اسواق جو – يشكّل الضمان الاجتماعي أحد أهم أعمدة الاستقرار الاجتماعي والاقتصادي في أي دولة، فهو ليس مجرد مؤسسة تأمينية تدير اشتراكات ومنافع بل منظومة أمان وطني تعكس ثقة المواطن بدولته وتوفر له الطمأنينة في حالات المرض والعجز والشيخوخة كما تكفل لأسرته سبل العيش الكريم، ومن هنا فإن أي حديث عن تطوير مؤسسة الضمان الاجتماعي يجب أن ينطلق من رؤية استراتيجية شاملة تعيد تعريف الحوكمة وآليات اتخاذ القرار بما ينسجم مع طبيعة دورها ورسالتها.
في ظل التحديات المتسارعة التي تواجه أنظمة الحماية الاجتماعية عالمياً والتي تتثمل بضغوط الاستدامة المالية وضرورة التحول الرقمي وتغير أنماط العمل والتطورات الادارية المتسارعة، برزت الحاجة إلى إعادة النظر في نموذج إدارة مؤسسة الضمان الاجتماعي، وقد طُرح نموذج إداري جديد يقوم على تعيين محافظ للمؤسسة ونائبين له أحدهما لشؤون الاستثمار والآخر لشؤون التأمينات.
فتركيز القرار في يد المحافظ قد يؤدي إلى استمرار مركزية السلطة مما يحدّ من استقلالية الوظائف الحيوية داخل المؤسسة، كما أن ربط الصندوق الاستثماري وإدارة التأمينات تحت سلطة واحدة قد يضعف الفصل المؤسسي المطلوب بين إدارة الاستثمارات وإدارة الالتزامات التأمينية، وهو فصل جوهري لضمان الحوكمة والشفافية.
إضافة إلى ذلك، فإن القياس على نموذج «المحافظ» المعتمد في إدارة البنوك المركزية لا يبدو دقيقاً، نظراً لاختلاف طبيعة الأهداف والوظائف، فالبنك المركزي يركز على الاستقرار النقدي والسياسة المالية بينما تقوم مؤسسة الضمان الاجتماعي على إدارة التزامات طويلة الأمد ذات أبعاد اجتماعية واقتصادية متشابكة، ما يتطلب نموذج حوكمة مختلفاً يتناسب مع طبيعة المخاطر والمسؤوليات الملقاة على عاتقها.
من هنا تبرز أهمية تبني نموذج الحوكمة متعددة المستويات بوصفه الأقرب لمحاكاة طبيعة عمل مؤسسة الضمان الاجتماعي، حيث يقوم هذا النموذج على فصل واضح بين مجلس سياسات مستقل يتولى رسم التوجهات الاستراتيجية ومراقبة الأداء وبين إدارة تنفيذية مسؤولة عن تطبيق السياسات العامة، وبهذا تتحقق المساءلة المؤسسية ويُضمن التوازن بين التخطيط طويل الأمد والتنفيذ الفعلي كما يُحدّ من تركّز السلطة في يد جهة واحدة دون رقابة عليا مستقلة.
ولا يكتمل أي إصلاح مؤسسي دون استثمار حقيقي في التحول الرقمي والذكاء الاصطناعي، فالمستقبل يتطلب تصميم أنظمة تأمينية ذكية قادرة على التكيف مع المتغيرات الاقتصادية والديموغرافية من خلال ربط المنافع التأمينية بالمؤشرات الاقتصادية ومتوسط العمر المتوقع بما يقلل الحاجة إلى تعديلات تشريعية متكررة ويعزز الاستدامة المالية، كما يمكن توظيف البيانات الضخمة والذكاء الاصطناعي في التنبؤ بالالتزامات المستقبلية وتحليل المخاطر وكشف التهرب التأميني وتزويد متخذي القرار بمؤشرات أداء دقيقة ومباشرة.
أما في الجانب الاستثماري، فإن الانفتاح على الأسواق العالمية وتطوير إدارة متخصصة للاستثمار الرقمي أصبح ضرورة لا بد منها شريطة أن يتم ذلك ضمن سياسات واضحة لإدارة المخاطر وأطر رقابية صارمة، فالاستثمار في المعادن الثمينة والأصول الرقمية وتكنولوجيا المستقبل يمكن أن يسهم في تعظيم العوائد لكنه يحتاج إلى حوكمة رشيدة تحمي أموال المشتركين وتوازن بين العائد والمخاطر.
إن التحدي الأكبر في تطوير مؤسسة الضمان الاجتماعي لا يكمن في اختيار المسميات أو إعادة توزيع الأدوار، بل في القدرة على الانتقال من الإدارة الكلاسيكية إلى نموذج حوكمة متقدم يقوم على الاستقلالية المؤسسية والرقابة الشاملة والتخطيط الاستراتيجي طويل الأمد والتكامل الرقمي الكامل، حيث إن بناء منظومة ضمان اجتماعي مستدامة وقادرة على مواكبة الاستثمارات العالمية يتطلب رؤية استراتيجية شاملة تتجاوز الحلول الجزئية وتؤسس لمرحلة جديدة عنوانها الحوكمة متعددة المستويات والاستدامة المالية والعدالة الاجتماعية فالمؤسسات لا تتطور بتغيير أسمائها، بل بتغيير طريقة تفكيرها وإدارة مواردها.
الدستور
