Home اقتصاداقتصاديون: دمج الاقتصاد غير الرسمي في الاقتصاد الوطني ضرورة استراتيجية

اقتصاديون: دمج الاقتصاد غير الرسمي في الاقتصاد الوطني ضرورة استراتيجية

by sadmin

اسواق جو – بات دمج الاقتصاد غير الرسمي بالاقتصاد الوطني خيارا استراتيجيا ملحا، لما له من آثار تمتد إلى ما هو أبعد من استدامة المالية العامة، لتشمل جودة سوق العمل وتنافسية بيئة الأعمال.
والاقتصاد غير الرسمي يمثل مجموع الأنشطة الاقتصادية التي يمارسها أفراد أو مؤسسات صغيرة، وتنتج سلعا أو خدمات مشروعة، لكنها لا تخضع للتسجيل والرقابة والتنظيم أو الضرائب من الجهات الرسمية.
وأكد خبراء اقتصاديون لوكالة الأنباء الأردنية ( بترا)، أن الاقتصاد غير الرسمي لم يعد ظاهرة هامشية، بل غدا مكونا مؤثرا في النشاط الاقتصادي، يقيد القدرة على تحقيق نمو شامل، ويضعف تحقيق العدالة الضريبية، الأمر الذي يجعل استمرار توسع الاقتصاد غير الرسمي له انعكاس سلبي على الإيرادات الحكومية، وجودة فرص العمل، ومستويات الحماية الاجتماعية، فضلا عن تأثيره على المنافسة بين المنشآت والإنتاجية الكلية.
وقال أستاذ الاقتصاد بجامعة اليرموك سابقا الدكتور عبد الرزاق بني هاني، إن الاقتصاد غير الرسمي “غير المنظم” يمثل تحديا استراتيجيا أمام الاقتصاد الوطني، لا يقتصر على استدامة المالية العامة فحسب، بل يمتد ليشمل تحسين جودة سوق العمل، وضمان حماية اجتماعية عادلة، وتعزيز بيئة أعمال نظامية تنافسية.

http://petra.gov.jo/upload/Files/%D9%87%D8%A7%D9%86%D9%8A.jpg
وأوضح أن القطاع يتسم بانتشاره الواسع، وارتفاع نسبة العاملين فيه، إلى جانب ضعف قواعد الضبط الضريبي والاجتماعي، الأمر الذي يؤدي إلى استنزاف موارد الدولة والحد من قدرة السياسات الاقتصادية على تحقيق النمو الشامل.
وأشار إلى أن توسع القطاع يؤدي إلى تراجع إيرادات الضرائب غير المباشرة والمباشرة، حيث تعمل العديد من المشاريع الصغيرة دون تسجيل ضريبي سليم، ما يقلل من القاعدة الضريبية، ويزيد من الضغوط على المالية العامة، لافتا إلى أن الفاقد الضريبي غير المحصل قد يصل إلى مبالغ كبيرة سنويا.
وبين أن نجاح أي سياسة لدمج الاقتصاد غير المنظم يتطلب اعتماد نهج تدريجي وغير عقابي، وتكامل السياسات المالية والتشريعية والاجتماعية والتنظيمية، مع ضمان حماية الفئات الضعيفة، وتبني مرونة تنظيمية تتناسب مع أحجام الأنشطة وقدراتها.
واستعرض بني هاني حزمة من السياسات المقترحة، تشمل تبسيط الأعمال من خلال تطوير نظام إلكتروني موحد لتسجيل المشروعات وتقليل الزمن والتكلفة، وإدخال نماذج تسوية مبسطة للأعمال الصغيرة، إلى جانب حوافز ضريبية مرحلية وإعفاءات مؤقتة للمشروعات المنتقلة إلى القطاع المنظم.
ودعا إلى ربط التسجيل الرسمي بحوافز استثمارية مثل تسهيل الوصول إلى التمويل وبرامج التدريب، وتوسيع الحماية الاجتماعية بشكل جذاب بحيث يقترن التسجيل بالانضمام إلى أنظمة الضمان الصحي والاجتماعي مع دعم جزئي في المراحل الأولى، وأهمية ربط شبكات أمان انتقالية وتطوير نظام إحصائي ورقابي، يشمل مسحا دوريا شاملا للاقتصاد غير المنظم، واستخدام نظم رقمية لرصد النشاطات الاقتصادية، إلى جانب تعزيز القدرات والمهارات وتصميم برامج تدريب ودعم فني، وتيسير التمويل الصغير من خلال شراكات بين القطاع المصرفي ومؤسسات التمويل الأصغر لتوفير قروض بشروط ميسرة للمشروعات المنتقلة إلى النظام الرسمي.
وقالت المديرة التنفيذية لمنتدى الاستراتيجيات الأردني نسرين بركات، إن حجم الاقتصاد غير المنظم في الأردن لم يعد ظاهرة هامشية، بل بات مكونا واسع التأثير في بنية الاقتصاد الوطني وسوق العمل، لما يحمله من تداعيات مباشرة على المالية العامة، وعدالة المنافسة، وكفاءة السياسات الاقتصادية والتشغيلية.

http://petra.gov.jo/upload/Files/%D9%86%D8%B3%D8%B1%D9%8A%D9%86(1).jpg
وأضافت، إن تقديرات المنتدى تشير إلى ارتفاع نسبة العمالة غير الرسمية من إجمالي المشتغلين في المملكة، ما يعكس اتساع نطاق النشاط الاقتصادي خارج الأطر التنظيمية والضريبية والحماية الاجتماعية.
وبينت أن هذا الحجم الكبير للاقتصاد غير المنظم يخلف آثارا متعددة على الاقتصاد الوطني، حيث إن شريحة واسعة من العاملين خارج الاقتصاد الرسمي لا تسهم بصورة فعالة في رفد الإيرادات العامة، نظرا لعدم خضوعها لضريبة الدخل أو لمساهمات الضمان الاجتماعي، في الوقت الذي تستفيد فيه من الدعم غير المباشر على السلع والخدمات الأساسية.
وأكدت أن هذا الأمر يفرض أعباء إضافية على المالية العامة، ويؤثر في كفاءة توجيه الموارد الاقتصادية، مشيرة إلى أن جزءا كبيرا من دخل العمالة غير الرسمية ولا سيما الوافدة يحول إلى الخارج، ما يحد من أثرها التحفيزي على الطلب المحلي والناتج المحلي الإجمالي.
وأشارت إلى التأثير المباشر للاقتصاد غير المنظم على سوق العمل؛ إذ يسهم اتساعه في تشويه آليات المنافسة بين المنشآت، وإضعاف فرص التشغيل النظامي للأردنيين، وخلق مزاحمة غير متكافئة في قطاعات رئيسة مثل الزراعة والبناء والتجارة والخدمات.
وأكدت أن التعامل مع الاقتصاد غير المنظم يتطلب حزمة سياسات متكاملة تستهدف التنظيم والدمج التدريجي بدلا من المعالجة الجزئية أو المؤقتة، مبينة أن من أبرز الآليات الأكثر فاعلية التي أوصى بها المنتدى، هي إعادة ضبط موازين سوق العمل وتنظيم العمالة غير النظامية عبر مراجعة سياسات العمالة الوافدة، وتفعيل إدماجها ضمن الإطار الرسمي أو ترشيد وجودها بما يتوافق مع أولويات التشغيل الوطني والإنتاجية.
ودعت إلى ضرورة الرقابة على الاقتصاد غير الرسمي من خلال توسيع أدوات التفتيش وتفعيل العقوبات على الجهات التي تشغل عمالة غير رسمية، إلى جانب تبني حلول رقمية لتتبع هذه العمالة وتصنيفها ودمجها تدريجيا ضمن الاقتصاد الرسمي.
وأكدت أن ضبط ملف الاقتصاد غير المنظم ودمجه ضمن الإطار الرسمي يمثل خطوة محورية لتعزيز العدالة الضريبية، ورفع كفاءة الإنفاق العام، وتحسين إنتاجية سوق العمل، وتوجيه مكاسب النشاط الاقتصادي نحو الداخل بدلا من تسربها إلى الخارج، ما يسهم في دعم الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي وتحقيق نمو أكثر شمولا واستدامة.
بدوره، قال الباحث الاقتصادي الدكتور أحمد المجالي، إن الاقتصاد غير المنظم يحدث أثرا واسعا على الاقتصاد الوطني عبر قنوات الإنتاجية والمالية العامة وهيكل السوق، وليس فقط عبر التشغيل.

http://petra.gov.jo/upload/Files/%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%AC%D8%A7%D9%84%D9%8A(1).jpg
وأضاف، إنه وعلى مستوى النمو والإنتاجية، يميل النشاط غير المنظم إلى التركز في منشآت صغيرة منخفضة رأس المال والتكنولوجيا، فتتراجع إنتاجية العمل وتتسع فجوة الإنتاجية بين القطاعات/المنشآت، ويترسخ نمط نمو قائم على التوسع الأفقي بدل التراكم الرأسمالي والابتكار.
وبين المجالي أن الاقتصاد غير الرسمي يتسبب في اتساع فجوة الإيرادات (ضرائب مباشرة/غير مباشرة/اشتراكات ضمان) فيضعف الحيز المالي للدولة ويزيد الاعتماد على الضرائب غير المباشرة أو الاقتراض، ما يرفع كلفة التمويل ويزاحم الاستثمار الخاص، ويقلل قدرة الدولة على تمويل البنية التحتية ورأس المال البشري، أي أنه يضغط على “محركات النمو” نفسها.
ومن الناحية الاجتماعية، أكد المجالي أن غياب التغطية التأمينية والتقاعدية يزيد هشاشة الدخل ويميل إلى تعميق عدم المساواة، لأن الصدمات تنقل مباشرة إلى الأسر دون آليات امتصاص مؤسسية.
وأكد أهمية استخدام أدوات وآليات السوق كرافعة للدمج من خلال التمويل الرسمي والمشتريات الحكومية وسلاسل التوريد المتاحة حصريا للمسجلين، مع التطبيق التدريجي للفوترة والدفع الإلكتروني بناء على الحجم بهدف تقليص الاقتصاد النقدي دون التأثير سلبا على النشاط الاقتصادي.
وبين المجالي أن الإنفاذ يجب أن يكون قائما على المخاطر والبيانات ويستهدف التهرب الكبير والمنافسة غير العادلة، مع مسارات “تسوية” وفترة انتقالية؛ لأن الهدف الاقتصادي هو رفع الإنتاجية وتوسيع القاعدة الضريبية وتحسين جودة الوظائف، لا مجرد زيادة عدد المخالفات.
من جانبه، أكد أستاذ الاقتصاد في جامعة اليرموك الدكتور عبد الباسط عثامنة، أن الاقتصاد غير المنظم يشكل أحد أبرز التحديات الهيكلية التي تواجه الاقتصادات الوطنية، ولا سيما في الدول النامية.

http://petra.gov.jo/upload/Files/%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%AB%D8%A7%D9%85%D9%86%D8%A9.jpg
وقال إن الاقتصاد غير المنظم يتمثل بأنشطة اقتصادية مشروعة من حيث طبيعتها، لكنها تعمل في الغالب خارج الإطار القانوني والتنظيمي للدولة، حيث لا تسجل رسميا ولا تخضع للضرائب أو أنظمة العمل والضمان الاجتماعي والرقابة الحكومية، مؤكدا أن حجم أثره على الاقتصاد الوطني كبيرا وعميقا، إذ يمتد إلى المالية العامة، وسوق العمل، وبيئة الأعمال، ومعدلات النمو والاستقرار الاقتصادي.
وأوضح عثامنة أن اتساع الاقتصاد غير المنظم يؤدي إلى تآكل القاعدة الضريبية وانخفاض الإيرادات العامة، الأمر الذي يحد من قدرة الدولة على تمويل الخدمات الأساسية كالتعليم والصحة والبنية التحتية، كما يخلق فجوة في البيانات الرسمية، ما يضعف دقة احتساب الناتج المحلي الإجمالي ويصعب بالتالي رسم السياسات الاقتصادية على أسس دقيقة.
وأشار إلى أنه كلما ارتفعت نسبة النشاط غير الرسمي، ازدادت الضغوط على الموازنة العامة وارتفعت احتمالات العجز المالي.
وبين عثامنة أن الاقتصاد غير الرسمي يسهم في استيعاب أعداد من العاطلين عن العمل ويوفر فرص دخل سريعة، خصوصا للفئات محدودة المهارة والشباب، غير أن هذه الوظائف غالبا ما تكون منخفضة الأجر، وتفتقر إلى الاستقرار الوظيفي والحماية الاجتماعية، ما يعمق هشاشة سوق العمل ويحد من تراكم الخبرات ورفع الإنتاجية.
وعلى صعيد المنافسة وبيئة الأعمال، ذكر عثامنة أن الاقتصاد غير المنظم يخلق منافسة غير عادلة للقطاع الرسمي، نظرا لعدم تحمل منشآته الأعباء الضريبية والتنظيمية، ما يشوه هيكل السوق ويضعف حوافز الاستثمار الرسمي، كما يؤثر سلبا على الابتكار والنمو طويل الأجل بسبب انخفاض الإنتاجية وضعف الاندماج في سلاسل القيمة الرسمية.
ولفت إلى أن التعامل مع هذه الظاهرة بفاعلية، يتطلب اعتماد سياسات دمج تدريجي تقوم على التحفيز بدلا من العقاب، ويشمل تبسيط إجراءات الترخيص وتقليل كلف التسجيل، وإصلاح النظام الضريبي عبر أنظمة مبسطة وإعفاءات انتقالية للمشروعات الصغيرة، وتوسيع مظلة الحماية الاجتماعية وربطها بالتسجيل الرسمي لتعزيز الحافز على الامتثال نحو التحول نحو الاقتصاد المنظم.
–(بترا)

You may also like