Home تقارير وتحليلاتممداني من مهاجر مسلم الى عمدة نيويورك

ممداني من مهاجر مسلم الى عمدة نيويورك

: مدينة لا تنام تنتخب سياسيًا لا يسكت...

by sadmin

اسواق جو-

في قلب مدينة نيويورك، التي يُنظر إليها كبوصلة الاقتصاد العالمي ومرآة المزاج السياسي الأميركي، يظهر اسم غير مألوف على لوحات الانتخابات: “زهران ممداني”. شاب أمريكي من أصول أوغندية وهندية، مسلم، تقدمي، ينتمي إلى جيل جديد من السياسيين يرفع شعار “اقتصاد للناس لا للشركات”. ترشّحه لمنصب عمدة نيويورك لا يمثل فقط تحولاً في المشهد السياسي الأمريكي، بل يشير إلى إعادة توزيع الرموز والتمثيلات في قلب النظام الليبرالي العالمي.

 

في هذا المقال، نغوص في التأثيرات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية لحدث غير تقليدي: ماذا يعني أن يصبح مهاجر مسلم عمدةً لنيويورك؟ كيف تنعكس هذه اللحظة على الاقتصاد الأميركي؟ ما هي انعكاساتها على المجتمعات العربية والمسلمة في أمريكا؟ وهل يمكن أن تُترجم إلى مكاسب اقتصادية حقيقية للعالم العربي، خاصة الأردن؟

 

أولاً: من هو زهران ممداني؟

 

ولد زهران في أوغندا عام 1991 لأب مسلم (الأكاديمي المعروف محمود ممداني) وأم هندية (المخرجة العالمية ميرا ناير). انتقل إلى نيويورك طفلاً، حيث عاش في أحياء متعددة الثقافات وشهد بنفسه التفاوت الطبقي والتمييز العرقي. درس العلوم السياسية، وانخرط في حركات العدالة الاجتماعية، وساهم في الدفاع عن حقوق سائقي سيارات الأجرة من المهاجرين، وهي قضية تمثل إحدى زوايا الظلم المعقّدة في نيويورك.

 

ما يميز زهران ليس فقط جذوره، بل خطابه السياسي القوي: هو تقدمي لا يساوم، يتحدث عن فلسطين بصراحة، يدعو إلى إنهاء سياسات التمييز، ويرى أن المدينة العظمى يجب أن تعود ملكيتها إلى سكّانها، لا للمستثمرين.

 

ثانيًا: نيويورك ليست مجرد مدينة!

 

منصب عمدة نيويورك هو أكثر من مجرد وظيفة إدارية؛ هو مركز ثقل اقتصادي عالمي. المدينة تمتلك ميزانية تفوق 100 مليار دولار، وتؤثر بشكل مباشر على قطاعات مثل العقارات، البنوك، الإعلام، النقل، التعليم، والسياحة. كما أنّ قراراتها في مجال الضرائب والإسكان لها صدى يتجاوز حدودها الجغرافية.

 

لهذا السبب، لا يمكن تجاهل التأثير الاقتصادي الواسع لترشح ممداني. الرجل لا يسعى فقط لتحسين النقل أو تقليل الإيجارات، بل يضع أمامه مشروعًا اقتصاديًا اجتماعيًا شاملًا قد يعيد رسم العلاقة بين المدينة وسكّانها.

 

ثالثًا: أجندة اقتصادية تغيّر قواعد اللعبة

 

الخطط الاقتصادية التي أعلنها زهران ممداني تستهدف صلب المشكلات الهيكلية في الاقتصاد الحضري الأميركي. من أبرز محاور برنامجه:

 

  1. اصلاح سوق الإيجارات: تجميد الإيجارات في الأحياء المتضررة، ومنع المضاربة العقارية، وبناء أكثر من 200 ألف وحدة سكنية بأسعار معقولة.
  2. نقل عام مجاني: توفير المترو والحافلات مجانًا لكل السكان، بتمويل من ضرائب الشركات الكبرى.
  3. ضرائب تصاعدية: فرض ضريبة 2% على من يتجاوز دخلهم السنوي مليون دولار، ورفع ضرائب الشركات إلى 11.5%.
  4. تحول بيئي: دعم التحول إلى الطاقة الخضراء، وتحويل مباني المدينة إلى صديقة للبيئة.
  5. تمكين المشاريع الصغير: تقديم حوافز ضريبية وقروض منخفضة الفائدة لأصحاب المشاريع من الأقليات والمهاجرين.

هذه الإجراءات تهدف إلى إعادة توزيع الثروة، تحفيز الاقتصاد المحلي، وتقليل الفجوة بين الطبقات، وهو ما يتقاطع مع نظريات “اقتصاد العدالة” التي بدأت تجد صدى عالميًا.

رابعًا: التأثير على الاقتصاد الأميركي

 

ترشّح زهران ممداني وانتخابه المحتمل قد يشكّل تحديًا حقيقيًا للوضع القائم في أميركا، خصوصًا من ناحية العلاقة بين القطاعين العام والخاص. فالمخاوف الأساسية من وول ستريت تتمثل في تأثير السياسات التقدمية على الاستثمارات، لكن من جهة أخرى، يُمكن لسياسات ممداني أن تحفّز الاقتصاد الحقيقي عبر:

 

– زيادة القوة الشرائية للفقراء والطبقة الوسطى.

– تحسين البنية التحتية مما يرفع كفاءة المدن.

– تقليل الجريمة الاجتماعية المرتبطة بالفقر.

– تشجيع ريادة الأعمال في الأحياء التي طالها التهميش.

 

خامسًا: أثر رمزي وفعلي على المسلمين والعرب في أمريكا

 

أن يصبح مسلم مهاجر عمدةً لأقوى مدينة أميركية يحمل أبعادًا نفسية وثقافية كبيرة. لكن الأهم من الرمزية هو ما يترتب عليها من نتائج واقعية:

 

– تحسين في السياسات المتعلقة بالهجرة

– على تسهيل حصول العرب والمسلمين على وظائف حكومية أو تمثيل سياسي

– تشجيع شباب الجاليات على الانخراط في ريادة الأعمال

– كسر الحواجز النفسية المتعلقة بالخوف من “الآخر” في الإعلام والسياسة

 

كما يمكن أن يؤدي انتخابه إلى تقليص ممارسات التجسس والمراقبة على المساجد والمراكز الإسلامية، وتعزيز العلاقة بين الحكومة والجاليات، بطريقة أكثر عدلًا وإنصافًا.

: الربط الذكي مع الاقتصاد الأردني والعربي

 سادسا: تحولات في هيكل الإنفاق العام: نيويورك نموذجًا لنمو اقتصادي قاعدي؟ 

 

في حال اعتلى زهران ممداني منصب عمدة نيويورك، فإن التغيير الحقيقي لن يتجلّى فقط في السياسات الجزئية، بل في إعادة تعريف فلسفة الإنفاق العام ذاتها. تقليديًا، توجه بلديات المدن الكبرى جزءًا كبيرًا من ميزانياتها نحو عقود البنية التحتية الكبرى، تحفيز الاستثمارات العقارية، والإنفاق الأمني. هذا النمط، رغم نتائجه قصيرة المدى في تحريك النمو، غالبًا ما يؤدي إلى تركيز الثروة في يد الشركات الكبرى والمطورين العقاريين، ويعزز التفاوت الطبقي.

 

في المقابل، تُظهر تصريحات زهران توجهًا معاكسًا كليًا: إعادة توجيه الإنفاق البلدي نحو برامج الخدمات الأساسية المباشرة للفئات ذات الدخل المحدود، مثل النقل العام المجاني، دعم رياض الأطفال الحكومية، الرعاية الصحية المجتمعية، والتعليم الفني. هذا التوجه يعكس نظرية “Bottom-Up Economics” التي تعتمد على رفع القوة الشرائية والإنتاجية للأفراد بدلًا من التحفيز التقليدي من القمة إلى القاعدة.

 

البيانات من مراكز الأبحاث مثل Institute on Taxation and Economic Policy وBrookings Institution تظهر أن المدن التي رفعت استثماراتها في البنية الاجتماعية (بدلًا من التسويق العقاري أو الإعفاءات الضريبية للشركات) شهدت نموًا أسرع في الناتج المحلي الإجمالي الحضري، وزيادة في معدلات التوظيف، وتراجعًا في معدلات الجريمة.

 

أهم ما في نموذج زهران أنه لا يطرح “أفكارًا تقدمية” كرفاهية، بل يُعيد موضعتها كأدوات اقتصادية فعّالة لتحقيق كفاءة توزيع الموارد وزيادة العوائد طويلة الأمد. على سبيل المثال، بدلًا من ضخ 2 مليار دولار سنويًا في مشاريع الشرطة، يدعو زهران لتخصيص 50% من هذا المبلغ لبناء مراكز دعم نفسي وتعليمي في الأحياء المهمشة، ما يخفف الضغط على النظام القضائي والشرطي، ويقلل التكلفة الكلية على المدينة خلال 10 سنوات.

 

هذا المنظور – تحويل الميزانية من نموذج “الردع” إلى نموذج “الوقاية” – هو ما يجعل خطته الاقتصادية غير اعتيادية، بل ثورية في سياق الاقتصاد الحضري الأميركي. كما أن نجاحه في تنفيذ هذه السياسات قد يشجع مدنًا عالمية – من ساو باولو إلى القاهرة – على إعادة التفكير في أولويات إنفاقها المحلي، وخلق نماذج اقتصادية تستثمر في الإنسان قبل الإسمنت.

 

 

سابعا : من بين الآثار غير المباشرة المحتملة لنجاح زهران

 

  1. زيادة التحويلات المالية: بيئة اقتصادية عادلة للمغتربين تعني دخلًا أعلى، مما يعني تحويلات أكبر للأردن ودول الجوار.
  2. شراكات استثمارية: شركات ناشئة أردنية قد تجد بيئة حاضنة في نيويورك التقدمية، خصوصًا في مجالات التكنولوجيا والتعليم والصحة.
  3. تعزيز الثقة: وجود قيادة عربية مسلمة في الغرب يعزز ثقة الجاليات العربية بنفسها، ويدفعها نحو الإبداع والتمدد.

 

ثامنا: التحوّل من “اقتصاد الأزمات” إلى “اقتصاد الفرص”: نيويورك”

في العقود الأخيرة، تميل المدن الكبرى – مثل نيويورك – إلى العمل تحت ضغط دائم ناتج عن ما يُعرف بـ”اقتصاد الأزمات”، حيث تتركز جهود الحكومات المحلية على معالجة نتائج المشاكل بدلًا من جذورها: الإسكان الطارئ بدل السياسات الإسكانية المستدامة، زيادة أعداد رجال الشرطة بدل الاستثمار في الوقاية الاجتماعية، وتوسيع المستشفيات بدل تعزيز الرعاية الوقائية.

 

زهران ممداني، برؤيته الاقتصادية غير التقليدية، يُعيد توجيه البوصلة من هذا النمط التقليدي نحو نموذج “اقتصاد الفرص”. بدلًا من أن تنفق المدينة مليارات الدولارات سنويًا في معالجة آثار الفقر والتهميش، يدعو ممداني إلى تخصيص تلك الموارد نفسها لبناء بنية تحتية اجتماعية تُنتج فرصًا اقتصادية جديدة للسكان من الأساس.

 

وفق هذا النموذج، يتم توجيه الإنفاق نحو الاستثمار في الإنسان، من خلال مشاريع مثل النقل المجاني، الإسكان منخفض التكلفة، رياض الأطفال المجانية، والرعاية النفسية المجتمعية. هذه المبادرات لا تُعد فقط خدمات اجتماعية، بل تُعتبر أدوات اقتصادية طويلة المدى، لأنها تقلل من التكاليف المستقبلية على الدولة، وتزيد من كفاءة القوى العاملة، وتحفّز الابتكار المحلي في القطاعات منخفضة الدخل.

 

أبحاث عديدة – مثل تلك التي نُشرت في مجلة Urban Economics Review – تشير إلى أن المدن التي تعتمد هذا النوع من الاستثمار المبكر شهدت نموًا أعلى في الناتج المحلي الحضري، وانخفاضًا في نسب البطالة، وارتفاعًا في مستوى التعليم. نيويورك، تحت قيادة ممداني، يمكن أن تتحوّل إلى مثال حيّ على كيف تُبنى مدن قادرة على معالجة مشكلاتها البنيوية بوسائل وقائية، وليست علاجية فقط.

 

هذا التحوّل من اقتصاد “رد الفعل” إلى اقتصاد “الفرص المبكرة” لا يمثل مجرد تحسين في آلية الإدارة، بل يعكس رؤية اقتصادية عميقة ترى في كل فرد فرصة نمو، وليس عبئًا يجب السيطرة عليه. وبالتالي، فإن فوز ممداني لا يعني فقط وصول مهاجر مسلم إلى موقع القرار، بل بداية مرحلة جديدة من التفكير الاقتصادي الحضري، قد تُلهم مدنًا أخرى في العالم العربي لإعادة النظر في كيفية إدارة مواردها وتوجيهها نحو المستقبل بدلًا من ملاحقة مخلّفات الماضي

.

 

خاتمة: أكثر من مجرد رجل… زهران ممداني لحظة مفصلية

 

زهران ممداني ليس مجرد سياسي طموح. هو حالة فكرية، اقتصادية، رمزية، ودولية. فوزه في نيويورك قد يعني بداية مرحلة جديدة من العلاقة بين الجاليات العربية والغرب، وبين الهويات المتعددة والقيادة.

 

هو ليس بطلًا خارقًا، لكنه يمثّل أملًا لكثيرين. اقتصاد مختلف، قيادة شابة، وتمثيل جديد… كل ذلك ضمن قصة واحدة تبدأ من نيويورك، لكن تأثيرها قد يصل إلى عمان، غزة، الجزائر، وبيروت.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

https://aswaqjo.com/%d8%b3%d9%88%d9%82-%d8%a7%d9%84%d8%a3%d8%b3%d9%87%d9%85-%d8%a7%d9%84%d8%a3%d9%85%d9%8a%d8%b1%d9%83%d9%8a%d8%a9-%d8%aa%d9%82%d8%aa%d8%b1%d8%a8-%d9%85%d9%86-%d8%b1%d9%82%d9%85-%d9%82%d9%8a%d8%a7%d8%b3/

https://aswaqjo.com/%d8%b3%d9%88%d9%82-%d8%a7%d9%84%d8%a3%d8%b3%d9%87%d9%85-%d8%a7%d9%84%d8%a3%d9%85%d9%8a%d8%b1%d9%83%d9%8a%d8%a9-%d8%aa%d9%82%d8%aa%d8%b1%d8%a8-%d9%85%d9%86-%d8%b1%d9%82%d9%85-%d9%82%d9%8a%d8%a7%d8%b3/

You may also like