هذه التكاليف من رسوم عبور النفط، لكن خلال هذه الفترة لم يحدث أي ترانزيت، ما أدى إلى تراكم الأعباء المالية على أنقرة”.
يضاف إلى ذلك الغرامة التي فرضت على تركيا بقيمة 1.5 مليار دولار، “ما جعل الخط عبئاً اقتصادياً كبيراً، يستوجب غلقه من وجهة نظر العديد من المعنيين بالملف” حسب مسؤول “بوتاش”.

ميناء جيهان التركي على البحر الأبيض المتوسط الذي تتدفق عبره إمدادات النفط الخام من إقليم كردستان إلى الأسواق العالمية
ما تبعات القرار على العراق؟
وفق مصدر عراقي تحدث إلى الشرق شرط عدم ذكر اسمه، فأن توقف خط أنابيب كركوك–جيهان قد يحمل انعكاسات اقتصادية عميقة، خاصة على إقليم كردستان الذي يعتمد على صادرات النفط لتمويل نحو 80% من موازنته السنوية.
ومنذ مارس 2023، خسر الإقليم أكثر من ملياري دولار نتيجة توقف الضخ، ما فاقم من أزماته المالية.
أما على مستوى الدولة العراقية، فإن اللجوء إلى تصدير النفط عبر موانئ الجنوب يزيد من كلفة النقل والشحن، مما يضغط على هامش الأرباح.
كما تعاني حكومة الإقليم من عرقلة بعض عقود شركات الطاقة وتراكم ديون لصالح شركات النفط الدولية (IOCs) تفوق المليار دولار، ما أدى إلى خفض الاستثمارات بنحو 400 مليون دولار وتسريح مئات الموظفين، مما يهدد استدامة ضخ النفط من الإقليم على المدى المتوسط.
بدائل العراق بعد وقف الخط
يمكن للعراق التفاوض مجدداً مع تركيا على اتفاق جديد يراعي مصالح الطرفين -وهو ما ترغب فيه أنقرة- مع تقديم تسوية ترضي جميع الأطراف، وتحقق عائداً مادياً جيداً لهم. كما يمكن الضغط عبر التحكيم الدولي في حال فشل التفاوض. وإشراك وسطاء دوليين.
ووفق إبراهيم بحر العلوم، وزير النفط العراقي الأسبق، فإن الخط “كان يصدر فقط 5% إلى 7% من صادرات العراق”، بما يشمل خفض التعويضات وزيادة الرسوم، خاصة في ظل مشاريع إقليمية كبرى مثل (طريق التنمية). و”تسعى تركيا الآن إلى إعادة التفاوض لتحسين شروطه”، حسب قوله.
تستطيع بغداد التفكير أيضاً في إحياء خط العراق سوريا بانياس كبديل للخط التركي، لكن المشروع يواجه عقبات ضخمة أبرزها عدم الاستقرار الأمني في سوريا، وتكاليف إعادة التأهيل المقدرة بمليارات الدولارات.
تأهيل خطوط تصدير بديلة عبر الخليج أحد الخيارات المطروحة كذلك على الطاولة، لكن التكاليف ستكون مرتفعة للغاية على الأرجح.
حين دخلت “بتكوين” دائرة الاهتمام العام في عام 2013، سرعان ما أسرت فكرتها اهتمام الناس، بوصفها عملة مشفرة تتيح مدفوعات فورية ومجهولة الهوية دون الحاجة إلى البنك. وقفز سعرها في ذلك العام من نحو 13 دولاراً إلى 747 دولاراً.
وبعد اثني عشر عاماً، تخطت العملة المشفرة الأشهر عالمياً حاجز 120 ألف دولار. وعلى مدار هذه الرحلة، تشكلت عشرات الآلاف من الثروات الشخصية (وتبدد بعضها). لكن رغم كل النقاش حول انتشار “بتكوين“، إلا أنها لم تهدد أبداً بإزاحة العملات التقليدية كوسيلة لدفع ثمن البقالة أو شراء السيارات، أو حتى إرسال الأموال عبر الحدود، وهي خدمات يمكن القول إنها مهيأة تماماً للتغيير في ظل الرسوم المرتفعة التي تتخللها.
السبب الرئيسي وراء بقاء “بتكوين” كأصل يحظى بالاهتمام لا علاقة له باستخدامه كوسيلة للمدفوعات. فما دفعها إلى تحقيق ارتفاعات قياسية جديدة هو اعتمادها من قبل القطاع المالي التقليدي كبديل قوي للأسهم والسندات والعقارات والذهب. وقد أسهم ازدياد عدد “مليونيرات بتكوين” في إثارة شهية كثيرين ممن يريدون اقتناص جزء من المكاسب، مما وضع مستشاري الاستثمار تحت ضغط متزايد لإتاحة فرصة التعرض لهذا الأصل الرقمي لعملائهم. وفي الوقت الحالي، باتت المؤسسات المالية الكبرى تطرح صناديق “بتكوين” المتداولة في البورصة، مسوقة إياها كأداة تساعد المستثمرين على تنويع محافظهم الاستثمارية والتحوط من مخاطر التضخم.
هذا التحول حظي بدعم الحكومة الأميركية بفضل سلسلة من التشريعات أقرها الكونغرس بدفع مباشر من الرئيس الأميركي المؤيد للعملات المشفرة دونالد ترمب. غير أن انفتاح القطاع المالي التقليدي على العملات الافتراضية يثير تساؤلات جوهرية، من بينها: كيف يمكن للمصرفيين التوصية بأصل لا يستند إلى قيمة جوهرية سوى ندرته (حتى الذهب يمكن تحويله إلى المجوهرات)؟ وإذا كان سعر “بتكوين” يقوم على مجرد أمل أن يشتريه المزيد من الناس، فماذا سيكون المصير حين تشتريها آخر مؤسسة مالية راغبة في اقتنائها؟
ما هي “بتكوين”؟
تُعد “بتكوين” وغيرها من العملات المشفرة رموزاً رقمية تعمل من خلال شبكة “بلوكتشين”، وهي بمثابة سجل رقمي يُستخدم لتوثيق المعاملات. ويُعتبر رمز “بتكوين” المتداول اليوم هو العملة الرئيسية على شبكة “بلوكتشين” الخاصة بها. وتُعرف هذه الرموز بالعملات المشفرة لأنها تعتمد على تقنيات التشفير، إذ تُشفر بطريقة تجعل من التزوير، وهو التهديد الأكبر لأي عملة، أمراً مستحيلاً. ولهذا السبب، يمكن لهذه العملات الاحتفاظ بقيمتها من دون الحاجة إلى أي ضمان من جهة مركزية مثل الحكومات.
وُضع المخطط الأساسي لعملة “بتكوين” في ورقة بيضاء نُشرت عام 2008 على يد شخص أو مجموعة أشخاص استخدموا الاسم المستعار ساتوشي ناكاموتو، ولا تزال هويتهم الحقيقية مجهولة، رغم تعدد المحاولات لنسب الفكرة إليهم أو ادعاء الفضل في ابتكارها. ومع أن العملات الافتراضية لطالما استُخدمت في ألعاب الإنترنت الخيالية، فإن الفكرة الجوهرية التي تميز “بتكوين” كانت في تقنية “بلوكتشين”، وهو سجل إلكتروني علني وشبه مجهول، يُستخدم لتوثيق المعاملات باستخدام الرمز المشفر.
تؤدي تقنية “بلوكتشين” الدور ذاته الذي يؤديه النظام المصرفي في حالة العملات التقليدية، حيث تتبع حركة الأموال بين الأطراف المختلفة، بما يضمن عدم إنفاق نفس المبلغ مرتين. ويمكن تنفيذ معاملات “بتكوين” عبر مواقع إلكترونية أو تقينات توفر “محافظ” إلكترونية ترفع بيانات المعاملة إلى الشبكة (مع العلم أنها ليست آمنة دائماً). وتُجمع المعاملات الجديدة في دفعة، ثم تُبث إلى الشبكة للتحقق منها من قِبل ما يُعرف باسم “مُعدني بتكوين”.
ما هو تعدين “بتكوين”؟
يستطيع أي شخص أن يصبح من مُعدني “بتكوين”، بشرط أن يمتلك حاسوباً فائق السرعة وكمية كبيرة من الكهرباء واستعداداً لحل الألغاز. إذ يتم تشفير بيانات المعاملات ضمن كل دفعة باستخدام خوارزمية لا يمكن فكها إلا من خلال عملية تخمين تعتمد على المحاولة والخطأ على نطاق واسع. وهنا، يُسخّر المُعدّنون قدرات حوسبة هائلة للتنافس على من يتمكن أولاً من حلها.
وعندما يُتحقق من صحة الحل من قِبل مُعدّنين آخرين، تُضاف البيانات إلى سلسلة مترابطة من كتل البيانات، ويُكافأ المُعدن بإصدار جديد من عملة “بتكوين”. وتضم كل كتلة بيانات ترتبط بكتل سابقة، ما يجعل من أي محاولة لإنفاق نفس العملة مرتين أمراً يتطلب مراجعة عدد كبير من الروابط في السلسلة. وأثناء هذا التنافس، يتحقق المُعدنون من أعمال بعضهم البعض في كل خطوة تُتخذ.
ما الذي يمنح “بتكوين” قيمتها؟
لا يحصل مالكو “بتكوين” على دخل أو عائد دوري كما هو الحال مع حاملي الأسهم أو السندات. وتنبع قيمة “بتكوين” من كونها عملة محدودة العرض، إذ ينص بروتوكولها البرمجي على ألا يتجاوز عدد العملات المتداولة 21 مليون وحدة. وفوق ذلك، ينخفض معدل إصدار “بتكوين” جديدة إلى النصف تقريباً كل أربع سنوات، مما يؤدي إلى تباطؤ نمو المعروض بمرور الوقت، بصرف النظر عن الطلب.
ويرى مؤيدو “بتكوين” أن هذه الندرة تجعل منها بديلاً جذاباً للعملات التقليدية، التي قد تفقد قيمتها عندما تطبع البنوك المركزية المزيد منها لتحفيز النمو الاقتصادي. وحتى الذهب، يمكن استخراج كميات إضافية منه وتنقيتها إذا أدى ارتفاع الطلب إلى زيادة الأسعار.
يلجأ بعض العمال المهاجرين إلى استخدام “بتكوين” كوسيلة لتحويل الأموال إلى عائلاتهم في بلدانهم، كما تُستخدم أيضاً في شراء سلع غير قانونية عبر الإنترنت المظلم، أو من قبل مجرمين يمارسون غسل الأموال (رغم أن هناك عملات مشفرة أخرى توفر مستويات أعلى من إخفاء الهوية مقارنة بـ”بتكوين”). ومع ذلك، فإن الغالبية العظمى من مالكي “بتكوين” اليوم ينظرون إليها كأصل يُحتفظ به، وليس كعملة تُستخدم في عمليات الشراء، كما أنهم يعتقدون أن ندرتها ستدفع سعرها نحو الارتفاع في المستقبل القريب.
لماذا لا تُعد “بتكوين” عملية كعملة؟
يمكن أن تكون تسوية المعاملات باستخدام “بتكوين” بطيئة خلال فترات ازدحام شبكة “بلوكتشين” الخاصة بها. كما أن سعر “بتكوين” يتسم بتقلبات حادة، لذا يصعب التنبؤ بعدد التفاحات أو الأحذية أو سيارات لامبورغيني التي يمكنك شراؤها بها من أسبوع إلى آخر. وفي المقابل، لا تشهد العملات التقليدية مثل هذه التقلبات السعرية إلا في حالات الاضطرابات السياسية أو الاقتصادية.
ليس هناك سوى دولار أميركي واحد فقط، لكن “بتكوين” عليها منافسة عملات مشفرة أخرى في المعاملات التجارية، مثل “إيثريوم” و”دوج كوين”. كما أن ارتفاع رسوم الشبكة المرتبطة بـ”بتكوين” يجعلها غير عملية في المدفوعات الصغيرة. ورغم أن حكومة السلفادور اعتمدت “بتكوين” كعملة قانونية في عام 2021، إلا أن نسبة المعاملات التي تُسدد بها لا تتجاوز 4.9%، بحسب دراسة أُجريت في عام 2023.
في المقابل، تُعتبر العملات المشفرة المستقرة خياراً أكثر ملاءمة للمدفوعات، لأنها تهدف إلى الحفاظ على قيمة مكافئة للعملات التقليدية، والتي عادةً ما تكون الدولار الأميركي. ومع ذلك، لا تزال هذه العملات تُستخدم في الغالب من قبل مستثمري العملات المشفرة، كوسيلة للتنقل بين الرموز الرقمية والبورصات، أو للاحتفاظ بالأرباح دون تحويلها مجدداً إلى عملة ورقية.
لماذا تُعد “بتكوين” استثماراً جذاباً؟
إلى جانب ما تتمتع به من ندرة في المعروض، تُعد “بتكوين” عملة ذات سيولة عالية، حيث يمكن شراؤها وبيعها عبر الحدود. كما لا يشترط امتلاك وحدة كاملة، التي تجاوز سعرها 119 ألف دولار اعتباراً من منتصف يوليو، إذ يمكن تقسيم كل وحدة وتداولها في شكل أجزاء.
تستمد “بتكوين” قيمتها اليوم من دورها المتصوّر كأداة تحوط كلية، وهذا يعني أنها أداة لتنويع المحافظ الاستثمارية لتقليل انكشافها على تقلبات الاقتصاد العالمي، والسياسات غير المتوقعة، والتضخم الذي قد يُضعف القوة الشرائية للعملات التقليدية.

جهاز صراف آلي للعملات المشفرة في هونغ كونغ – بلومبرغ
لماذا ارتفعت قيمة “بتكوين” في عام 2025؟
باعتبارها العملة المشفررة الكبرى، تُعد “بتكوين” مؤشراً على قوة سوق العملات المشفرة ككل. فقد شهدت العملة سلسلة من الانهيارات على مر السنين، كان أحدثها في عام 2022، عندما انهارت إحدى العملات المستقرة وتفككت منصة تداول العملات المشفرة “إف تي إكس” (FTX)، ما تسبب في موجة إفلاسات داخل القطاع.
ودفعت هذه الأحداث بعض الحكومات المترددة إلى الاعتقاد بأن المخاطر المرتبطة بالعملات المشفرة تفوق بكثير أي فوائد محتملة من تبنيها. وفي نوفمبر 2022، وصف البنك المركزي الأوروبي في منشور على مدونته تعافي “بتكوين” الجزئي بعد الانهيار بأنه “نفس أخير مصطنع قبل دخولها طريق التلاشي”.
مع ذلك، انتعشت “بتكوين” وبدأت تستقطب اهتماماً متزايداً من جانب بعض أكبر الفاعلين في القطاع المالي التقليدي. وبحلول مطلع عام 2024، سجلت العملة المشفرة مستويات قياسية جديدة، مدفوعة بتكهنات حول إعادة انتخاب الرئيس الأميركي دونالد ترمب، المعروف بتأييده للعملات المشفرة، وحثه للكونغرس على سن تشريعات تُنظم القطاع بأسلوب شبيه لتنظيم الأصول التقليدية. وأدى فوز ترمب في انتخابات نوفمبر إلى دفع “بتكوين” لتسجيل أرقام قياسية جديدة.
وفي 18 يوليو، وقع ترمب أول مشروع قانون فيدرالي لتنظيم العملات المستقرة، واصفاً هذه الخطوة بأنها “قفزة عملاقة لترسيخ الهيمنة الأميركية على التمويل العالمي وتقنيات التشفير”.
ماذا يعني تشريع ترمب للعملات المشفرة بالنسبة لـ”بتكوين”؟
من خلال تصنيف بعض الأصول المستندة إلى تقنية “بلوكتشين” كـ”سلع رقمية”، سيساهم هذا التشريع في تقليل الغموض التنظيمي حول “بتكوين” والعملات المشفرة الأخرى، مما يسهل على المؤسسات المالية اتخاذ قرارات بشأن الاستثمار في هذا القطاع. هذا التغيير قد يزيد من الطلب على “بتكوين” ويوفر للعملاء مزيداً من الخيارات حول أماكن التداول.
في السنوات الأخيرة، كانت هناك إجراءات إنفاذ ضد الشركات المشفرة التي تقدم أوراقاً مالية غير مسجلة. وبموجب “قانون الوضوح”، سيتم تقسيم الرقابة التنظيمية الأميركية على العملات المشفرة بشكل أكثر وضوحاً بين لجنة تداول السلع الآجلة وهيئة الأوراق المالية والبورصات، مما يعزز من ثقة الشركات بشأن وضعها التنظيمي عند تقديم العملات المشفرة لعملائها.
يمكن أن تدعم قواعد أخرى، مثل وضع إطار قانوني للعملات المستقرة، “بتكوين” أيضاً. إذا أصبحت العملات المستقرة أكثر انتشاراً، فقد يجد الناس سهولة في استخدام “بلوكتشين” للمدفوعات اليومية وتداول العملات المشفرة الأخرى. كما وعد ترمب بإنشاء احتياطي استراتيجي لعملة “بتكوين”، ما قد يعزز الثقة في هذه الفئة من الأصول.
من هم الداعمون الجدد لـ”بتكوين”؟
بدأ بعض من أبرز اللاعبين في القطاع المالي العالمي بالاستثمار في “بتكوين” اليوم. تقدم شركات إدارة الثروات مثل “بلاك روك” و”فيديلتي” صناديق مؤشرات متداولة مرتبطة بالعملة المشفرة، مما يسهل على المستثمرين متابعة تحركات سعر “بتكوين” عبر المنصات التقليدية مثل بورصات الأسهم. اليوم، يُتداول ما يقارب 70 مليار دولار عبر صناديق “بتكوين” المتداولة في الولايات المتحدة.
في السنوات الأخيرة، دخلت بعض الشركات في مجال تقديم خدمات الحفظ أو التداول لـ”بتكوين”، مثل “بي إن واي” (BNY) و”غولدمان ساكس” (Goldman Sachs) و”ستاندرد تشارترد” (Standard Chartered). إضافة إلى ذلك، قامت شركات استثمارية مثل “توينتي ون كابيتال” (Twenty One Capital) المدعومة من مجموعة “سوفت بنك”، و”ترون” (Tron) التابعة لجاستن صن، و”استراتيجي” (Strategy) المملوكة لمايكل سايلور، بجمع الأسهم وديون قابلة للتحويل لشراء “بتكوين” ورموز رقمية أخرى، ما أدى إلى ضخ هذه الأصول في أدوات مالية مدرجة بالفعل في بورصات الأسهم، مع مستويات متعددة من الهندسة المالية.
لم تكن هذه هي النتيجة التي تصورها الليبراليون المناهضون للحكومة، الذين دعموا “بتكوين” قبل أكثر من عقد كأداة لتحويل ميزان القوى في القطاع المالي لصالح الأفراد بدلاً من المؤسسات الكبرى. ومع ذلك، أصبحت “بتكوين” الآن ضرورية لعدد متزايد من المستثمرين الذين يسعون لتنويع المخاطر (ويحرصون على ألا يفوتهم الارتفاع التالي في سوق العملات المشفرة).

هل “بتكوين” هي المستقبل من جديد؟
يأمل مؤيدو “بتكوين” اليوم أن تُخفف قاعدتها المتزايدة من المؤسسات المالكة من تقلباتها الحادة، عبر دخولهم كمشترين طويلين الأجل في المرة القادمة التي يُصاب فيها المستثمرون الأفراد الأقل خبرة، والذين يتخذون قرارات سريعة، بالذعر ويضغطون على زر البيع.
إن وجود مجموعة أكبر وأكثر تنوعاً من المستثمرين سيعزز السيولة ويقلل تأثير الصفقات الكبيرة على حركة الأسعار. كما أن المؤسسات المالية توفر أدوات لإدارة المخاطر واستراتيجيات التحوط التي تساهم في تهدئة تقلبات الأسعار.
لكن من غير المعتاد أن تسُوق البنوك الكبرى لأصل معين بينما تُعبر في الوقت نفسه عن قلق كبير تجاهه. فقد وصف جيمي ديمون، الرئيس التنفيذي لبنك “جيه بي مورغان”، “بتكوين” بأنها “احتيال مبالغ فيه”، قائلاً إنه سيغلق قطاع العملات المشفرة إذا كان بإمكانه ذلك. هذا العام، بدأ مصرفه في قبول صناديق بتكوين المتداولة في البورصة كضمانات للقروض. وقال ديمون في يوم المستثمرين الذي نظمته شركته في مايو إنه لا يزال “غير معجب” بعملة “بتكوين”.
ومع تزايد اعتماد وول ستريت على “بتكوين”، يصعب تجاهل التوتر بين الحماسة والقلق. فقد تحول ما كان يُعتبر سابقاً أصلاً مضارباً إلى جزء من محافظ التقاعد وخطوط الائتمان وأطر الضمانات للبنوك الكبرى. وإذا وقع انهيار آخر، مثل التصحيح الحاد الذي مرت به “بتكوين” في 2022، فإن التداعيات لن تقتصر على الشركات المختصة بالعملات المشفرة والمستثمرين الأفراد المغامرين، بل قد تمتد إلى مؤسسات مثل صناديق التقاعد التي كانت في السابق بعيدة عن تقلبات العملة الرقمية.
ربما يجد المستثمرون الماليون الذين يقررون التوسع في الاستثمار في “بتكوين” وجعلها جزءاً كبيراً من محفظتهم أنها خطوة مكلفة، فقد أوصت لجنة بازل للرقابة المصرفية بأن العملات المشفرة مثل “بتكوين” يجب أن تواجه ترجيحاً للمخاطر يصل إلى 1250% عند امتلاكها من قبل البنوك. وهذا يعني أن امتلاك “بتكوين” سيكون مكلفاً للغاية بالنسبة لهم، حيث سيتعين عليهم الاحتفاظ بمبالغ ضخمة من رأس المال لحماية أنفسهم من مخاطر الخسائر الفادحة.
المصدر – بلو مبرغ
