اسواق جو – في ظل التوترات الإقليمية وارتفاع كلف السفر الجوي، تشهد الحركتين الشرائية والسياحية في الأردن تحولات لافتة تعكس إعادة تموضع في أنماط الإنفاق بين السياحة الوافدة والطلب المحلي.
فبينما ارتفع الدخل السياحي بنسبة 4.1% خلال كانون الثاني 2026، مدفوعاً بزيادة أعداد السياح، برز تراجع في بعض أوجه الإنفاق المرتبط بالمغتربين، بالتوازي مع انخفاض أولي في النشاط التجاري وصل إلى 20% في بعض القطاعات الموسمية.
هذه المؤشرات تعكس انتقالاً تدريجياً نحو سلوك استهلاكي أكثر حذراً، مع اعتماد أكبر على السوق المحلي، في وقت يواصل فيه المغتربون لعب دور محوري في دعم الطلب، وإن بوتيرة وأنماط إنفاق مختلفة، ما يعيد رسم خريطة الحركة الشرائية في المملكة. وأظهرت البيانات الصادرة عن البنك المركزي الأردني ارتفاع الدخل السياحي خلال شهر كانون الثاني من عام 2026 بنسبة 4.1 ٪ ليبلغ 708.5 مليون دولار، مقارنة مع 680.5 مليون دولار خلال الشهر نفسه من العام الماضي، ويعزى ذلك إلى ارتفاع أعداد السياح بنسبة 3.2 ٪. وبحسب البيانات، سجل الدخل السياحي خلال الشهر ذاته ارتفاعاً من الجنسيات الأوروبية بنسبة 56.9 ٪، والآسيوية 11.6 ٪، والأميركية 16 ٪، والعرب 3 ٪، فيما تراجع الدخل السياحي المتأتي من الجنسيات الأخرى بنسبة 2 ٪، وكذلك من الأردنيين المغتربين بنسبة 3 ٪.
كما أظهرت البيانات ارتفاع الإنفاق على السياحة في الخارج خلال كانون الثاني 2026 بنسبة 6.2 ٪ ليصل إلى نحو 196.3 مليون دولار.
كما أشارت تقارير صادرة عن البنك المركزي الأردني إلى أن الإنفاق السياحي للأردنيين المغتربين ارتفع بنسبة 7.4 ٪ خلال الفترة نفسها من العام الماضي، فيما سجل إنفاق السياح العرب نمواً بنسبة 6.3 ٪ مقارنة بالفترة ذاتها من عام 2024.
وقال رئيس جمعية الفنادق الأردنية، حسين هلالات، إن القطاع السياحي في المملكة يمر بمرحلة دقيقة نتيجة التوترات الإقليمية، مؤكداً أن الاعتماد الكبير على السياحة الخارجية، خصوصاً من الأسواق الأوروبية والأمريكية، جعل العديد من الوجهات السياحية الأكثر تأثراً بأي اضطراب في حركة السفر.
وأوضح هلالات أن التراجع في الحجوزات الفندقية كان حاداً وغير مسبوق، حيث وصلت نسب الإلغاءات في البتراء ووادي رم إلى نحو 100%، تزامناً مع ذروة الموسم السياحي لهاتين الوجهتين، فيما تجاوزت الإلغاءات في البحر الميت نسبة 90%، مع تراجع واضح في السياحة العلاجية والاستجمامية. أما في عمان، فرغم تنوع المنتج السياحي، فقد تجاوزت نسبة التراجع في الحجوزات 70%، ما يعكس حجم التأثر العام في القطاع.
وشدد على أن المرحلة الحالية تتطلب حزمة إجراءات متكاملة لدعم استمرارية القطاع، تشمل تخفيف كلف الطاقة والكهرباء والمياه على المنشآت السياحية، وإبداء مرونة في الالتزامات الضريبية وإعادة جدولتها، إلى جانب دعم أو إعادة جدولة اشتراكات الضمان الاجتماعي، وتقديم برامج تحفيزية للحفاظ على العمالة، خاصة في الوجهات الأكثر تضرراً. كما دعا إلى توفير تسهيلات تمويلية عبر البنوك لدعم السيولة التشغيلية، وتفعيل الحزم السياحية الموجهة لأسواق غير تقليدية، وتعزيز برامج السياحة الداخلية مثل «أردننا جنة».
من جهته أكد الناطق باسم جمعية وكلاء مكاتب وشركات السياحة والسفر الأردنية بلال روبين عوده إن زيارات الأردنيين المغتربين تمثل إحدى الركائز الأكثر استقراراً في الحركة السياحية إلى المملكة، مشيراً إلى أن هذه الشريحة من الزوار تُعد ما يُعرف في القطاع السياحي بـ»السياحة الصامدة»، نظراً لاستمرارها حتى في فترات التوترات الإقليمية أو التباطؤ الاقتصادي العالمي. وبيّن أن إنفاق المغتربين داخل المملكة يشمل طيفاً واسعاً من القطاعات الاقتصادية،وأن بعض التقديرات تشير إلى أن المغتربين يسهمون بنسبة مهمة من إجمالي الحركة السياحية خلال فترات الذروة، لا سيما في فصل الصيف الذي يشهد عادة عودة آلاف الأردنيين المقيمين في دول الخليج وأوروبا وأمريكا لقضاء الإجازات في المملكة. وفيما يتعلق بتأثير التوترات الإقليمية الأخيرة على القطاع السياحي، أوضح عوده أن مثل هذه الظروف تنعكس عادة بصورة أكبر على السياحة الوافدة من الأسواق البعيدة، خصوصاً من أوروبا وأمريكا الشمالية، حيث تتأثر قرارات السفر بشكل مباشر بالتصورات الأمنية وحالة الاستقرار في المنطقة. وأضاف أن شركات السياحة والسفر تلاحظ في مثل هذه الفترات تراجعاً نسبياً في الحجوزات المرتبطة بالرحلات المنظمة أو المجموعات السياحية القادمة من الخارج، إضافة إلى تأثيرات على حركة الطيران وبعض البرامج السياحية الإقليمية.
وفيما يتعلق بارتفاع أسعار تذاكر الطيران خلال الفترة الأخيرة، أوضح عوده أن هذه الزيادة بدأت تنعكس على أنماط سفر المغتربين، حيث يلاحظ القطاع تغيرات في سلوك السفر، من أبرزها تقليل عدد الزيارات السنوية والاكتفاء بزيارة واحدة بدلاً من زيارتين، مقابل إطالة مدة الإقامة داخل المملكة لتعويض كلفة السفر المرتفعة. كما دعا إلى تعزيز برامج السياحة الداخلية الموجهة للمغتربين عبر تنظيم مهرجانات صيفية وفعاليات ثقافية في مختلف المحافظات، وتطوير السياحة الريفية والبيئية، إضافة إلى تكثيف الحملات الترويجية عبر السفارات والجاليات الأردنية في الخارج ومنصات التسويق الرقمية للتعريف بالعروض السياحية المتاحة.
من جانبه أكد رئيس غرفتي صناعة الأردن وعمّان، فتحي الجغبير، أن إغلاقات المجال الجوي واضطرابات حركة الطيران قبيل عيد الفطر أدت إلى تباطؤ نسبي في عودة المغتربين الأردنيين، لا سيما من دول الخليج، بفعل ارتفاع كلف السفر وتعليق عدد من الرحلات، الأمر الذي انعكس جزئياً على النشاط التجاري الموسمي المرتبط تقليدياً بإنفاق القادمين خلال هذه الفترة.
وأوضح الجغبير أن هذا الأثر بقي ضمن مستويات يمكن استيعابها، في ظل الدور المحوري للطلب المحلي الذي حافظ على وتيرة النشاط في الأسواق، إلى جانب إسهام الصناعة الوطنية في تعزيز استقرار السوق والحد من تداعيات تراجع حركة القادمين.
وبيّن أن توفر المنتج المحلي أسهم بفاعلية في امتصاص هذا التراجع، حيث تمكنت الصناعات الوطنية، بما فيها الألبسة والمحيكات والصناعات الغذائية والحلويات، من تلبية الطلب المحلي بكفاءة وتوفير بدائل مناسبة، ما حافظ على استقرار السوق واستمرارية النشاط التجاري رغم انحسار جزء من الطلب المرتبط بالمغتربين.
ولفت إلى أن الصناعات الغذائية تغطي ما بين 62% إلى 65% من احتياجات السوق المحلي. بدوره أكد نقيب نقابة تجار الألبسة والأقمشة والأحذية، سلطان علان، أن قطاع الألبسة في المملكة لم يتأثر بشكل مباشر بإغلاق بعض الخطوط الجوية، مشيراً إلى أن هذه الفترة من العام لا تشهد عادة ذروة في حركة المغتربين مقارنة بموسم العطلة الصيفية، الذي يُعد المحرك الأبرز للطلب في الأسواق.
وشدد علان على أن التجارة التقليدية لا تزال تشكل الضامن الأساسي لديمومة توفر السلع واستقرارها في السوق المحلي، لا سيما خلال المواسم التي يرتفع فيها الطلب، مثل موسم عيد الفطر، مؤكداً أن الأسواق المحلية توفر احتياجات المواطنين من الألبسة والأحذية وكافة الخامات بشكل مستمر ومنتظم.
وفيما يتعلق باضطراب سلاسل التوريد، أشار علان إلى وجود خلل واضح في حركة الطرود البريدية، ما قد يؤدي إلى تأخر أو عدم وصول عدد من الشحنات التي تم طلبها عبر منصات التسوق الإلكتروني قبل عيد الفطر، خصوصاً في ظل تعطل بعض الرحلات الجوية وتوقف بعض المنصات عن استقبال الطلبات. وأكد علان أن «الشراء من الأسواق المحلية يبقى الخيار الأكثر أماناً واستقراراً للمستهلكين، خاصة في الفترات القريبة من المواسم والأعياد»، مشدداً على وفرة الألبسة والأحذية وكافة المستلزمات في السوق المحلي، وقدرة القطاع على تلبية الطلب بكفاءة رغم التحديات الراهنة.
وعلى صعيد متصل يعدّ موسم الأعياد من أكثر المواسم السياحية إقبالا ونشاطا، ففي كل عام تأخذ أيام الأعياد طابعا نشطا من الإقبال والحركة، سواء كان من سياحة محلية داخلية، أو من السياحة الوافدة من أسواق عالمية، أو عربية شقيقة، إضافة أيضا لزيارة أعداد كبيرة من الأهل المغتربين الوطن خلال إجازة العيد، وطالما ارتفعت نسبة الحجوزات السياحية وكذلك النشاط السياحي بشكل كبير خلال هذا الموسم.
هذا العام، تلقي الحرب والاضطرابات الأمنية في الإقليم بظلالها بشكل كبير وسلبي على القطاع السياحي، تحديدا بطبيعة الحال في الجانب المتعلق بالسياحة الوافدة، وزيارة المغتربين، فالإقبال السياحي وفق الفعاليات السياحية ضعيف، والدلالات تؤشر إلى أن الأوضاع ستكون كذلك خلال أيام عطلة عيد الفطر، بإقبال ضعيف، ونسب حجوزات تكاد تكون صفرا في قطاعات محددة، يقابلها إلغاءات لحجوزات سابقة، ما يجعل من واقع الحال السياحي ضعيفا، بخسارات مالية كبيرة. وفي متابعة خاصة لـ»الدستور» حول واقع القطاع السياحي خلال عطلة عيد الفطر، قال وزير السياحة والآثار الدكتور عماد حجازين، إن السياحة كما هو معروف تأخذ جانبين الأول سياحة داخلية، والثاني سياحة وافدة وخارجية، وفيما يتعلق بالسياحة الداخلية وضعنا كافة الترتيبات اللازمة وتم الانتهاء من برنامج «الأردن جنة» المختص بتشجيع السياحة الداخلية، ونأمل أن يكون له نتائج إيجابية، لا سيما أن الأحوال الجوية خلال عطلة عيد الفطر تشير إلى تعرض المملكة لمنخفضات جوية. وأضاف الدكتور حجازين في حديث خاص لـ»الدستور» أن الجانب الآخر للسياحة هو الوافدة، وفي هذا الجانب الخطوط الجوية الملكية تسيّر رحلاتها بشكل طبيعي ولم يتم تعليق الأجواء، ورحلاتها مستمرة، والأجواء مفتوحة، ما يجعل من الوصول للمملكة ممكنا، لكن الإشكالية في أن دولا علّقت رحلاتها الجوية، وأغلقت أجواءها، ما يجعل من السياحة الوافدة أمرا صعبا خلال موسم العيد، علاوة على إلغاء حجوزات سياحية مسبقة.
ولفت وزير السياحة والآثار إلى أن القطاع يعوّل على سياحة الأشقاء الذين تربطنا بهم حدود برية، إضافة للمغتربين الذين يُمكنهم الوصول للمملكة برا، من خلال الحدود البرية، ما يعني إمكانية وجود حركة سياحية ولو كانت متواضعة، لكننا نعوّل عليها، وبطبيعة الحال وضعنا كافة الاستعدادات لاستقبالهم على الرحب والسعة.
من جانبه، قال رئيس جمعية وكلاء السياحة والسفر محمود الخصاونة: للأسف، الأزمة أثرت على القطاع السياحي بشكل كبير، ونحن نتحدث عن إلغاءات لحجوزات مسبقة، فموسم العيد متأثر بتبعات التوترات في المنطقة، وكثير من الدول التي نستقبل منها سياحا علّقت رحلاتها الجوية، ما يعني حالة عزوف عن السياحة. وبين الخصاونة في حديثه لـ»الدستور» أن شهر رمضان لم يشهد نشاطا سياحيا بالمطلق، بل على العكس كان هناك نسب مرتفعة من إلغاء الحجوزات، وسيكون واقع الحال في عطلة العيد على ذات النحو، لكن بطبيعة الحال سيكون هناك نشاط للسياحة الداخلية، وقد وضعت كافة الاستعدادات لهذه الغاية، إضافة إلى وجود أعداد من المغتربين ممن يصلون للمملكة برا.
وأكد رئيس مجلس إدارة جمعية السياحة الوافدة نبيه ريال، أن السياحة تصطدم بأكثر من عائق لتحقيق نشاط سياحي، أولها التصعيد في الشرق الأوسط، وارتفاع أسعار تذاكر الطيران، وعدم وجود طيران بعدد من الدول، نتيجة قرارتها بتعليق الرحلات الجوية، ما يدفع باتجاه العزوف عن السياحة.
ولفت ريال في حديثه لـ»الدستور» إلى أن نسبة إلغاء الحجوزات لشهر آذار الجاري وصلت إلى (100%)، فيما تراوحت للشهرين القادمين ما بين (60% إلى 70%)، بين شركات السياحة والفنادق. وبين ريال أن نسبة خسائر قطاع السياحة بعد نشوب الحرب تقدّر بالملايين من الدنانير، معتبراأ ن القطاع يشهد أزمة كبيرة. وقال إن هناك جهودا تبذل بين القطاعين العام والخاص لتجاوز هذه الأزمة، وتبعاتها على قطاع السياحة، وغرفة طوارئ شكلتها وزارة السياحة لمتابعة الأمر والوقوف على تفاصيله ووضع خطة تعامل.
وحول عودة المغتربين خلال عطلة العيد، بين ريال أن هناك مجالا لعودة أعداد منهم عن طريق البر، ولكن لن تكون أعدادهم كما في كل موسم للأعياد، ذلك أن التخوفات من حالة التصعيد ما تزال تسيطر على واقع الحال، لذا فإن أعداد المغتربين ستكون حتما أقل بكثير عن أعوام سابقة.
جمعية الفنادق الأردنية أكدت أن نسب الحجوزات الفندقية ضعيفة جدا، سواء كان في الفنادق أو الشقق الفندقية، وخلال شهر رمضان كانت الحجوزات ضعيفة جدا، وستكون كذلك خلال عطلة العيد.
