Home مقالاتتيارات «هرمز» تبتلع الاتفاق

تيارات «هرمز» تبتلع الاتفاق

لما جمال العبسه

by sadmin

اسواق جو – في المشهد الراهن، الذي يسيطر عليه التصعيد المتسارع بين امريكا وإيران، يبدو ان السياسة الأميركية الترامبية تعيد إنتاج منطق القوة بين الحين والآخر وكأنها أداة وحيدة لإدارة الصراع، خصوصاً مع إيران، بمعنى تُعرف مفهوم إدارة الأزمات عبر القوة، لا عبر التفاوض.

إعلان ترامب خلال قمة الناتو، امس، في العاصمة التركية أنقرة عن انتهاء مذكرة التفاهم واعتبار المفاوضات مع طهران مضيعة للوقت، ليس مجرد موقف تكتيكي، بل يعكس رؤية استراتيجية أعمق، تقوم على فرض السلام بالقوة، وهو ما تعتبره إيران إملاءً غير مقبول وتتعامل معه باعتباره تهديداً مباشراً لسيادتها ومصالحها الحيوية، وهذه المقاربة ليست مجرد رد فعل على ضربات متبادلة، بل هي جزء من مشروع سياسي أوسع يهدف إلى إعادة صياغة قواعد اللعبة في المنطقة، وإظهار الولايات المتحدة كقوة لا تُنازع في تقرير مصيرها.

القرار الأميركي بالعودة إلى التصعيد العسكري يرتبط بجملة من المعطيات غير المعلنة، أولها أن واشنطن تسعى إلى إعادة ضبط ميزان القوى في الخليج العربي عبر الضغط العسكري، بحيث تُجبر إيران على التراجع عن طموحاتها النووية والإقليمية، وثانيها أن الملف الإيراني يُستخدم داخلياً كورقة انتخابية، إذ يقدّم ترامب نفسه باعتباره الرئيس الذي لا يساوم على الأمن القومي، ويستثمر في خطاب القوة لإقناع الناخب الأميركي بجدوى سياساته، وثالثها أن التوتر في مضيق هرمز يمنح واشنطن قدرة على التحكم بالأسواق العالمية خاصة النفط، وهو ما يتيح لها التأثير في أوروبا وآسيا، ويعزز موقعها التفاوضي مع القوى الكبرى.

من هنا يمكن تصور ثلاثة سيناريوهات محتملة لمسار الأزمة، الأول  التصعيد الشامل، حيث تتوسع العمليات العسكرية لتشمل ضربات متبادلة على نطاق واسع، ما يؤدي إلى تعطيل الملاحة في مضيق هرمز وارتداداته على اسواق النفط العالمية، مع انزلاق المنطقة إلى مواجهة إقليمية مفتوحة، وفي هذا السيناريو يحقق لترامب هدفه في إظهار الحزم، لكنه يضع العالم أمام أزمة اقتصادية وأمنية لا يمكن احتواؤها بسهولة. اما  الثاني فهو التهدئة المؤقتة بوساطة محدودة، حيث قد ينجح الوسيطان الباكستاني والقطري في تجميد التصعيد عبر تفاهمات جزئية، مثل إعادة فتح الملاحة أو الإفراج عن جزء من الأموال الإيرانية المجمدة، هذه التهدئة تمنح الأطراف فرصة لالتقاط الأنفاس، لكنها تظل هشة وقابلة للانهيار عند أول حادث جديد. والثالث هو إعادة التفاوض بشروط جديدة، حيث تسعى واشنطن إلى فرض صيغة أكثر صرامة تربط تخفيف العقوبات بتنازلات واضحة من إيران في كافة الملفات، وهذا السيناريو يتطلب قبول إيران بمبدأ «السلام بالقوة» ولو جزئياً، وهو ما تعتبره طهران تنازلاً صعباً، لكنه قد يُفرض عليها تحت ضغط اقتصادي وعسكري متزايد.

لا بد من القول ان انعكاسات هذه السيناريوهات لا تقتصر على واشنطن وطهران، بل تمتد إلى القوى الكبرى الأخرى، على سبيل المثال روسيا قد تستثمر في دعم إيران لتعزيز موقعها كقوة موازنة للولايات المتحدة، بينما ستتضرر الصين مباشرة من تعطيل الملاحة في هرمز؛ ما قد يدفعها إلى لعب دور أكثر نشاطاً في الدعوة إلى التهدئة، فيما سيجد الاتحاد الأوروبي نفسه في مأزق مزدوج بين حاجته للطاقة ورفضه الانجرار إلى سياسة أميركية قائمة على القوة، ما قد يعمّق الفجوة بين ضفتي الأطلسي.

في المحصلة، يمكن القول إن سياسة ترامب تجاه إيران ليست مجرد إدارة أزمة، بل هي محاولة لإعادة صياغة قواعد اللعبة الدولية عبر القوة، غير أن هذا النهج، وإن بدا حاسماً في المدى القصير، قد يقود إلى نتائج عكسية في المدى الطويل، إذ يفتح الباب أمام صراعات لا يمكن للعالم أن يتحمل كلفتها، ذلك أن السلام الذي يُفرض بالقوة قد ينهار عند أول اختبار.

 

الدستور

You may also like