Home مقالاتالنفط بين أوهام واشنطن وحقيقة السوق العالمية

النفط بين أوهام واشنطن وحقيقة السوق العالمية

by sadmin

اسواق جو – حسابات الربح والخسارة هي القاعدة الأساسية في سياسة الإدارة الأميركية الحالية، التي ترى في بسط نفوذها الجيوسياسي بالقوة أو بمزيد من القوة الأداة الأضمن لتحقيق أهدافها، هذا ما نراه في كل نزاع تختلقه واشنطن حول العالم، وليس أوضح من الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران، التي انعكست نتائجها سلباً على الاقتصاد العالمي من خلال إغلاق مضيق هرمز، خاصة فيما يتعلق بتصدير النفط.

منذ بداية الحرب، كان الجميع يراقب اتجاهات أسعار النفط مع تغير مستويات التهديد الأميركي وعدم ثبات المواقف بشأن المفاوضات لإنهاء الحرب على طهران، ومع كل أسبوع تقريباً، كانت هناك تهديدات أميركية حادة وردود إيرانية؛ ما انعكس على الأسواق العالمية، خصوصاً النفط، لكن الملاحظ أن الأسعار لم ترتفع إلى المستويات التي توقعتها مؤسسات دولية، فلم يقترب النفط من حاجز 120 دولاراً، ولم يرتفع الطلب بشكل مؤثر على الأسعار.

واشنطن حاولت أن تُظهر نفسها كالمتحكم الأول في مسار أسعار النفط، مستندة إلى توقعات مبالغ فيها مثل وصول البرميل إلى 150 دولاراً، وبنت على ذلك سيناريو تحقيق أرباح ممتازة من خلال بيع النفط الفنزويلي للدول التي لا تستطيع الحصول على نفط الخليج بسبب إغلاق هرمز، غير أن هذه الرؤية ليست سوى أداة ضغط سياسي واقتصادي، بينما السوق العالمية تمتلك آليات ذاتية للتوازن والتكيف.

في بداية الأزمة، ارتفعت العلاوات المادية بشكل حاد، وكان يُتوقع أن تلحق العقود الآجلة بالسوق الفعلية، لكن ما حدث هو العكس، السوق الفعلية تراجعت لتلحق بالعقود الآجلة. هذا يعكس أن المشترين لم يستسلموا لسيناريوهات الرعب الأميركية، بل راهنوا على حل سريع أو على الأقل تخفيف آثار الأزمة عبر المضيق، ومع تقلبات الأسعار، لجأت الأسواق إلى أدواتها الطبيعية مثل السحب من المخزونات الاستراتيجية، خفض معدلات تشغيل المصافي، وإعادة توجيه الإمدادات من مناطق أخرى، وهو ما منع انفلات الأسعار على الأقل حتى نهاية العام الحالي.

أما العام المقبل، فإن سيناريوهات التوقعات تكشف أن الأرقام المرتفعة ليست سوى انعكاس لهواجس سياسية أكثر من كونها قراءة اقتصادية دقيقة، فالتجارب السابقة، بما فيها تخفيضات تحالف أوبك+ خلال جائحة كورونا، أثبتت أن الإنتاج يعود سريعاً دون خسائر دائمة في المكامن، وأن أي تعطيل مؤقت لا يعني فقدان القدرة الإنتاجية، بل إن بعض الإغلاقات المؤقتة تساعد على إعادة توازن ضغط المكامن، ما يعزز الإنتاج عند إعادة التشغيل.

الولايات المتحدة تراهن على أن ارتفاع الأسعار سيجبر الدول على شراء النفط الفنزويلي الذي استولت عليه، لكن هذه السياسة لن تسير كما تريدها الإدارة الأميركية، فالمخزونات الاستراتيجية لدى دول منظمة التعاون الاقتصادي، إلى جانب الطاقة الفائضة لدى دول خليجية كالسعودية والإمارات، تشكل صمام أمان يمنع أي انفلات سعري مبالغ فيه، ومع أن واشنطن تحاول تصوير الأمر وكأنه فرصة لجني أرباح خيالية، فإن السوق بدأت تداولات الأسبوع الحالي على حالة شبه مستقرة، ما يؤكد أن الأسعار لا تتحرك وفق رغباتها بل وفق معادلة العرض والطلب العالمية.

الواقع أن المنتجين في الخليج سيعملون على تعويض الإيرادات المفقودة فور إعادة فتح المضيق، ما يخلق فائضاً في المعروض ويضغط الأسعار نزولاً في 2027، وهذا يعني أن أي محاولة أميركية لدفع الأسعار إلى مستويات غير واقعية ستصطدم بقدرة السوق على التوازن الذاتي، وبحقيقة أن النفط سيبقى سلعة اقتصادية تخضع لقوانين العرض والطلب، لا أداة لتحقيق مكاسب سياسية آنية.

السياسات الأميركية في سوق النفط ليست سوى أوهام سياسية واقتصادية، بينما السوق العالمية تثبت مرة بعد أخرى أنها أكثر نضجاً ومرونة، التوقعات بأرباح أميركية خيالية من بيع النفط بأسعار فلكية لن تتحقق، لأن الأسواق لا تستسلم للضغط، بل تعيد ضبط نفسها وفق معطياتها، وتُفشل رهانات واشنطن على التحكم المطلق.

 

الدستور

You may also like