اسواق جو – لم يعد التمويل الاستهلاكي مجرد وسيلة لتلبية احتياجات الأسر وتأجيل دفع ثمن مشترياتها، بل أصبح جزءاً من المشهد الاقتصادي، في ظل تزايد الالتزامات المعيشية واتساع الفجوة بين الدخل والإنفاق؛ ما يدفع بعض المواطنين إلى اللجوء للقروض والتسهيلات الائتمانية لتغطية احتياجاتهم، سواء الأساسية منها أو المرتبطة بتحسين مستوى المعيشة.
وبينما يسهم الاستهلاك في تحريك الأسواق وتنشيط الطلب على السلع والخدمات، تبرز تساؤلات حول مدى تناسب الاقتراض مع دخول الأسر، وانعكاساته على قدرتها المالية، خصوصاً عندما يتجه التمويل نحو شراء سلع مستوردة أو تلبية احتياجات غير ضرورية، على حساب الالتزامات الأساسية.
وفي هذا السياق، يرى الخبير الاقتصادي حسام عايش أن الاستهلاك يرتبط مباشرة بمستويات دخل المواطنين وقدرتهم على الإنفاق، مشيراً إلى أن الفجوة بين دخل الأسرة ومصروفاتها تدفع بعض الأسر إلى الاستعانة بالقروض والتسهيلات المصرفية لتعويض النقص في قدرتها الشرائية.
ويوضح عايش أن الاستهلاك لا يقتصر على الاحتياجات الأساسية، مثل الغذاء والسكن والتعليم والصحة والنقل، بل يمتد إلى احتياجات استراتيجية، كشراء المنازل والسيارات، لافتاً إلى أن الاستهلاك المتناسب مع الدخل يسهم في تحفيز الطلب وتنشيط الأنشطة الاقتصادية وزيادة الاستثمارات والإنتاج.
ويشير إلى أن الأثر الاقتصادي للاستهلاك يختلف بحسب طبيعة السلع والخدمات التي يتجه إليها، إذ إن زيادة الطلب على المنتجات المحلية تدعم النشاط الاقتصادي، في حين أن الاعتماد المتزايد على السلع المستوردة يحدّ من استفادة الإنتاج المحلي من هذا الإنفاق، ويزيد الطلب على العملات الأجنبية.
ويلفت عايش إلى أن حجم القروض الممنوحة للأفراد، بما فيها القروض العقارية والشخصية وتمويل السيارات وبطاقات الائتمان، يعكس جانباً من لجوء المواطنين إلى التمويل لتغطية احتياجاتهم، مؤكداً أن القضية لا تتعلق بالاقتراض بحد ذاته، بقدر ما ترتبط بمدى قدرة المقترض على تحمّل أعبائه والوفاء بالتزاماته.
وفي المحصلة، يبقى التمويل الاستهلاكي أداة يمكن أن تسهم في تحسين مستوى معيشة الأسر وتحريك عجلة الاقتصاد، لكنه يتطلب توازناً بين الاحتياجات والقدرة على السداد، إلى جانب تعزيز الدخول وفرص العمل والإنتاج المحلي، بما يضمن ألا يتحول الاقتراض من وسيلة لتلبية الاحتياجات إلى عبء طويل الأمد يستنزف دخل الأسرة ويحدّ من قدرتها على الإنفاق مستقبلاً.
