Home مقالاتالنهج الحواري لاستدامة الضمان

النهج الحواري لاستدامة الضمان

حسام عايش

by sadmin

اسواق جو – النهج الحواري، الذي يتبناه الدكتور جعفر حسان رئيس الحكومة في مقاربة تعديلات قانون الضمان الاجتماعي، يعد مؤشرا مهما على وعي عميق بحساسية اللحظة الاقتصادية والاجتماعية والمعيشية الراهنة والمستقبلية.

فعندما يختار الرئيس، الاشتباك المباشر مع قانون الضمان الاجتماعي، وفتح باب النقاش مع الجهات المختلفة بما فيها الكتل النيابية ،ومن ثم اجراء التعديلات الفنية التي يمكن توفر ارضية مناسبة لقانون ضمان اجتماعي متماسك وقادر على تلافي اية مخاطر مستقبلية، فهو لا يمارس ذلك باعتباره مجرد اجراء بروتوكولي، بل لانه شخصيا وحكومته يؤمنون ان النهج التشاركي هو من يمكنه ان يحسن في النتائج، على قاعدة تحمل الجميع لمسؤولياته، كما يعكس ادراكا بان الضمان الاجتماعي ليس ملفا فنيا معزولا، بل ركيزة من ركائز العقد الاجتماعي بين الدولة والمواطن.

فالضمان الاجتماعي في جوهره معادلة حساسة بين الاستدامة المالية والعدالة الاجتماعية، حيث الدراسات الاكتوارية الاخيرة ترسم صورة واضحة للتحديات المقبلة، سواء من حيث التحولات الديموغرافية، او كلف التقاعد المبكر،او التراجع في نسب المشتركين الى المتقاعدين مستقبلا.

هذه المؤشرات، لا يمكن التعامل معها بمنطق الانكار او التاجيل او التجميل، بل لا بد من مواجهة مخاطرها عبر اجراءات عملية مبنية على البيانات والمعلومات الرقمية والنمذجة العلمية، كما لا يجوز توظيفها لفرض حلول احادية الجانب لا تراعي الاثر الاجتماعي والمعيشي على المواطنين.

من هنا تبرز قيمة الحوار الذي يقوده رئيس الوزراء كاداة لصياغة حلول متوازنة تستند الى العلم والبيانات لا الى ردود الفعل، والذي يعكس فهما مؤسسيا رفيعا بان الاصلاح الحقيقي لا ينجح بقرار فوقي، بل بتوافق واسع يضمن قابلية التطبيق ويعزز الثقة العامة بالمؤسسة.

فالتعديلات المتعلقة بسن التقاعد او بمعامل المنفعة او بنسب الخصم ليست مجرد ارقام، بل قرارات تمس حياة مئات الاف الاسر. ولذلك فان مناقشتها ضمن اطار تشاركي يسهم في تبديد المخاوف، وتصويب المسارات، قبل ان تتحول الى ازمات ثقة.

في المقابل، هذا المسار الحواري، يفرض مسؤولية مضاعفة على جميع الاطراف في السلطتين التنفيذية او التشريعية، او الاحزاب ومنظمات المجتمع المدني وغيرها، للابتعاد عن منطق الشعبوية في تناول قضية بهذا الحجم. فالتعامل مع الضمان الاجتماعي من زاوية تسجيل المواقف، او كسب الشعبية اللحظية، قد يرضي بعض القواعد الانتخابية على المدى القصير، لكنه يفاقم الكلفة على الاجيال القادمة.

الاصلاح في هذا الملف تحديدا يتطلب شجاعة سياسية، ووعيا مجتمعيا، بان العدالة لا تعني تثبيت الاختلالات بل تصحيحها بما يحقق التوازن بين حقوق المشتركين وقدرة الصندوق على الوفاء بالتزاماته. ذلك ان الربط بين مخرجات الدراسات الاكتوارية ومتطلبات الحماية الاجتماعية هو جوهر المقاربة الرشيدة.

فالمعادلات المالية الصرفة، اذا لم تقرن ببعد اجتماعي، قد تؤدي الى اجراءات قاسية، في حين ان التوسع غير المدروس في المنافع يهدد الاستدامة. والحل يكمن في مقاربة علمية تراعي توزيع الاعباء بعدالة، وتحسن كفاءة الاستثمار، وتعيد ضبط بعض المعاملات التي ثبت انها تثقل كاهل النظام على المدى الطويل، دون المساس بالفئات الاكثر هشاشة.

هنا فاستدامة الضمان الاجتماعي لا تنفصل عن اداء الاقتصادي ككل. فكلما ارتفع معدل النمو وتوسعت قاعدة التشغيل وزادت الاجور الحقيقية، تحسنت ايرادات الاشتراكات وتعززت مؤشرات الصندوق.

وبالتالي، فان اصلاح الضمان على صعيد الحوكمة، والاستثمارات، ومراجعة سياسات واجراءات تتعلق بالتقاعد المبكر، وغيرها، يجب ان يسير بالتوازي مع سياسات اقتصادية تحفز الاستثمار، وتدعم القطاعات الانتاجية، وتولد فرص عمل نوعية، لان الاقتصاد القوي هو الرافعة الحقيقية لاي نظام حماية اجتماعية.

المسؤولية التي يعبر عنها نهج الحوار الذي يقوده رئيس الوزراء، تكمن في السعي الى قانون متوازن لا يغلب كفة على اخرى، بل ينطلق من ان العائد النهائي يجب ان يكون للوطن والمواطن معا.

فحماية الاستقرار المالي للمؤسسة، حماية لحقوق المتقاعدين الحاليين والمستقبليين، وتحسين شروط العدالة داخل النظام تعزيز للثقة العامة بالدولة. وبين هذين الهدفين يتشكل مسار الاصلاح الحقيقي، مسار يقوم على العلم والتوافق والابتعاد عن المزايدات، ويؤسس لضمان اجتماعي اكثر صلابة وعدالة في مواجهة تحديات العقود المقبلة.

 

الدستور

You may also like