اسواق جو – إنّ مصير التنمية المستدامة يعتمد على مدى التزام الدول والمجتمعات بتطبيق مبادئها فعليًا وليس شكليًا بالدرجة الأولى، ومن هنا يمكننا تلخيص الوضع الراهن والاتجاهات المستقبلية للوقوف على وضع التنمية المستدامة وإلى أين نحن ذاهبون؛ وفي هذا الإطار نوجز أولاً الواقع الحالي؛ فمن ناحية نجد تعثّرا واضحا في تحقيق أهداف التنمية المستدامة (SDGs 2030) التي أقرتها الأمم المتحدة، خاصة في الدول النامية، ومن ناحية أخرى، نلاحظ توالي الأزمات مثل جائحة كورونا، والحروب الإقليمية (منها الحرب على قطاع غزة وحرب أوكرانيا)، والتغير المناخي، فكلها أضعفت التمويل والاهتمام بقضايا التنمية، أم الناحية الثالثة فيمكن إيجازها في اتساع الفجوة بين الشمال والجنوب العالمي؛ فالدول الغنية تركز على التحول الأخضر داخليًا، بينما تكافح الدول الفقيرة لتأمين الأساسيات.
ونوجز ثانيًا الاتجاهات المستقبلية في أربعة اتجاهات؛ الاتجاه الأول وهو إعادة صياغة الأهداف بعد 2030؛ حيث من المتوقع أن يتم تمديد أو تحديث أهداف التنمية لتصبح «أجندة 2050»، مع تركيز أكبر على العدالة المناخية والتحول الرقمي، والاتجاه الثاني يتمثل بالتحول نحو الاقتصاد الأخضر والرقمي، حيث سيتم دمج الاستدامة مع الابتكار التكنولوجي (كالذكاء الاصطناعي والطاقة المتجددة)، والاتجاه الثالث يتركز حول زيادة دور القطاع الخاص والمجتمع المدني، فالحكومات وحدها لم تعد قادرة على تمويل التنمية، لذا سيُعتمد أكثر على الشراكات متعددة الأطراف، أما الاتجاه الرابع فيتمثل بوجود مخاطر مستمرة؛ مثل استمرار النزاعات الجيوسياسية قد يعطل التمويل الدولي، وكذلك تفاقم آثار التغير المناخي (الجفاف، الفيضانات، الهجرة البيئية)، ومن جهة أخرى تراجع الثقة بالمؤسسات الدولية.
وإذا نظرنا إلى مصير التنمية المستدامة في المملكة الأردنية الهاشمية والمنطقة العربية؛ فيمكننا إيجاز مصيرها أولاً في المملكة الأردنية الهاشمية، والتي تعتبر من أوائل الدول العربية التي تبنّت أهداف التنمية المستدامة (SDGs 2030)، ودمجها في خطة الأردن 2025، لكن الواقع يواجه تحديات واضحة؛ ومن هذه التحديات الضغوط الاقتصادية؛ فالدين العام، البطالة، وارتفاع الأسعار تحد من قدرة الدولة على تمويل مشاريع التنمية طويلة الأمد، وكذلك تحديات اللاجئين والضغط السكاني، حيث أن استقبال اللاجئين السوريين أثّر على البنية التحتية والخدمات، ومن التحديات أيضاً شح المياه وتغير المناخ، فالأردن من أكثر الدول فقرًا بالمياه، ويأتي التغير المناخي ليفاقم المشكلة، ومن هذه التحديات الاعتماد على المساعدات الدولية، ما يجعل الاستدامة مرهونة بعوامل خارجية.
وفي الإطار ذاته يجب علينا ذكر نقاط القوة والفرص؛ فنقطة القوة الأولى تتمثل بالاستثمار في الطاقة المتجددة (الطاقة الشمسية والرياح) أصبح قصة نجاح أردنية، والنقطة الثانية في قطاع التعليم والتكنولوجيا الذي يشهد تطورًا جيدًا يدعم التحول الرقمي، ونقطة القوة الثالثة التي يمكن ذكرها في هذا المقام هي الإصلاح الإداري والسياسي الجاري الذي يمكن أن يعزز الشفافية والمساءلة، وهما الركيزتان الأساسيتان للتنمية المستدامة، فالمصير المتوقع والمرجح أن تتجه المملكة الأردنية الهاشمية نحو نموذج «استدامة واقعية»، أي تحقيق توازن بين الإصلاح الاقتصادي، والحماية الاجتماعية، والاستثمار الأخضر، دون التقيّد الكامل بالأهداف الأممية، بل بصيغة وطنية تتناسب مع موارده المحدودة.
كما يمكننا ثانياً أن نوجز مصير التنمية المستدامة في المنطقة العربية؛ فالوضع العربي متباين بشدة، فإذا نظرنا إلى دول الخليج العربي، التي تحقق تقدمًا واضحًا في الطاقة المتجددة، والمدن الذكية، والتنويع الاقتصادي، ورؤية السعودية 2030، ومبادرة الإمارات للحياد الكربوني، فهي نماذج لهذا التحول، وفي المقابل الدول المتوسطة والفقيرة، والتي تعاني من عدم الاستقرار السياسي، وتراجع التمويل، وضعف الحاكمية الرشيدة، فالأزمات في اليمن والسودان وقطاع غزة تؤخر التنمية لسنوات.
فالاتجاه العام في المنطقة يتجه نحو تنمية انتقائية، تركز على ثلاث نواحي؛ الناحية الأولى تتمحور حول الأمن الغذائي والمائي، والناحية الثانية الطاقة النظيفة، أما الناحية الثالثة فتتركز على التحول الرقمي والابتكار، وفي مقابل هذا الاتجاه العام فإن العدالة الاجتماعية والحاكمية الرشيدة لا تزال هي الحلقة الأضعف.
خلاصة القول إن مصير التنمية المستدامة بشكل عام ليس في حالة انهيار، بل في حالة إعادة التكيف، فقد لا تتحقق الأهداف بصيغتها الحالية، لكنها ستتحول إلى نموذج جديد للتنمية يوازن بين الإنسان، والبيئة، والتكنولوجيا، وبالتالي فإن مصير التنمية المستدامة عربيًا لن يكون في حالة انهيارًا أيضاً، بل تحولًا تدريجيًا نحو نماذج وطنية أكثر واقعية وخصوصية، تراعي عدة نواحي؛ مثل التحديات الإقليمية، والموارد المحلية، وتوازن بين التنمية الاقتصادية والبيئية والاجتماعية.
الدستور
