Home مقالاتالأردن في عصر الذكاء الفائق: من استهلاك التكنولوجيا إلى صناعة المستقبل

الأردن في عصر الذكاء الفائق: من استهلاك التكنولوجيا إلى صناعة المستقبل

د. أحمد الخصاونة

by sadmin

لم تعد التكنولوجيا قطاعًا منفصلًا عن الاقتصاد والتنمية، بل أصبحت محركًا رئيسيًا للتحولات العالمية وأحد أهم عناصر القوة والتنافسية. ومن هذا المنطلق، تكتسب تحركات ولقاءات سمو الأمير الحسين بن عبدالله الثاني، ولي العهد، مع قادة المؤسسات والشركات التكنولوجية العالمية أهمية خاصة، لما تعكسه من توجه نحو تعزيز حضور الأردن في قلب التحولات التقنية، والاستفادة منها في بناء اقتصاد أكثر ابتكارًا وتنافسية.

وتأتي لقاءات سمو ولي العهد مع قادة مؤسسات تكنولوجية في الولايات المتحدة ضمن مسار متواصل من الاهتمام بالذكاء الاصطناعي والاقتصاد الرقمي، شمل بحث فرص التعاون في تطوير الأنظمة والنماذج المرتبطة بالذكاء الاصطناعي، والتصنيع وأتمتة العمليات اللوجستية في العقبة، إلى جانب تطوير الخدمات الحكومية الرقمية وتحسين البيئة الاستثمارية من خلال مبادرات المجلس الوطني لتكنولوجيا المستقبل.

وفي ظل تصاعد الحديث عالميًا عن مصطلح Super Intelligence (SI) أو «الذكاء الفائق»، من المهم التمييز بين الاستخدام السياسي والإعلامي للمصطلح وبين مفهومه العلمي. فالذكاء الاصطناعي، ما يزال المصطلح العلمي المعتمد، بينما يشير «الذكاء الفائق» في الأدبيات إلى مستوى افتراضي تتجاوز فيه الأنظمة قدرات الإنسان في نطاق واسع من المهام الفكرية والمعرفية، دون وجود إجماع علمي على بلوغ الأنظمة الحالية هذا المستوى.

لكن الأهم أن العالم يتجه بالفعل نحو أنظمة أكثر استقلالية وقدرة على الاستدلال وتنفيذ المهام وإدارة العمليات المعقدة في الصناعة والصحة والتعليم والنقل والخدمات الحكومية. وهنا تبرز فرصة الأردن.

فالمملكة تمتلك رأس مال بشريًا متميزًا في تكنولوجيا المعلومات والهندسة والذكاء الاصطناعي، ويمكنها عبر الشراكات الدولية والاستثمار في البحث العلمي والبنية التحتية الرقمية أن تنتقل من موقع مستهلك للتكنولوجيا إلى موقع مشارك في تطويرها وإنتاجها.

وتفرض هذه المرحلة مسؤولية كبيرة على الجامعات الأردنية؛ إذ لم يعد كافيًا تطوير البرامج التقليدية، بل أصبح من الضروري التوسع في الذكاء الاصطناعي، والروبوتات، وإنترنت الأشياء، والأمن السيبراني، والحوسبة السحابية، والبيانات الضخمة، والأنظمة الذكية والمستقلة، وربط التعليم والبحث العلمي باحتياجات الصناعة والاقتصاد الوطني.

إن التحدي الحقيقي ليس في معرفة مدى تقدم العالم، بل في تحديد موقع الأردن في عالم التكنولوجيا القادم. والطريق يبدأ بالإنسان الأردني: الطالب، والباحث، والمهندس، والمبرمج، وريادي الأعمال.

فإذا نجح الأردن في تحويل المعرفة إلى ابتكار، والابتكار إلى منتجات وشركات واقتصاد منتج، فلن يكون مجرد مستخدم لتكنولوجيا المستقبل، بل شريكًا في صناعتها.

ومن منظور الجامعات الأردنية، فإن هذا التحول يضع أمامنا مسؤولية كبيرة. فلم يعد كافيًا أن تبقى برامج تكنولوجيا المعلومات أسيرة المسميات والمناهج التقليدية؛ بل أصبح من الضروري تطوير برامج أكاديمية وبحثية في الذكاء الاصطناعي المتقدم، وإنترنت الأشياء، والأمن السيبراني، والروبوتات، والحوسبة السحابية، والبيانات الضخمة، والأنظمة الذكية والمستقلة، وربطها مباشرة بالصناعة والاقتصاد الوطني.

كما ينبغي أن تتحول الجامعات إلى شريك فاعل في هذه الرؤية من خلال إنشاء مختبرات ومراكز بحثية متقدمة، ودعم الشركات الناشئة، وتطوير براءات الاختراع، وتشجيع البحوث التطبيقية، وبناء شراكات حقيقية مع الشركات التكنولوجية العالمية.

إن الرسالة التي يمكن قراءتها في تحركات سمو ولي العهد واضحة: مستقبل الأردن سيكون مرتبطًا بقدرته على امتلاك المعرفة والتكنولوجيا، وليس مجرد استخدامها.

وفي عالم ينتقل بسرعة من الذكاء الاصطناعي التقليدي إلى أنظمة أكثر تقدمًا واستقلالية، فإن الاستثمار الحقيقي يجب أن يبدأ بالإنسان الأردني: بالطالب، والباحث، والمبرمج، والمهندس، وريادي الأعمال.

ولعل أهم ما يميز رؤية سمو الأمير الحسين بن عبدالله الثاني في هذا المجال أنها تربط التكنولوجيا بالتنمية والاقتصاد والاستثمار والخدمات العامة، أي أنها تتعامل مع التكنولوجيا باعتبارها أداة لبناء المستقبل، لا غاية بحد ذاتها.

والتحدي أمامنا اليوم ليس أن نسأل أين وصل العالم في الذكاء الاصطناعي، بل أن نحدد أين نريد أن يكون الأردن في عالم الذكاء الفائق القادم.

وهنا تقع على الجامعات والمؤسسات التكنولوجية والقطاع الخاص مسؤولية تحويل هذه الرؤية إلى معرفة، وهذه المعرفة إلى ابتكار، والابتكار إلى اقتصاد منتج قادر على المنافسة عالميًا.

فالمستقبل لن ينتظر أحدًا، والأردن يمتلك العقول القادرة على أن تكون جزءًا من صناعته.(الدستور)

You may also like