Home مقالاتالخزينة والاستقرار

الخزينة والاستقرار

حسام عايش

by sadmin

تمديد الاعفاء من الرسوم الجمركية والضريبية المترتبة على الزيادة في اجور الشحن البحري لجميع البضائع المستوردة بحريا، يعتبر شكلا من التكيف السياساتي الاستباقي مع اوضاع مضطربة، للحد من تاثير الصدمات الخارجية قبل انتقال تداعياتها بالكامل الى السوق المحلية.

فكرة الاعفاء المقصودة، يمكن توضيحها بفرض من خلال قيمة بضاعة مستوردة 100 الف دينار، كلفة شحنها المعتادة 10 الاف دينار، ارتفعت الى 30 الف دينار، حيث الزيادة في كلفة الشحن 20 الف دينار، وهي المقصودة بالاعفاء.

اهمية الاعفاء، وما سبقه من تثبيت اسعار المحروقات، تظهر عند متابعة مسار التضخم الذي بلغ  للاشهر السبعة الاولى من 2026 نحو 2.13 % مقارنة بالفترة نفسها من 2025، بعد ان بلغ 2.03 % للنصف الاول من 2026، ونحو 1.88% للاشهر الخمسة الاولى، والذي في تموز 2.70% من 2026 مقارنة بتموز من العام السابق، و2.79 % في حزيران بعد ان كان 2.83 % في ايار، مع انخفاضه في تموز 2026 بنحو 0.18% عن حزيران السابق له.

ما يعني ان التضخم  التراكمي والسنوي ما زالا موجبين، لكن وتيرة ارتفاع الاسعار السنوية تراجعت قليلا خلال اشهر ايار وحزيران وتموز، مع تسجيل انخفاض شهري في تموز.

صورة التضخم هذه، وان كانت تشير الى ارتفاعه بالمقارنة مع العام 2025، الا انها تظهر انه ما يزال ضمن مستويات يمكن وصفها بالمعتدلة نسبيا، لكنه يواجه مخاطر الارتفاع عبر مصادر كثيرة اهمها الخارجية التي يصعب التحكم بها محليا، كاسعار النفط والشحن والتامين وتكاليف النقل التي يمكن ان تنتقل تدريجيا الى قطاعات اخرى، خصوصا اذا استمرت حالة الاضطراب الخارجية لفترة طويلة، وتحولت من زيادة مؤقتة في الكلف، الى ارتفاع مستمر في اسعار المدخلات.

هنا تتضح العلاقة بين اعفاء فروقات كلفة الشحن وتثبيت اسعار المشتقات النفطية، وبين هدف ضبط التضخم، فمن الناحية المالية، يمكن القول ان الحكومة، وهي تفاضل بين  كلفة تتحملها الخزينة وبين كلفة اقتصادية واجتماعية ومعيشية يتحملها السوق والمواطن، انحازت الى تحمل الكلفة.

ومن الناحية الاجتماعية والمعيشية، فان المفاضلة الحكومية لصالح تحمل الخزينة كلفة الاعفاء والتثبيت تحمل بعدا اكبر، اذ ان ارتفاع اسعار السلع والطاقة وغيرهما، لا يترك الاثار نفسها على مختلف شرائح المجتمع، بل تكون وطأته اشد على الاسر واصحاب الدخول المحدودة والمتوسطة، نظرا لارتفاع نسبة ما ينفقونه من دخولهم على الغذاء والنقل والاحتياجات الاساسية.

لذلك، فان الحد من انتقال جزء من الارتفاع في كلف الشحن والطاقة الى اسعار التجزئة، لا يمثل فقط اجراء لاحتواء التضخم، بل يسهم في حماية القوة الشرائية للاسر، والتخفيف من اعباء المعيشة، والحد من الاثار الاجتماعية التي قد تنجم عن ارتفاع الاسعار لا سيما على الفئات الاكثر حساسية تجاه تغير تكاليف السلع والخدمات الاساسية.

وعليه، فالاعفاء والتثبيت، لا  يجب تقييمهما من زاوية خسارة الخزينة عن جزء من ايراداتها، بل من زاوية  قيمة العائد الاقتصادي والاجتماعي الناتج عن تخفيف الصدمة  السعرية التضخمية باعتبار ذلك استثمارا في السياسة الوقائية التي تحمي الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي والمعيشي، خصوصا وان استمرار نشاط الاستيراد والتجارة والنقل والتوزيع والحراك الداخلي، يعني استمرار تحصيل انواع اخرى من الايرادات بصورة مباشرة وغير مباشرة، فضلا عن حماية النشاط التشغيلي المرتبط بهذه القطاعات.

بذلك، يصبح السؤال الاقتصادي الاجتماعي الحقيقي، ليس كم خسرت الخزينة محاسبيا من الايرادات نتيجة الاعفاءات ومن فروقات اسعار محروقات- وهو سؤال مشروع اذا تحول الى سياسة دائمة وغير مدروسة- بل كم كانت ستبلغ الكلفة الاقتصادية والاجتماعية  والمعيشية، لو انتقلت صدمة الكلف تلك الى السوق؟

قيمة اي قرار، لا تكمن في مضمونه فقط، بل في توقيته، والظرف الذي يتخذ فيه، ومدى قدرته على الاستجابة للتحديات القائمة، وليس بوصفه قرارا محاسبيا يقاس بحجم الايرادات المفقودة، بل بوصفه قرارا تحكمه كلفة ما يتم تجنبه من اثار على الاستقرار لاقتصادي والمعيشي، والقوة الشرائية للناس.

You may also like