في مقالات سابقة تحدثنا عن أهمية التحول الرقمي في تطور الصناعة المصرفية الإسلامية، وفي هذا المقال سوف نتحدث عن أحد أهم مكونات التحول الرقمي كما حددها التقرير الصادر عن منظمة التعاون الرقمي للعام 2024.
وهو وجود “اقتصاد الثقة”، إلى جانب عدة عوامل منها هي: “الذكاء الاصطناعي، والواقع الرقمي، والأمن السيبراني، والأنظمة البيئية الذكية، والاقتصاد الأخضر”.
فما هو اقتصاد الثقة وكيف يؤثر في مستقبل التحول الرقمي في الصناعة المصرفية الإسلامية.
هو إذن عبارة عن نظام اقتصادي وبنية تحتية تحدد فيها المعاملات والقرارات على مبدأ المصداقية والشفافية والحوكمة المؤسسية، فالحوكمة المؤسسية تعطي قوة للمؤسسات وتعزز ثقة المستثمرين، مما يساهم في جذب رؤوس الأموال لقطاع الصناعة المصرفية الإسلامية، كما أن ثقة المتعاملين بالقطاع تعمل على خفض تكاليف المعاملات بشكل عام وتسرع عملية النمو لهذا القطاع.
وقد يؤدي فقدان الثقة إلى مخاطر عدة، منها: توجه المستثمرين إلى تخزين الأصول الآمنة، وتجنب المعاملات التي يتم تسويتها بالعملات المحلية، كما يؤثر ذلك على خطط التوسع للمشروعات الكبرى أو تأجيل تنفيذها.
فاقتصاد الثقة يعني الآمان النفسي الذي يعد عاملا أساسيا ضمن شروط الإبداع والابتكار.
إذن فالثقة تعني النتاج التراكمي للمصداقية، على سبيل المثال، كأن تفي بوعودك الصغيرة باستمرار مثل تسليم التقارير في موعدها، أو الرد على البريد الإلكتروني للعملاء في الموعد المحدد، فهذه الثقة تساهم في بناء سمعة للمؤسسة. ففقدان الثقة قد يساهم في دقائق عدة، بخسارة سنوات من البناء المؤسسي، فالثقة لم تعد مفهوما معنويا، بل هي رأسمال غير مادي يساهم في نجاح المؤسسة ويساعدها في التغلب على مخاطر المنافسة في الأسواق المالية.
وهنا، تظهر أهمية منظومات الحوكمة المستقلة في ترسيخ ثقافة الشفافية والمصداقية لتكون أكثر قدرة على الابتكار، وقادرة على التطور والاستدامة لتحقيق عائد أفضل للمستثمرين وعائد على المجتمع عموما. فهي عامل رئيسي للابتكار والاستدامة المالية والاجتماعية، في الوقت الذي يتعرض فيه الاقتصاد العالمي للمزيد من المخاطر والتقلبات غير المحسوبة.
فالقول هنا إن الثقة مرتبطة بالأفراد أو أصحاب القرار قد لا يكون دقيقا كون الثقة الاقتصادية عبارة عن منظومة مالية واقتصادية متكاملة، أساسها الوضوح في سياسة المؤسسة واستقرار تشريعاتها حتى نصل إلى الإنتاج وخطط الاستثمار. وهذا ما قصدناه في قطاع الصناعة المصرفية الإسلامية على وجه الخصوص، على اعتبار أنها لا تحتاج إلى المال وحده، بل تحتاج كذلك إلى الثقة والمصداقية اللتان تحققان التفاعل بين رأس المال والعملية الإنتاجية.
فالصناعة المصرفية الإسلامية، ليس أمامها سوى اختيار عامل “اقتصاد الثقة”، استعدادا للتحول للتكنولوجيا الرقمية، لأن ذلك سيساهم وبكل تأكيد في اتساع قاعدة هذه المصارف من العملاء، وزيادة حصتها في الأسواق المالية سواء المحلية أو العالمية.
وهذا ما نلمسه من التوجهات الجادة والنشاطات التي نتابعها دون كلل من قبل العديد من المؤسسات المالية والمصرفية الإسلامية بهذا الاتجاه، من اختيار الحوكمة المؤسسية، والشفافية، والمصداقية، والسعي لتبسيط إبرام وتنفيذ عقود التمويل وصيغها الملتزمة بأحكام الشريعة الإسلامية وفلسفتها المالية.
نحن بحاجة إلى رؤية تواكب هذا التطور ملتزمة بأحكام الشريعة الإسلامية وتطرح قضايا وتحديات الصناعة المصرفية الإسلامية بكل جرأة، لدرء المخاطر المحتملة سواء من التعامل مع هذا التطور التكنولوجي الهائل، أو التريث في اتباعه.
ويتوجب علينا ألا ننتظر إلى حين اتساع الفجوة الرقمية بين صناعتنا المصرفية الإسلامية والصناعة المصرفية التقليدية، مع إقرارنا بفارق العمر الزمني لكليهما. ولتحقيق أهداف هذا التحول مع التركيز على “اقتصاد الثقة”، لا بد من وضع إستراتيجية هدفها الابتكار، والتجديد، والانتقال إلى مستوى يواكب التطور العلمي والتكنولوجي، والاستعداد للتعامل مع استحقاقات الاقتصاد الرقمي، والتمهيد كذلك لتأسيس قاعدة معرفية وبحثية للمصرفية الإسلامية أينما وجدت، مبنية على الالتزام بأخلاقيات وأحكام الشريعة الإسلامية، تتلاءم وتنسجم مع مستجدات الاقتصاد العالمي، وإعطاء أولوية استثنائية يكون الهدف منها تطوير الأفكار والفلسفة القائم عليهما عمل قطاع المصارف الإسلامية ومؤسساته المالية. (الغد)
* باحث ومتخصص في التمويل الإسلامي
